فهذه الآية الكريمة التي تتحدث عن حكم المهر، وأحقية المرأة في المهر بالغًا ما بلغ، ولو كان قنطارًا من الذهب، وتحرم أشد التحريم أن يأخذ الرجل منه شيئًا، وتجعل أخذه بهتانًا وإثمًا مبينًا، يسميها (م. وات) :"عرضًا"تعميّا عن الحكم المقرر الثابت الذي أكدته، ومن أجل هذا تجده لا يذكر هذه الآيات في كتابه، ولا يشير إلى أرقامها، ولا إلى موضعها من القرآن الكريم ويكتفي بإشارة سريعة غاية في التعمية والتجهيل:"لا يذكر القرآن المهر إلا عرضًا"كذا. .
فما بال الآيتين اللتين ذكرتا المهر قصدًا لا عرضًا، أعني قوله تعالى: (( وآتوا النساء صدقاتهنَّ نِحلة، فإن طِبْن لكم عن شيءٍ منه نفسًا فكُلوه هنيئًا مريئًا ) ) [سورة النساء:4] وقوله تعالى: (( فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنَّ أُجورهُنَّ ) ) [سورة النساء:24] .؟؟
نجده يتعامى عن الآية الأولى تمامًا (رقم4) ولا يعرض لها إطلاقًا، وكأنما ذهب بصره عندما مر عليها، أما الآية الثانية (رقم 24) فقد وجد لنفسه مخرجا منها، ووجد لنفسه حيلة معها، ومن أجل ذلك عرض لها حيث قال:"ولا شك أن الأجور التي يجب دفعها للنساء (قرآن 4-28) تختلف عن ذلك (يعني المهر) ". (77)
وإذا تجاوزنا عن الخطأ في رقم الآية فالصحيح أنها رقم (24) وليس (28) كما ذكر (هذا إذا لم تقل إنه تعمد التضليل) .
أقول: إذا تجاوزنا عن ذلك، فمن حقنا أن نسائله: لما رفض تفسير المهور بالأجور، مع أن هذا هو الذي عليه القرطبي، وابن كثير والسيوطي، وغيرهم من المفسرين، فسياق الآية بعد ذكر المحرمات من النساء، (( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين، فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، إن الله كان عليمًا حكيمًا ) ) [سورة النساء:24] هذا السياق يؤكد أن المراد بالأجور هو المهر، حيث تتحدث الآية عن الزواج (الاستمتاع) بما (وراء ذلكم) أي بغير المحرمات من النساء. ولذلك قال القرطبي: قال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى: فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح"فآتوهن أجورهن"أي مهورهن. . (جزء 5/129) ، ولكنه تعلق بما روي أن الآية في نكاح المتعة التي كانت في صدر الإسلام، ثم نسخت. ولعله لم يشأ أن يفصح عن هذا التفسير لما رآه واهيًا، وإن كان القرطبي قد عزاه إلى الجمهور.
كما ورد ذكر المهر في آية أخرى، لم يشأ أن يراها (م. وات) مع أنها تالية للآية التي أشار إليها مباشرة، وهي قوله تعالى: (( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان، فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ) ) [النساء:25] .
فهنا ذكر للأجور (أي المهور) قصدًا، ولا عرضًا، ولكنه لم يشر إليها رغم أنها في آية تالية للآية التي استشهد بها، ولكن لأنه لم يجد له حيلة مع هذه الآية لأن المراد هنا بالأجور المهور، لم يقل قائل بغير ذلك، لأن قوله تعالى: (( فانكحوهن بإذن أهلهنَّ ) )يمنع أن يراد هنا نكاح المتعة، كما قاله البعض في الآية السابقة.
وأعتقد أنه قد بان الآن بأجلى بيان، أن الرجل (م.وات) يتجاهل الدليل ويهرب منه، وهو بين يديه، وأي دليل!! آيات القرآن العظيم!!
على حين لو وجد في كتاب (الأغاني) أو (الأحاجي) أو (القصص) أو (الخرافات) أي كلام يؤيد دعواه، لاحتفى به كل الاحتفاء، وأقام منه صرحًا شامخًا يعتمد عليه ويستند إليه.
ونجد هذا التشكيك في الدليل القاطع عند مستشرق آخر، هو (ول. ديورانت) صاحب الموسوعة الضخمة قصة الحضارة (78) ومثال ذلك:
يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ،"وقد أعانه نشاطه على أداء واجبات الحب والحرب، ولكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره وظن أن يهود خيبر قد دسوا له السم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت، فأصبح بعد ذلك الحين عرضة لحمايات، ونوبات غريبة. . إلخ" (79)
ولا يعنينا أن نناقش القبح والفحش الذي كتب به المؤلف ما كتبه عن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام - بأبي هو وأمي وبنفسي وبالناس أجمعين - فليس هذا مجال مناقشته، ولكن الذي يعنيني أن أضبط هذا المستشرق العلامة، متلبسا بخيانة المنهج. وذلك قوله:"وظن أن يهود خيبر قد دسوا له السم في اللحم) فهذا التعبير بـ (ظن) يريد به أن ينفى صحة الخبر، ليبرئ اليهود بالتالي من جريمة محاولة قتله - صلى الله عليه وسلم - بالسم، ومن قتل الصحابي الجليل الذي أكل معه."
وهذا الخبر (خبر دس السم) موجود مشهور في مصادر السيرة النبوية المختلفة فقد أورده ابن هشام في سياق غزوة خيبر، وأورده ابن سعد في طبقاته، ورواه البخاري في غير موضع: 5/176، ومسلم 7/14-15 كلاهما من حديث أنس، وأحمد برقم 2885 من حديث ابن عباس وأبو داود: 1/146 والدارمي 1/33 عن جابر. . . . (وفيه اعتراف اليهود بدس السم وعفو الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الجرم الفظيع مع موت الصحابي الجليل البراء بن معرور بهذا السم) .
ومع ثبوت هذا الخبر ووفرة مصادرة تأبى (الأمانة العلمية) و (الحيدة الأكاديمية) و (منهج البحث) على هذا المستشرق العتيد إلا أن يزيف ويحرف فينكر الخبر، وينسب الحادثة في إيجاز بارع إلى مجرد ظن ووهم.
لقد حاولت أن أجد اسمًا لهذه الآفة المنهجية التي سنعرضها فلم أجد، غير هذه الصفات، فحينما يحذف الباحث كلمة من العبارة محل الاستشهاد، أو يزيد كلمة أو يغير كلمة، أو ينفي كاذبًا وجود نص من النصوص التي استدل بها غيره، حينما يفعل ذلك بماذا نصفه؟ أو بماذا نسمي هذا الخلل أو بالأحرى الفساد المنهجي؟ أرجو أن نجد له اسمًا يعبر عن حقيقته. وما عليّ الآن إلا أن أضع النماذج لهذه الشناعات:
يحاول بعض المستشرقين إنكار عالمية الرسالة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا للناس كافة، وفي سبيل ذلك يجمعون من الأدلة ما يركبون في سبيله كل صعب وذلول، ولكن الذي يتصل بموضوعنا هنا، أنهم ينكرون رسائل النبي صلى الله عليه وسلم ورسله إلى ملوك العرب والعجم، وفي سبيل هذا الإنكار يتصدى (كايتاني) لخبر الرسول والرسائل في سيرة ابن هشام، فيشكك فيه، مدعيًا أن ابن هشام لم يورد لابن إسحاق مصدره الرئيسي خبرًا عن الرسائل، واعتبر كايتاني ذلك سكوتًا من ابن إسحاق وبالتالي إضعافًا للخبر. (80)
والسيرة النبوية لابن هشام، مطبوعة، وبأيدي الناس، وفي وسعهم أن ينظروا فيها ليجدوا أن ابن هشام أورد خبر الرسائل بروايتين إحداهما لابن هشام بسنده عن أبي بك الهذلي، والثانية لابن إسحاق بسنده عن يزيد بن أبي حبيب المصري. (81)
وما أظن إنسانًا عاقلًا يفعل هذا الذي فعله (كايتاني) وأمثاله، لأن الذي يخفي شيئًا بهذا الوضوح، لا يمكن أن يعد بين العقلاء.
ولكن عذرهم أنهم يكتبون للمثقف الأوروبي - كما أشرنا آنفًا - وهو غير مستطيع أن يتتبع هذه المراجع والمصادر، بل هو غير مريد أيضًا، لأن هؤلاء موضع ثقته وما كانوا يعلمون أن ناسًا منا سيقرءون لهم، ويطلعون على هذه الخيانات المنهجية.