والتعامل الصريح لا سيّما على صعيد القضايا المصيرية ليس أمرًا مزاجيًا؛ بل لا مجال في هذه القضايا إلاّ للوضوح والصراحة والتركيز، لأنّ اللّعب على الشعارات يجر الخطوات إلى مزالق قد تنتهي بالقضية الكبرى إلى الوحول السياسية في عملية ابتزاز أو اختناق أو تمييع، لتبقى الواقعية السياسية في إطار التفكير الإسلامي الملتزم، فلا تسمح للآخرين أن يفرضوا عليها القفز فوق الاطار والتحرك ضمن إطارات أخرى؛ لأن معنى ذلك أن يفقد العمل الإسلامي نفسه عندما يفقد القاعدة الّتي ينطلق منها والإطار الّذي يتحرك فيه والهدف الّذي يتّجه نحوه!.
كما أنّ الصراحة في التعامل مع الأمة بأصول الفكر الإسلامي كما أراد الله لها لا تترك آثارها الإيجابية على المجتمع الإسلامي والتيار الإسلامي بشكل خاص؛ بل ستقنع الآخرين الّذين ربّما لا يلتقون مع هذا التيار في كثير من الرؤى والتصورات، بل وحتّى التيارات المضادة، أنْ ليس في الفكر الإسلامي شيء مخفي، وأنّه لا يكتم قضايا يُخاف منها، بل هو فكر صريح واضح لا يريد بالنّاس إلاّ خيرًا، ولا يهدف إلا لإسعاد الأمم والنهوض بها، وإنقاذها من كافة ألوان الظلم والامتهان وصنوف الحيرة والتسكّع في أزقة الأفكار السقيمة!.
عندما يتحول الفكر الإسلامي إلى قناعة كاملة تملأ على الإنسان روحه وعقله؛ يجد المسلم نفسه مقصرًا أمام الأمانة التي حمله الله إياها ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) .
عندما يتحول المبدأ من مجرد أفكار تراود الذهن ومفاهيم -قد يَعمل بها أو لا يُعمل- إلى حالة معايشة دائمة، وتفاعل مستمر؛ فلا بدّ في مثل هذه الأحوال أن يترك ذلك المبدأ تأثيره على معتنقه، ويحوله إلى شخصية رسالية عقائدية تحمل الأهداف والتطلعات الإسلامية الكبرى، وتصر على تحقيق تلك الأهداف مهما كانت عقبات الطريق وعثراته، وتواجه التيارات والخطوط الفكرية المضادة بكل بسالة وجرأة وإقدام، فلا يُسمح لها أبدًا أن تكون شخصية ضعيفة تتخذ أسلوب التهاون والمساومة والتراجع عن بعض الثوابت الفكرية والعقائدية، ولا يجوز لها أن تكون خائفة مذعورة مترددة في أداء دورها الرسالي.
وما أروع الآية القرآنية الكريمة وهي تصوّر الموقف الإسلامي الرسالي من حشد القوى المعادية للإسلام: (الّذين قال لهم النّاسُ إنّ النّاسَ قد جمعوا لكُم فاخشوهُم فزادهُم إيمانًا وقالوا حسبُنا اللهُ ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من اللهِ وفضل لم يَمسسهُم سُوء واتَّبعوا رِضوانَ اللهِ واللهُ ذُو فضل عظيم) .
وبعد..؛ نحن بحاجة في خضم الصراع الحضاري الثقافي الراهن إلى الكلمة النافذة والموقف الملتزم الّذي يعيد للإسلام هيبته وشموخه، الموقف الّذي يثلج صدور المسلمين، ويرتفع بمعنوياتهم الّتي من الممكن أن تتأثر بفعل شراسة الهجمة الضارية وضغوطها، ولابدّ أيضًا أن يرافق قوة الموقف الإسلامي الوعي والاتزان، والبعد كل البعد عن اتخاذ الخطوات الطائشة والحركة المتأثرة بالمواقف المنفعلة؛ لأن ما نريده هو ألا نتحول إلى أناس يقعون صرعى عدم وضوح الرؤية، وعدم التخطيط الّذي يربط البداية بالنهاية؛ لأنّ صرعة الاسترسال لا تُقال كما يقال في المثال!.
أقرأ للكاتب أيضًا:
-مرتكزات الأمن الفكري الإسلامي
-شعائر الله وعلاقتها بالأمن الفكري
* مدير مركز المنار كاردف بريطانيا
سلمان بن فهد العودة 17/1/1426
إن الحب في الله هو الإكسير الذي يحطّم العوائق، ويربط القلوب والنفوس مهما تباعدت في مواقعها ومواقفها ومداراتها واتجاهاتها وانشغالاتها؛ فلنرفع راية المحبة في وجه كل أعاصير الكراهية والبغضاء !
إن العصر الذي نعيشه يضجُّ بالمظالم والعدوان والقتل والعنف ؛ مرة باسم الحرية ، ومرة باسم الديمقراطية ، ومرة باسم السلام ، ومرة باسم الإسلام ؛ فلنعالج ذلك كلّه برفع راية المحبة والوئام ، ومحبة الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، و المحبة في الله وفي رسوله -صلى الله عليه وسلم- من خصائص المؤمنين ، يقول الله -عز وجل-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:54] .
ولندرك أن العسر كلمة صغيرة محفوفة باليسر قبلها واليسر بعدها ولن يغلب عسر يسرين .. (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح:5-6] .
إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الدُّنْيَا ... ...
فَفَكِّرْ فِي أَلَمْ نَشْرَحْ
فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ ... ...
تَأَمَّلْ فِيهِمَا تَفْرَحْ
والحياة أيضًا كما هي مليئة بالعوائق، والعقبات، والنكبات؛ مليئة بالفرص. فإذا نظرت إلى الجانب المظلم؛ فاختلس نظرة أخرى إلى الجانب المشرق، ولتكن رسالةُ العصرِ تبشيرًا بالمحبة والفرج والتيسير من الحكيم الخبير.
هذه خواطر أخوية هدفها المناصحة والمصافحة والمصالحة ، وقد كان أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- إذا تلاقوا لم يفترقوا حتى يقرأ أحدهم على الآخر سورة العصر ثم يسلم أحدهما على الآخر، كما رواه الطبراني في الأوسط [ 5124] والبيهقي في شعب الإيمان [8639] وسنده جيد.
إن من الفقه القرآني العناية بالمسائل الكبيرة والمهمة وإعطاءها حقها، بينما نغرق كثيرًا .. كثيرًا في مسائل من الدرجة الثالثة أو العاشرة .. وتستغرق الكثير من جهدنا وطاقتنا ، وطاقة الإنسان محدودة فإذا استغرقها في التفاصيل والجزئيات انقطع عن التأصيل والكليات ، وانشغل بالمسائل الصغار عن الكبار ، والصحابة-رضي الله عنهم- كانوا يتذاكرون هذه السورة لما فيها من أصول المسائل التي يجدر بالمسلم العناية بها ، ولأنها تربية على الأصول الكبرى ، وقد ينشغل المرء بالمفضول عن الفاضل ، وهذا من مداخل الشيطان كما ذكره أهل العلم، أو يتحرج المرء من صغيرة ويقدم على كبيرة ، وكان ابن عمر يقول لأهل العراق: ما أسْأًلَكم عن الصغيرة وأجرأكم على الكبيرة ، تقتلون الحسين ابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتسألون عن دم البعوضة.
والذين يجلدون الإمام أحمد بن حنبل كانوا يسألونه عن الدم الذي ينضح على ثيابهم ، وكانوا ينتقدونه على أن يصلي وهو جالس والقيد في يديه وفي رجليه؛ ولذا فإننا نقف هنا مع ثلاث مسائل مهمة:
أولها: الزمان.
الثانية: الإنسان.
الثالثة: العمل.
هذه المسائل الثلاث هي سر النجاح والفلاح في الدنيا ، وهي سر الفوز والنجاة في الدار الآخرة ؛ ولنقف عند كل واحدة منها.
أولًا: الزمان.وهو العصر .. وهو البريء المتهم المظلوم، فالناس كثيرًا ما يلقون مشاكلهم وإخفاقاتهم على الزمان ، وهو مجرد وعاء ليس له ولا عليه ، هو طرف محايد، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن سب الدهر ، وقال عن ربه تبارك وتعالى:"يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلّب الليل والنهار"أخرجه البخاري [4826] ، ومسلم [2246] من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.