ولابد للشاب من أن تكون لديه شخصية ثقافية وهوية حضارية واضحة المعالم. وهوية الشاب المسلم الثقافية هي الهوية الإسلامية، ولا يعني ذلك أن كل حصيلته الثقافية هي مجموعة من المعلومات الدينية التي تتعلق بالعقيدة أو السيرة أو الأحكام الفقهية، وإن كان الاهتمام بتلك المعارف مسألة أساسية في ثقافة الشاب المسلم. إنما نعني بالثقافة الإسلامية، هي وعي الحياة والمعرفة والسلوك والكون والطبيعة من خلال المنهج الإسلامي.
فالمثقف المسلم يتعامل مع مفهوم الحرية ومع السياسة والدولة، والجنس، والعلاقة مع الله والرسالة والمال والثروة والذات والفكر..الخ من خلال الفهم والمنهج الإسلامي.وذلك يقتضي تكوين قاعدة فكرية، ورؤية إسلامية ينطلق منها، ويؤسس عليها.
فالشاب المسلم إذن بحاجة إلى فهم العقيدة الإسلامية وأصول الأحكام الشرعية، والسيرة النبوية، والتفقه في الدين، ومعرفة القرآن والسنة المطهرة، وأن يبدأ بتكوين ثقافته من خلال الكتّاب والمفكرين الإسلاميين، الذين يتمتعون بالأصالة والعمق في الفكر، والمنهج العصري في البحث والأسلوب، ليمتلك الأسس والقواعد الإسلامية في فهم القضايا، ويكون قادرًا على التمييز بين ما هو إسلامي، وما هو غير إسلامي.
وكم كان الشاب ضحية الأزمات والصراعات الفكرية التي يعج بها المجتمع البشري، لا سيما في عصرنا الحاضر، عصر نقل المعلومات بواسطة الانترنيت، والتلفزيون العالمي، والإذاعة، والصحافة، والسينما، والكتاب، فلم يعد هناك حاجز يحجز بين الثقافات، لذا فإن التفاعل بين الثقافات مسألة يفرضها الأمر الواقع، وينبغي أن نميز بين الاستفادة من ثقافات الأمم، وفق المنهج الإسلامي الملتزم، وبين الذوبان وفقدان الهوية الثقافية، فيلجأ الفرد المسلم إلى التقليد الأعمى، والانبهار بما يطرح عليه من الثقافات الأجنبية، لا سيما الثقافة الغربية.
وثمة مسألة حيوية، وهي مسؤولية الكُتّاب والمفكرين الإسلاميين في عرض الثقافة الإسلامية عرضًا حيًا متطورًا ضمن منهج الالتزام الفكري. فإن التحجر، وفرض صيغ متخلفة على الفكر الإسلامي تسيء إلى الإسلام، وتبعد جيل الشباب عن الفكر الإسلامي.
إن ما ينبغي العمل عليه، هو تناول مشكلات الإنسان الفكرية المعاصرة، كمشكلة الحرية والسلطة وحقوق الإنسان والجنس والسلوك والإيمان وعلاقة العلم بالحياة، وغيرها من المفردات وبحثها بحثًا علميًا، كما أراد المنهج القرآني ذلك، وبروح العصر ولغته.
كما ينبغي تقديم رؤية نقدية للأفكار والنظريات المعادية للإسلام، وحل الإشكالات التي يثيرها خصوم الفكر الإسلامي بروح علمية، ليتسلح الشباب المسلم بالوعي الثقافي، فيمتلكوا الأسس والقواعد الثقافية الإسلامية، ويكونوا على درجة كافية من فهم نقاط الضعف في الفكر الآخر، كما يكونون قادرين على رد الإشكالات والطعون الموجهة للفكر الإسلامي.
وفي كل الأحوال فإن تكوين الثقافة الذاتية، هي من مسؤولية الشاب المسلم، وعليه أن يخصص وقتًا من يومه، لتحصيل الثقافة والفكر الإسلاميين، ويتابع البرامج الثقافية الإسلامية التي تنشر في الصحف والمجلات والكتب والإذاعات وتتحمل المؤسسات الإسلامية المسؤولية الكبرى في تثقيف الشباب، فهي المعنية بإعداد الدورات والمحاضرات والمؤتمرات الثقافية الإسلامية وإصدار النشرات والدوريات وسلاسل الكتب المتخصصة بالفكر الإسلامي، ومتابعة التطورات الفكرية والأزمات الثقافية.
د. نصر محمد عارف
كثيرًا ما يتم الكلام في الأوساط الإسلامية عن مشروعات نهضةٍ إسلامية أو صحوةٍ إسلامية أو حضارةٍ إسلامية أو غير ذلك من المشاريع، ولكن دون أن يتم تحديد ماهية هذه المشروعات و ما هي الأهداف المطلوب أن تحققها. وسوف نحاول سويًا في هذا الموضوع لمس مجموعة من النقاط لعلها تمثل خريطةً أوليةً يمكن التفكير حولها أو يمكن أن تكون البداية لإثارة مجموعة هامةٍ من التساؤلات.
وأول مسألةٍ في هذا الباب تتلخص في أننا كأمةٍ لا ندرك الفارق بين الحضور والوجود، و قد حدد مالك بن نبي رحمة الله عليه أننا أمةٌ موجودةٌ ولكن غير حاضرة، ووجودنا يعني وجود مجتمعٍ وثقافةٍ وعلاقاتٍ وإنتاج.. لكن حضورنا يستلزم - طبقًا لمفهوم الحضارة - شروطًا من أهمها أن نكون أمةً تستطيع أن تحقق مفهوم الشهادة على العالمين، والشهادة تستلزم أن نصيغ نموذجًا بشريًا يجعل جميع من يراه يوقنُ أنه النموذج الأمثل وأن تركه بشكلٍ متعمدٍ فيه خسارة للإنسانية، و من ثم نكون شهودًا على العالمين - ليس فقط في يوم القيامة وإنما في الدنيا من خلال تقديم نموذجٍ حضاري يحدد طبيعة علاقات الإنسان مع الله وعلاقاته مع الإنسان ومع الطبيعة. وبهذا المعنى نقول أننا لسنا إلى هذه اللحظة في هذا الطور لأننا أمة موجودةٌ وجودًا ماديًا ولكنها غير حاضرة لأنها غير شاهدة.
المسألة الثانية تتعلق بطبيعية بنيتنا العقلية والفكرية التي يظهرُ أنها بنيةٌ عقليةٌ تتكون من جزئيين متناقضين، الجزء الأول أننا أمة عربية ديوانها الشعر والشعر مثّل في تاريخنا ظاهرةً أساسيةً وخلق لدينا عقلية شاعر، فجميعنا شعراء وإن لم نشعر، والشاعرُ غير العالِم، لأن الشاعر لا يخضعُ للحقيقة وإنما يبني الحقيقة، وغالبًا ما تكون تلك الحقيقة التي يبنيها حقيقةً متوهمةً متخيلةً طبقًا لما يريد هو، فعناصرها من عقله وموادها من عقله دون أن يلتزم بالواقع في شيء. فنحن دائمًا نصيغ الفكرة في صورة الشعر لا نخضع للواقع ولا نستجيب له ولا ندرك أبعاده و محدادته، وإنما نبني صورة متخيلةً بغض النظر عن الواقع ونقول بأنه لابد أن نطوِّعَ الواقع للإسلام ولا نطوع الإسلام للواقع، ومثال هذا الشعار الذي كثيرًا ما يُفهم خطأً ويتحدث عن تغيير أنفسنا وتغيير المجتمعات..
أما المسألة الثالثة في هذه العقلية فتتمثل في آفة احتكار الحقيقة. ذلك أن جزءًا أساسيًا من عقليتنا - سواء كنا أفراد أو جماعات يقوم على احتكار الحقيقة، بحيث نظن في كثيرٍ من المواقف والمجالات - أننا أمسكنا بالحقيقة وأحطنا بتلابيبها وجعلناها رهن أيدينا، وبالتالي فإن من يخالفنا لا يكون مخالفًا في الرأي وإنما مناقضًا للحقيقة ومنكرًا لها. ونستطيع أن نستدل على هذا حتى من الثقافة الشعبية المنتشرة في الجماعات التي تتكلم عن الفرقة الناجية وأن أكثر من سبعين فرقة في النار وفرقة واحدة في الجنة.. كل هذه الأمور أُخذت بمعنى فكري بحيث أصبح كل واحد منا هو الفرقة الناجية وكل واحد فينا هو الذي يملك الحقيقة. على الرغم أن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها أو الإمساك بها وإنما كل إنسان يحاول جهده أن يصل إلى بعض من نور الحقيقة وليس إلى غايتها ومنتهاها.