فكل دارس منهم مأمون عند كل أوروبي، من أول طبقة الرهبان، والساسة إلى آخر رجل من جماهير الناس - مأمون على ما يقوله، مصدق فيما يقوله . . . . . متصف بصفتين لا بد منهما حتى يكون مأمونًا مصدقًا: (الصفة الأولى: أن في قلبه كل الحمية التي أثارها الصراع بين المسيحية المحصورة في الشمال، وبين دار الإسلام الممتنعة على الاختراق. .
(الصفة الثانية) : أن في صميم قلبه كل ما تحمله قلوب خاصة الأوروبيين وعامتهم وملوكهم، وسوقتهم، من الأحلام البهية والأشواق الملتهبة إلى حيازة كل ما في دار الإسلام، من كنوز العلم والثروة والرفاهية والحضارة (8) . . . . .
هكذا كان من عمل المستشرقين، ارتياد ديار الإسلام و (معرفتها) و (التعريف بها) حتى يضمن للزحف الصليبي الجديد أن يسير على هدى وبصيرة.
وإذا كنا نقول هذا استنتاجًا صحيحًا، من قراءة الوقائع والأحداث ومما تنطق به جولات الصراع الذي دار ويدور - بين الصليبية، وديار الإسلام، إذا كنا نقول هذا استملاءًا من لسان الحال، حال التاريخ القريب والبعيد، فقد صدقه المستشرقون أنفسهم، وقالوه بلسان المقال، فهذا هو المستشرق الأمريكي (روبرت بين) يقول في مقدمة كتابه (السيف المقدس) : إن لدينا أسبابا قوية لدراسة العرب، والتعرف على طريقتهم، فقد غزوا الدنيا كلها من قبل، وقد يفعلونها مرة ثانية، إن النار التي أشعلها محمد لا تزال تشتعل بقوة، وهناك ألف سبب للاعتقاد بأنها شعلة غير قابلة للانطفاء) (9) .
وبهذه الصراحة أو أشد منها - إذا كان هناك أشد منها - يأتي قول الأمير (كايتاني) ذلك الأمير الإيطالي الذي (جهز على نفقته الخاصة ثلاث قوافل، لترتاد مناطق الفتح الإسلامي، وترسمها جغرافيا وطبوغرافيا، وجمع كل الدوريات والأخبار الواردة عن حركة الفتح في اللغات القديمة. . واستخلص تاريخ الفتح في تسعة مجلدات ضخمة بعنوان(حوليات الإسلام) بلغ بها سنة أربعين هجرية.. قال هذا الأمير الذي استهلك كل ثروته الطائلة في هذه الأبحاث، حتى أفلس تماما، قال في مقدمة كتابه (حوليات الإسلام) هذه: إنه إنما يريد بهذا العمل أن يفهم سرّ المصيبة الإسلامية التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض، ما يزالون حتى اليوم يؤمنون برسالة محمد، ويدينون به نبيًّا ورسولًا) (10) .
فهو بهذا يعلن عن هدفه بغاية الصراحة والوضوح: (أن يفهم سر المصيبة الإسلامية) أي سر الإسلام،. ومصدر قوته.
ويكتب المستشرق الألماني (باول شمتز) كتابًا يتناول فيه عناصر القوة الكامنة في العالم الإسلامي، والإسلام، فيسمي هذا الكتاب (الإسلام قوة الغد العالمية) فلماذا كتب هذا الكتاب، وقام بهذه الدراسة؟، إنه لا يتورع أن يعلن صراحة وبدون مواربة عن هدفه،الذي هو تبصير أوروبا الغافلة عن هذه القوة التي هي (صوت نذير لأوروبا، وهتاف يجوب آفاقها، يدعو إلى التجمع التساند و الأوروبي لمواجهة هذا العملاق، الذي بدأ يصحو، وينفض النوم عن عينيه، فهل يسمع أحد؟.. هل من مجيب؟) بهذه العبارة التي ختمها بذلك النداء الصارخ، ينهي (شمتز) كتابه، والكتاب كله تحكمه هذه الروح.
ولذلك حق للناشر الألماني أن يقول عن هذا الكتاب (إنه يوضح الخطر المتوهج الذي يمر عليه الإنسان في أوروبا بكل بساطة، وفي غير اكتراث فأصحاب الإيمان بالإسلام يقفون اليوم"1936م قبيل الحرب العالمية الثانية"في جبهة موحدة معادية للغرب.. وهذا الكتاب، هو نداء وتحذير يجب أن يلقى الاحترام الجدي من أجل مصالح الغرب وحدها"(11) ."
ويكرر هذا المعنى نفسه (ألبير شاميدور) في كتابه (حمراء غرناطة) فيقول بعد أن تحدث عن عظمة الآثار الإسلامية في غرناطة: (.. إن هذا العربي الذكي الشجاع الذي استطاع أن يجمع علم العالم في مائة عام، كما استطاع أن يفتح نصف العالم أيضا في مائة عام، قد ترك لنا في(حمراء غرناطة) آثار علمه وفنه.
(إن هذا العربي الذي نام نوما عميقا مئات السنين، قد استيقظ وأخذ ينادي العالم:"ها أنذا أعود إلى الحياة".. فمن يدري قد يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الفرنج مهددة بالعرب، فيهبطون من السماء لغزو العالم مرة ثانية) .
ثم يقول: (لست أدعي النبوة، لكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة، لا تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها) .
ثم ينادي صارخا: (أبيدوا أشباح العرب في"الحمراء".. أبيدوها قبل أن تبعث) !!! ثم يبالغ في الإنذار والتخويف فيقول: (هيهات أن نستطيع إلى ذلك سبيلًا) (12) !!.
هكذا بكل وضوح يكشف القومُ عن أهدافهم، ولكن جماعة منا - عفا الله عنهم - ما زالوا حتى يومنا هذا، بل لحظتنا هذه، يصفون هذه الأعمال بأنها (علمية) ، (أكاديمية) ، (فكرية) … إلخ ويدبجون في الثناء عليها المقالات والكتب ويلقنون أجيالنا الناشئة ذلك.
ولعل ما يفصل بيننا وبين قومنا في هذه القضية هو قول (روجيه جارودي) ذلك الفيلسوف، الذي كان زعيم المذهب الوجودي ومفسر طلاسم سارتر ضمير العصر على حد قول (فلاسفتنا) (العظام) - والذي كان مرشحا لزعامة الحزب الشيوعي، قال: (لم يكن الاستشراق حركة نزيهة منذ البداية، إذ كان الهدف منه تنفيذ مشروع يرمي إلى إدخال المسلمين في النصرانية) (13) .
بعض بني جلدتنا حينما نضع أمامهم هذه النصوص الناطقة بأهداف المستشرقين، الشاهدة على بعدهم عن العلم والبحث، ومجافاتهم روح (الأكاديمية) والمنهج، يقول: (ما لكم تتشبثون بهذه العبارات، وتقفون عند هذه الأخبار ولا تتجاوزونها؟؟ إن ذلك كان في القرن التاسع عشر، وقبل القرن التاسع عشر، كان في أيام الاستعمار، وطغيان الاستعمار، كان في أيام الصراع المحتدم، بين الشرق والغرب أما منذ مطلع القرن العشرين، فقد تطورت الدراسات الاستشراقية، وصارت(علمية) (منهجية) تبحث عن العلم المجرد، لذات العلم، والمعرفة، وانتهى عهد التهجم على الإسلام: نبيّه، وقرآنه، ورجاله، وعقائده، وحضارته، لقد صارت الدراسات الاستشراقية آية في النزاهة، وقدوة في الالتزام بالمنهج العلمي، والإخلاص للبحث والتجرد للحقيقة !!!……كذا يقولون!!!.
وقد يكون هذا الكلام صحيحا في بعضه، أعني أن أبحاث الاستشراق خلت من السب والشتم، والتقبيح، والتشنيع على الإسلام، وأهله، فذلك صحيح في جملته، ولكن ذلك لم يكن بسبب التزام الاستشراق بالمنهج العلمي، وقواعد البحث الأكاديمي، ولكن لسبب آخر، سنعرض له فيما بعد، أما المنهج العلمي الصحيح، والتجرد للبحث وخدمة الحقيقة فما زال - وسيظل - الاستشراق بعيدًا عنها، لأسباب كثيرة بعضها راجع لطبيعة الاستشراق، وهدفه، ونشأته، وبعضها راجعٌ لعجز طبعي فطري، في هؤلاء الأعاجم يحول بينهم وبين امتلاك وسائل البحث في العلوم الإسلامية، وأدواته.
ونستطيع ببساطة ويسر، أن نُحيل هؤلاء، إلى ما عرضناه من شهادات المستشرقين وأقوالهم بألسنتهم، وهم من المعاصرين، في قرننا العشرين هذا، بل منهم من عاش إلى قريب من أيامنا هذه. وإن لم يكف ما تقدم، فنضع أمام أعينهم، ما كتبه الدكتور (جلوور) في كتابه: تقدم التبشير العالمي، الذي نشره سنة 1960م، قال: (إن سيف محمد و والقرآن أشد عدو، وأكبر معاند للحضارة والحرية والحق، ومن أخطر العوامل الهدامة التي اطلع عليها العالم إلى الآن) ، وقال أيضًا: (القرآن خليط عجيب من الحقائق والخرافات، ومن الشرائع والأساطير، كما هو مزيج غريب للأغلاط التاريخية، والأوهام الفاسدة، وفوق ذلك هو غامض جدًا، لا يمكن أن يفهمه أحد إلا بتفسير خاص له) .