من المؤكد لدى الباحثين، أن العقيدة هي الأمر الذي تثق به النفس، ويطمئن إليه القلب، ويكون يقينًا عند صاحبه، ولا يمازجه شك فيه، ولا يخالطه ريب. ويذكر العقاد: أننا نعني بالعقيدة الدينية طريقة حياة، لا طريقة فكر، ولا طريقة دراسة، إنما نعني بها حاجة النفس، كما يحس بها من أحاط بتلك الدراسات، ومن فرغ من العلم والمراجعة، ليترقب مكان العقيدة من قرارة ضميره، إنما نعني بها ما يملأ النفس لا يملأ الرؤوس أو الصفحات.
إن العقيدة التي يصح أن توصف بالعقيدة الدينية، هي التي لا يستغني عنها من وجدها، ولا يطيق الفراغ منها من فقدها، ولا يرفضها من اعتصم منها، بمعتصم، واستقر فيها على قرار.
ومن يتأمل العقيدة الإسلامية، ويتدبر ما جاءت به من مفاهيم تناولت معضلات الحياة، إن من يتأمل ذلك يحس بالاطمئنان، ويتخلص من الحيرة التي تواجه كثيرًا من المفكرين.
والحقيقة التي أثبتها مئات السنين الحافلة بالأحداث، والخطوب، والمحن، حقيقة أن العقيدة الإسلامية هي العقيدة الشاملة، والعقيدة المثلى للإنسان، والمجتمع، وهي رعاية للروح والجسد، وعمل للدنيا والآخرة، وجهاد في السلم والحرب، وتنظيم للعلاقات والصلات الاجتماعية بين الأفراد والجماعات والأمم.
فالعقيدة ضرورة لا غنى عنها للفرد والجماعة. . ضرورة للفرد ليطمئن ويسعد، وتطهر نفسه. . وضرورة للمجتمع ليستقر ويتماسك، ويترفع وينهض. .
فالفرد بغير عقيدة كالريشة في مهب الريح، تحوله يمينًا وشمالًا، فلا يسكن له حال، ولا يستقر له قرار، وليس له جذور تثبته.
والعقائد في الأمم تقف سدودًا بينها وبين الأفكار الوافدة، أو المذاهب المقتحمة، وتعطي أعماقًا للصروح والمجتمعات والأفراد، كما تمنح استقرارًا وثباتًا للإنسان في الحياة، أما إذا تركت الأمم عقائدها، وتخلفت عن غذائها الروحي، وعن عمقها الإيماني، فإنها تصبح فريسة لمن هب ودب. .
والباحث في أحوال الشعوب الإسلامية: يجد أنها لم تحسن التخطيط، ولم تستفد من الدروس، فانطلقت في سبيل الشهوات والملذات، والطوائف، والاختلاف، وتركت تعاليم الإسلام التي تدعو إلى الفكر، والعلم والحضارة. . فكان ما كان..
لقد اتضح لنا أن (الغزو الفكري) الذي تعرضت له، شعوب الأمة الإسلامية ولا تزال تتعرض، قام على أسباب وبواعث، دفعت بالغزو الفكري إلى تكالب مسعور، وكان في الإمكان أن ترد الهجمة الشرسة، ولكن كانت هناك عوامل تنتشر في المجتمعات الإسلامية، ساعدت على توغل الغزو الفكري، وانتشاره بين الناس.
وقد سبق أن ذكرت أن من عوامل وأسباب (الغزو الفكري) :
-العداء الصليبي للإسلام والمسلمين.
-الاستعمار الغربي الذي أصاب بعض المجتمعات الإسلامية.
-تقدم الغرب العلمي.
-الضعف الفكري والتفكك الاجتماعي الذي أصاب المسلمين.
-الفراغ العقدي الذي دلت عليه سلوكيات المسلمين.
وقد تكون هناك أسباب أخرى: داخلية أو خارجية، عملت على تمزيق الأمة الإسلامية، وقتل روح الأصالة فيها والتجديد، والقدرة على مواجهة التحدي.
ولا يخفى أن التعرف على الأسباب، قد يدفع بالعلماء، وقادة الفكر إلى تشخيص الداء، وبذل الدواء، وإذا عرف التحدي أمكنت المواجهة، وإذا كانت معرفة أسباب الغزو الفكري، تقف بالمسلمين على محطات الانطلاق، فإن معرفة مظاهر الغزو الفكري، تساعد على التبصر بالمواقع والمواقف.
مظاهر الغزو الفكري كثيرة ومتعددة، وتكاد تشمل جميع جوانب الحياة، وهذه المظاهر، لم تكن إلا بناءًا على دراسات دقيقة لأحوال المجتمعات الإسلامية. .
لقد خطط أعداء الأمة الإسلامية، وتدارسوا الأمر فيما بينهم، ووضعوا مخططات تنفذ بكل دقة، وتوالت مظاهر الغزو الفكري تنتشر بين المسلمين، يساعد على ذلك أمران:-
الأمر الأول: موالاة بعض حكام المسلمين للغرب.
الأمر الثاني: الدعاية للنظم الغربية والتغرير بها.
ولو لا هذه المساعدة، لكان من الصعب على مظاهر الغزو الفكري أن يستشري خطرها، وقد نجح الغزو الفكري في إعداد بعض (كوادر) تتولى القيادة، وإدارة أمور المجتمعات. وكانت الدعاية للنظم الغربية والتغرير بها، تدفع الناس إلى قبول ما يأتي من الغرب - أيًا كان - .
ومظاهر الغزو الفكري يلمسها المراقب والباحث في كثير من القضايا مثل:
1-حملات التشويه.
2-إحياء النزعات الجاهلية.
3-إبعاد العلماء عن مراكز التوجيه والسلطة.
4-التعليم والثقافة.
5-الخدمات الاجتماعية.
أولًا حملات التشويه:
إذا ما بحثنا في حملات التشويه - والتي كانت مظهرًا من مظاهر الغزو الفكري - وجدنا أن هذه الحملات، مست كل ما يتصل بالإسلام من عقائد، ونظم، وتراث، وتاريخ، وفكر، وحياة.
(1) فهناك محاولة تشويه عقائد المسلمين، بغير سند ولا دليل. يقول رينان الفرنسي، وهو يصور عقيدة التوحيد في الإسلام: (بأنها عقيدة تؤدي إلى حيرة المسلم. كما تحط به كإنسان إلى أسفل الدرك) .
ودائرة المعارف الإسلامية في طبعتها الجديدة، التي لم تترجم إلى اللغة العربية، تزعم فيما تعرضه تحت مادة: (ابن تيمية) ، أن ابن تيمية كان مسرفًا في القول بالتجسيد، ومن ثم كان يفسر كل الآيات والأحاديث التي تشير إلى الله بظاهر اللفظ، وقد تشبع بهذه العقيدة، إلى درجة أن ابن بطوطة يروي عنه، أنه قال من منبر جامع دمشق: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ثم نزل درجة من درج المنبر) .
(2) : وهناك محاولة: تشويه القرآن الكريم، وهي محاولة قديمة وحديثة، وهذه المحاولة كغيرها بعيدة عن العلم والمنطق. يقول المستشرق جب: (إن محمدًا قد تأثر بالبيئة التي عاش فيها، وشق طريقة بين الأفكار والعقائد الشائعة في بيئته، فالقرآن من صنع محمد صلى الله عليه وسلم ومن ملاءمات هذه البيئة التي عاش فيها.
(3) : وهناك محاولة: تشويه السنة النبوية، وهي محاولات ضارية، عميقة الجذور في تاريخ الحرب ضد الاسلام، وهي محاولات تستهدف مما تستهدفه محاولات تشويه القرآن الكريم، من عزل المسلمين عن دينهم، بتشويه مصدرية الأساسين: القرآن والسنة . . وهي حرب دخلت على المسلمين حديثًا عن طريق الغزو الفكري، وقد جند أعداء الإسلام لتشويه السنة، ما جندوا من أقلام، وكتب، ومجلات، وبحوث، ومجمل محاولات الأعداء:
-الادعاء بأن هناك بعض الأحاديث لا يمكن أن تكون قد صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم .
-والادعاء بأن محاولة وجود شيء في الحديث النبوي يمكن القطع بصحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم تاريخيًا، محاولة فاشلة.
-الادعاء بأن الفرق الإسلامية عندما اختلفت في الآراء، أخذ كل منها يضع لنفسه الأحاديث التي يؤيد بها رأيه.
-الادعاء بأن الأحاديث النبوية ليست إلا سجلا للجدل الديني في القرون الأولى.
(4) : وهناك محاولة تشويه شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي محاولات قديمة وحديثة ومستمرة، تهاجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحاول أن تنال من شخصه.
(5) : وهناك محاولة تشويه التاريخ الإسلامي. وهذه المحاولة من أخبث المحاولات وأكثرها دهاءًا ومكرًا فقد صور هؤلاء الحاقدون على الإسلام والمسلمين، أن الفتوحات الإسلامية فتوحات غزو واستعمار، وأن الخلافة الإسلامية خلافة تآمر، وسفك للدماء، وغير ذلك كثير مما لا يقره عقل ولا دين.
(6) :محاولة تشويه التراث الإسلامي، ولا يخفى أن تشويه تراث الأمة، هو تشويه للأصالة التي تنطلق منها. وتراث المسلمين تعرض لانتهاك هؤلاء الحاقدين على كل ما هو إسلامي، فأصابه ما أصاب غيره من الافتراء والافتئات.