ونحن في هذه المقام نتفق مع عبد الله العروي في قوله 'الثورة الإلكترونية الإعلامية ثورة حقيقية، لها فوائد نلمسها كل يوم في المطارات والبنوك والمكتبات وغيرها، لكن بقدر ما تزيد المجتمع المتعلم المصنع علمًا ومعرفة ونشاطًا، بقدر ما تغمس المجتمع الذي تعوزه المؤسسات في الذهنية الخرافية الاستهلاكية ولا يتلافى الخطر إلا باتباع سياسة ثقافية قومية واعية متكاملة.
ونتفق أيضًا مع د/ نوال عمر في قولها مما لا شك فيه أن اختراع الوسائل الإعلامية المختلفة تعد من أرقى ما وصل إليه العقل البشري في العصر الحديث، وهي تستعمل للخير وتستعمل للشر، ولا يختلف اثنان على أن هذه الاختراعات لو استخدمت في الخير، ونشر العلم وتثبيت العقيدة الإسلامية وتدعيم القيم الأخلاقية، وربط الجيل الحاضر بأمجاده وتاريخه، لكان لها الدور الإيجابي للاستفادة منها والاستماع إليها. أما إذا استعملت لترسيخ الفساد والانحراف، ونشر الرذيلة والانحلال كان لها الدور السلبي.
ونحن حين نتحدث عن هذا الشكل الثقافي الجديد. فإنما نتحدث عن المستقبل القريب لمجتمعنا الغربي، وهو يقف على أولى عتبات القرن الحادي والعشرين، ومستقبل الطفولة والأطفال في هذا المجتمع نأمل له كل الخير والتقدم والازدهار، في ظل طفولة سوف تحكم هذا الوطن العربي الكبير عندما تكبر في العقود القليلة القادمة، فالأطفال والشباب هم أكثر الفئات العمرية استجابة للتغير الاجتماعي والثقافي والفني، ومن ثم فهم صانعو التطور والتغيير في المستقبل القريب.
وإذا كان الاعتقاد السائد أن الثقافة تمر من الكبار إلى الصغار دومًا، فإن ذكاء الحر يتساءل: 'ألا نرى الصغار، خصوصًا في ظروف الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، وما يترتب عليها من تغيير في أساليب الحياة والمعاش، أقدر على استيعاب هذا التغيير، وملاحظته واحتضانه؟ ألا نرى أنه في عصرنا، عصر الثورة العلمية والتكنولوجية الوافدة إلينا، أن بإمكان الصغار نقل معارفهم ومعلوماتهم إلى الكبار، وبمقدورهم أن يشرحوا مسائل تتعلق بالمنجزات العلمية والآلات الحديثة، بحيوية وقدرة أكبر ممن هم أكبر سنًا في بعض الأحيان؟ خاصة أن الأطفال والشباب حاليًا يعرفون عن الكمبيوتر والإنترنت، أكثر من الكبار الذين لم يدخلوا عصر المعلومات.
الثقافة الإلكترونية والثقافة العلمية:
الثقافة الإلكترونية هي الثقافة الوافدة علينا من خلال ما يعرف بعصر الموجة الثالثة الذي يعيشه الإنسان حاليًا، وهو العصر المعلوماتي الذي رافقته ثورتان تكنولوجيتان هما: ثورة الاتصال، وثورة تقنية المعلومات، وسيكون حديثنا ـ في هذه الجزئية ـ منصبًا على الثقافة الإلكترونية الوافدة من خلال الحاسب الآلي بما فيها شبكة الإنترنت التي لا يستطيع المرء الوصول إليها حتى الآن بدون هذا الجهاز.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل إشاعة أدبيات الثقافة الإلكترونية بين أطفالنا، يؤدي إلى إشاعة نمط التفكير العلمي بينهم؟ حيث الحكم على المسائل والظواهر والمشكلات بوعي شامل استنادًا إلى ضوابط معينة كما يذهب إلى ذلك الهيتي، الذي يعلق قائلًا فما دمنا نريد لأطفالنا أن يحلوا المسائل المعلقة بحياتهم والمشكلات التي يواجهونها ويفسروا الظواهر تفسيرًا صحيحًا، فإن هذا يعني أننا نريد لهم أن يفكروا بطريقة علمية، فهل تعاملهم المستمر مع أجهزة الحاسب الآلي سيؤدي إلى إشاعة هذا النمط من التفكير أو على الأقل يعلمهم كيف يفكرون، تفكيرًا غير جزافي قائمًا على خطوات يعتمد بعضها على البعض الآخر، ويا حبذا لو كان هذا التفكير هادفًا، ودقيقًا، ومرنًا وبعيدًا عن الجمود، وغير قائم على التعصب، وواقعيًا، أي لا يعتمد على الخيال المريض في فهم الأشياء والتعامل معها؟
يقول د. طالب عمران: 'في عصر العلم الذي نعيشه يتحتم أن يوجه الطفل للتعلم الجاد المنتج عن طريق العناية بتثقيفه العلمي، وشحن تصوراته وأفكاره بقصص تتحدث عن إنجازات العلم الباهرة ومستقبلها المضيء'...
فهل الثقافة العلمية التي نريدها لأطفالنا، هي الثقافة الإلكترونية؟
لكي نصل إلى إجابة مقنعة يجب أولًا تعريف الثقافة العلمية، ثم نقارن بينها وبين الثقافة الإلكترونية بمفهومها السابق.
الثقافة العلمية أو الثقافة التكنولوجية في أبسط تعريف لها هي ربط العلوم النظرية التي يقوم الطفل بدراستها أو معرفتها، بالتطبيق، وعن طريق ذلك يتم تثقيف الطفل علميًا أو تكنولوجيا بشكل صحيح، ونتفق مع د. نبيل علي في أن 'الثقافة العلمية أصبحت من المطالب الأساسية للحياة في عصر المعلومات واقتصاد المعرفة'.
أما القنوات التي من الممكن أنتصل من خلالها الثقافة العلمية أو التكنولوجية للطفل، فهي: البيت، المدرسة، ووسائل الإعلام المختلفة من صحافة علمية ومذياع وتلفزيون يقدمان برامج علمية مبسطة، وأفلام فيديو وسينما الأطفال، وأدب الخيال العلمي، وبرامج الحاسب الآلي .. إلخ، ويمكن أن يتم التثقيف العلمي أو التكنولوجي للطفل بشكل جيد إذا روعيت معطيات الكتابة العلمية، أي الأرضية العلمية التي يمكن أن يعتمدها الكاتب في إيصال العلم للطفل.
إن لدى الأطفال شغفًا كبيرًا بقراءة الكتب العلمية، وخاصة خارج المقرر الدراسي، وقد لاحظت منيرة القهوجي من خلال سجلات مكتبة إحدى مدارس الإناث التي تضم 8000 كتاب أن نسبة استعارة الكتب العملية والبالغة 240 كتابًا بلغت 100%, ولعل السبب في ذلك يرجع كما يرى فاروق سليم إلى أن تقريب مسافات الوعي بالمكان والزمان قد لعب دورًا كبيرًا في تطوير الوعي بالعلم عند الأطفال العرب، ويضيف سلوم قائلًا 'لا شك أن المستقبل يحمل الكثير من خلال تطور مناهج التعليم والحث على الاكتشاف وتكريس الاحتمالات والتوقع وإدراك المشكلات واقتراح الحول أو الافتراض وبناء النموذج الرياضي والاهتمام بالتنظيم العلمي والحاسب الإلكتروني والبرمجة والاهتمام بالتكنولوجيا الحديثة وقد اقترن كل هذا بالعمل نحو إنماء التفكير العلمي لدى الأطفال'.
إننا بذلك ننظر إلى مستقبل ملايين الأطفال العرب [الذين يشكلون أكثر من نصف عدد السكان] , والذين يتهيئون لعبور السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين، 'والحديث عن هذه السنوات هو الحديث عن عصر الكمبيوتر والرجل الآلي والذكاء الاصطناعي وبنوك المعلومات، وهو الحديث عن هندسة الوراثة ومغامرة الإنسان المثيرة لاقتحام الخلية والتلاعب بشفرتها الوراثية الدقيقة، وهو الحديث عن حرب الكواكب واستعمار الفضاء والأقمار الصناعية التي تجوب الكون من أقصاه إلى أقصاه'، وهو الحديث عن العولمة وتطبيقاتها التي اتضحت بشكل سافر بعد الحرب الأنجلو أمريكية على العراق، حيث يريد أعداء الأمة العربية 'تشكيل الثقافة على مزاجهم، عن طريق تدمير كل الثقافات الأصيلة الموروثة، عن طريق تغييب الوعي، وتبديل طرق الحياة، وقد شاهدنا الآثار والمتاحف التي تم تدميرها والمخطوطات التي أحرقت بالكامل أثناء الحرب على العراق، بل سنشاهد تغييرًا من الطفل ومن مناهج التعليم التي سيبدؤون على الفور في تغييرها، ذلك أن أفكار الدين من وجهة نظرهم ـ هي المسئولة عن أحداث 11 سبتمبر، والقومية العربية تعادي إسرائيل'، ومن هنا يرى أحمد عمر أن عقول الأطفال العرب في خطر حقيقي، إن لم ننتبه وندرس وننفذ مخططًا قوميًا يهدف إلى حماية عقل الطفل العربي من الغزو، وتسليحه بثقافة عربية إسلامية.