إن الغرب ينظر إلى الدولة اليهودية نظرة دينية فهي بالنسبة لهم ضرورة عقدية لعودة المسيح عليه السلام، كما تزعم نبوءة الألفية السعيدة، وهي بالنسبة لهم أيضًا قضية ولاء وبراء، يعادون من أجلها العالم كله، لذا فإن من ينظر إلى القضية بغير المنظار العقدي، فإنه يظلم نفسه ويضيع وقته بلا طائل، وتأملوا معي كلام [برجنسكي] مستشار الرئيس [كارتر] للأمن القومي حيث قال: [إن على العرب أن يفهموا أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات العربية؛ لأن العلاقات الأمريكية العربية لا تحتوي أيًا من هذه العوامل] .
وبعدما تقدم أقول: إن الغرب يستحث الدولة اليهودية على الإسراع في افتعال الأسباب المؤدية إلى بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى، ولعل من آخر الأسباب: موافقة الحكومة الأمريكية على اعتبار القدس، العاصمة الشرعية للدولة اليهودية.
بشائر الفجر في قلب الظلام:
رغم ذلك الزخم الجاهلي، وانتفاش الباطل، فإن المسلم الموقن بنصر الله ينظر إلى ذلك كله نظرة قرآنية انطلاقًا من قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55] .
وأختم مقالتي هذه بتخليص لأهم نتائجها وأفكارها:
أولًا: إن الانحراف العقدي، وضعف عقيدة الولاء والبراء، كان مقدمة لوقوع العالم العربي تحت الاحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى.
ثانيًا: إن نظرة الغرب لطبيعة المواجهة مع الأمة المسلمة، ليست زلة لسان، أو تصريحًا أسيء فهمه، بل هي نظرة دينية عقدية، ونهج ثابت أصيل.
ثالثًا: إن إشراف الغرب على ولادة الدولة اليهودية في فلسطين، جاء منسجمًا مع الجذور التوراتية لتلك الدول، وفي مقدمتها أسطورة الألفية السعيدة.
رابعًا: إن المسلم ليحزن من تخاذل أهل الحق في حقهم، واستماتة أهل الباطل في باطلهم.
خامسًا: إن معركة استعادة المسجد الأقصى لا تقبل إلا شعارًا واحدًا، ينبغي على الأمة المسلمة أن تعود إليه، ألا وهو شعار [يا مسلم، يا عبد الله] ، وهو الشعار الذي يحمل في طياته بشائر النصر بإذن الله
العدد 9 ـ نوفمبر 2003 م
ألقى الشاعر أحمد فضل شبلول محاضرة بندوة الثقافة والعلوم بمدينة دبي 6 مايو 2003 م تحت عنوان ثقافة الطفل في عصر التكنولوجيا، [إبداع] كانت هناك وارتأت أن تعرض ملخصًا لأهم ما ورد في محاضرة الأستاذ أحمد شبلول، نظرًا لأهمية ما تفضل به وعمقه، وقد اضطررنا نظرًا لضيق المساحة وأهمية الموضوع أن نعرض لهذه المحاضرة في جزءين.
اسمحوا لي في البداية أن أقوم بتفكيك عنوان المحاضرة 'ثقافة الطفل في عصر التكنولوجيا' وإرجاعه إلى عناصره الأولى.
الثقافة:
الثقافة، عرفها البعض بأنها الغذاء الوجداني والإمتاع الفكري المحبب الذي يسعى إليه الإنسان سعيًا، ولا يتلقاه فرضًا، ولا يساق إليه قسرًا أو كرهًا، وبالتالي فهي تختلف عن التعليم، فكل كائن من الممكن أن يتعلم ولكن ليس كل كائن من الممكن أن يكون مثقفًا، إلا إذا أراد ذلك من تلقاء نفسه.
وتشير الموسوعة العربية الميسرة إلى أن الثقافة، هي أسلوب الحياة السائد في أي مجتمع بشري، ومنذ البدايات الأولى للجنس البشري والثقافة أهم ما يمز المجتمع الإنساني عن التجمعات الحيوانية، فعادات الجماعة وأفكارها واتجاهاتها تستمد من التاريخ، وتنتقل تراثًا اجتماعيًا إلى الأجيال المتعاقبة.
الطفولة:
أما الطفولة فهي حجر الأساس في بناء المجتمعات الحديثة، والطفل هو الثروة الحقيقية لأي أمة، وثقافة الطفل هي اللبنة الأولى لثقافة الإنسان والمجتمع، ويحرص كل مجتمع متقدم على أن يتمتع الطفل بكل أسباب السعادة والرفاهية والتثقيف والتفكير السليم، وتعد مرحلة الطفولة من أهم مراحل التكوين ونمو الشخصية، بل إن هذه المرحلة هي المرحلة الحاسمة في تكوين شخصية الإنسان وبخاصة، كما يذهب البعض، السنوات الخمس الأولى، لكن التقسيم الشائع لدى علماء نفس الطفل للطفولة هو: مرحلة الطفولة المبكرة [3 ـ 6 سنوات] ومرحلة الطفولة المتوسطة [6 ـ 9 سنوات] ومرحلة الطفولة المتأخرة [9 ـ 12 سنة] وأخيرًا مرحلة المثالية أو الرومانسية [من 12 إلى نهاية مرحلة الطفولة أو إلى 18 سنة] .
ثقافة الطفل:
وبعامة فإن ثقافة الأطفال هي جزء من الثقافة الكلية للمجتمع, بل إن هادي نعمان الهيتي يذهب إلى أنه تظهر في ثقافة الأطفال الملامح الكبيرة لثقافة المجتمع في العادة، فالمجتمع الذي يولي أهمية كبيرة لقيمة معينة تظهر في العادة في ثقافة الأطفال.
ومن ناحية أخرى فإن الأسرة تؤدي دورًا مهما في تكوين ثقافة الطفل، وكلما كان الأب أو الأم أو الإخوة الكبار من ذوي التعليم والثقافة العالية، ساعد ذلك الأطفال على أن ينشئوا في بيئة ثقافية صحية.
ولما كانت مجتمعاتنا العربية بدأت تظهر اهتمامًا بمسألة الحاسب الآلي، بل تشجيع على استخدامه في جميع مجالات الحياة، فقد كان من الطبيعي أن تظهر الثقافة الحاسوبية، أو الثقافة الإلكترونية لدى الأجيال الجديدة، ومن ثم فإن ثقافة هذا الجيل الجديد من أبنائنا وأحفادنا تختلف ـ إلى حد كبير ـ عن ثقافة الأطفال في الجيل السابق، فثقافة هذا الجيل تتشكل من خلال استخدامه لجهاز الكمبيوتر لكي تكون متوائمة مع روح العصر، ومع الآمال الموضوعة للمستقبل، ومن هنا تتحقق المقولة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصالحة لكل زمان ومكان: 'لا تعلموا أولادكم عاداتكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم'.
ويذهب د. سليمان العسكري إلى أن تربية الطفل لم تعد تقتصر على الأسرة، أو المؤسسة التعليمية فقط، ولكن التكنولوجيا الحديثة، وما أنتجته من أجهزة باهرة أصبح نصيبها في تربية الطفل النصيب الأوفر.
الثقافة الإلكترونية:
وقد تعددت وسائل الثقافة، وأساليبها ووسائطها، وألوانها وأشكالها ولن نتحدث عن كل أساليب الثقافة المطروحة على أطفالنا، وأشكالها، وتأثيراتها، لن نتحدث عن الكتاب، والصحيفة والمجلة والأغاني والأناشيد، والقصص المروية أو المكتوبة والإذاعة المسموعة والمرئية و [السينما] و [الفيديو] ، وشرائط التسجيل والأسطوانات، والمعارض والمتاحف، والرحلات سواء الترفيهية أو التثقيفية، وحتى الألعاب التقليدية التي تتبارى المصانع في إنتاجها، وغيرها من أدوات التغير الثقافي، أو من أشكال ثقافة الطفل، ولكن سيكون حديثنا منصبًا على شكل ثقافي جديد بدأ يغزو العقول والوجدان، وانتشر في الأسواق والبيوت والمدارس والمعاهد ودور الحضانة .. إلخ. وقد عرف هذا الشكل باسم 'الثقافة الإلكترونية'، التي جلبها دخول أجهزة الحاسب الآلي، وشبكات المعلومات [إنترنت] وغيرها، في منازلنا ومدارسنا ونوادينا .. إلخ.