إعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
العدد 473 ـ محرم 1426هـ
أرسل الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة العامة الخالدة ففضله بذلك على من سلفه من الأنبياء والمرسلين، إذ كانوا من قبل يبعثون إلى جيل خاص من البشر، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فاختير للرسالة العامة وعلى هذا يستشهد المسلمون عندما يقرءون قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28] ومثل قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] , و'العالمين' لغة: 'أجناس الخلق'.
وكما أن المفهوم يتكرر في الكثير من آيات القرآن الكريم، كذلك نجد في تاريخ الدعوة النبوية شواهد أخرى لعل أكثرها دلالة السابقون من الأمم: بلال بن رباح رضي الله عنه سابق الحبشة، وصهيب بن سنان رضي الله عنه سابق الروم، وسلمان الفارسي رضي الله عنه سابق الفرس.
وهي ألقاب تحمل بشارة أن الأمم التي ولدوا فيها سيكون لها من الإسلام نصيب.
العالمية بين المكان واللسان
وكما أن الله سبحانه وتعالى اختار العرب لحمل الرسالة الخاتمة اختار العربية لتكون لغة الكتاب المقدس للدين الخاتم، ويرى الشيخ الدكتور 'صبحي الصالح' ـ يرحمه الله رحمة واسعة ـ أن الإسلام بذلك مهد لعالمية اللغة العربية أداة علم وحضارة، فانتشرت هذه اللغة بفضل المد الحضاري الإسلامي، واتسعت رقعة حدودها باتساع نفوذ القرآن إلى الحد الذي يسعنا معه أن نقول: لولا القرآن لكانت العربية مجرد لهجة. ويؤكد الماضي أنها محت لغات كثيرة في الدول التي دخل أهلها الإسلام في العراق مصر وشمال أفريقيا.
وفي إطار عالمية الإسلام يحفل تاريخ الإسلام بأدوار كبيرة قام بها غير العرب في الميدان الثقافي وبخاصة الثقافة الدينية على نحو يقطع بأن عالمية الإسلام تجاوزت الأمة التي حملت لواء الدعوة في العهد الأول، بل إن المؤرخين ينسبون 'المدرسة' كمؤسسة تعليمية في أول ظهور لها إلى مدينة 'نيسابور' ذلك أن: المدرسة بمدلولها العام نيسابورية الأصل، فأول مدرسة بنيت للغرض الذي بُنيت له في الإسلام، تلك التي بنيت في نيسابور لـ'أبي إسحاق الإسفراييني' [المتوفي سنة 906هـ] ، وفي تاريخ الأمة الإسلامية لمعت أسماء حواضر وعواصم للثقافة الإسلامية خارج العالم العربي منها في المشرق وحده: 'بخارى، وخوارزم، ونيسابور، وبلخ، وسجستان، وجرجان، وشهرستان، ومراغة، كابل، وأصفهان، وسيراف، واصطخر، .... وغيرها كثير.
وقد يكون صحيحًا أن امتداد الوجود الإسلامي شرقًا كان يتم على حساب حضارات لم تدع لنفسها العالمية ولم تسع للتبشير بنموذجها الحضاري، كما هو الحال بالنسبة للغرب، فمنذ سعى 'الإسكندر الأكبر' لفتح كل العالم القديم والمساعي الغربية ـ وبالتحديد الأوروبية ـ لم تتوقف للسيطرة على عالم الجنوب ـ الشرق، وهو ما خلق ثارات تاريخية لم تهدأ حتى الآن، وعلى الطريق علامات لا يمكن إغفالها في مقدمها الحروب الصليبية واقتلاع الوجود الإسلامي من الأندلس وضمنها من دون شك مأساة المسلمين في البلقان.
غير أن الاختلاف بين طبيعة التشكيلات الحضارية المشرقية: الفارسية ـ التركية الهندية ـ المغولية... في تفاعلها مع الإسلام وطبيعة التشكيلات الحضارية الغربية بدأ يأخذ منحنى جديدًا لابد من الوقوف عنده. فمع النجاحات التي حققتها الدعوة الإسلامية بين الغربيين أنفسهم مترافقة مع تجذر الجاليات ذات الأصول غير الأوربية 'الباكستانيون في بريطانيا ـ المغربيون في فرنسا ـ الأتراك في ألمانيا...' أصبح هناك بكل معنى الكلمة 'إسلام غربي'، وهو ذو وجه ثقافي ظاهر، فلا أعتقد أن منصفًا يمكنه أن يدرس ـ مثلًا ـ تاريخ الفكر الإسلامي في القرن العشرين من دون أن يقرأ أعمال كتاب مثل: 'محمد أسد، أو علي عزت بيغوفيتش، أو موريس بوكاي، أو الدكتور مراد هوفمان'.
من معالم العالمية الجديدة
انطلاقًا من الارتباط بين الإسلام العربية يطرح المفكر الإسلامي الألماني الدكتور 'مراد هوفمان' في كتابه: 'الإسلام في الألفية الثالثة: ديانة في صعود' فكرة تستحق التوقف عندها لأهميتها في الحوار الدائر الآن حول علاقة المسلمين بالعالم، وهي أن اللغة الإنجليزية تؤدي دورًا جديدًا، حتى في الحوار الإسلامي، مؤكدًا أن للإسلام الآن لغتين رئيستين: العربية والإنجليزية ويتخطى هوفمان حدود 'اللغة' إلى 'الثقافة' فينقل عن المفكر الإسلامي المعروف محمد أسد قوله: 'إنه لم يكن ليصبح مسلمًا أبدًا ما لم يكن متأثرًا في قدرات فهمه بالمدارس الأوروبية'، وهو ترجيح يأتي في إطار انتقاد أسد للواقع الذي تعيشه البلاد الإسلامية وما يشكله من عبء على صورة الإسلام.
ويبدوا جليًا في طرح الدكتور 'مراد هوفمان' صدى التساؤل العريض المطروح في الغرب عن الإسلام: هل هو إسلام أوروبي أم إسلام في أوروبا؟ يتفرع عن السؤال أسئلة فرعية عن: 'الإسلام الفرنسي' و'الإسلام البلجيكي' و'الإسلام الألماني'... وهكذا، من ناحية أخرى يرى 'هوفمان' أن محتوى الخطاب الإسلامي المعاصر يفتقر إلى إدراك عالمية الإسلام، فالإنجاز الفكري والفقهي الإسلامي كان وما زال ضعيفًا فيما يخص الدائرة الإنسانية والعالمية وهذا هو التوجه المثالي والمفترض، فالإسلام دين للعالمين ولابد أن يكون هناك خطاب عالمي إنساني.
وما يشير إليه 'هوفمان' لا يشغل بال مسلمي الغرب وحدهم، فهناك اهتمام غربي ملحوظ بارتفاع حاد في تأليف الكتب عن الإسلام بالإنجليزية، فقد أظهرت 'بيبليوجرافيا' للمؤلفات التي تناولت الإسلام والمكتوبة باللغة الإنجليزية أصدرها قسم الفلسفة في 'كلية سانت بربارا'، ارتفاع مستوى التأليف بشكل كبير منذ حرب الخليج الثانية العام 1990م، وبلغ عدد الكتب المؤلفة باللغة الإنجليزية خلال الثلاثة عشر عامًا الماضية 1235 كتابًا وزعت على جميع مناحي الحياة الإسلامية في 11 موضوعًا شمل دراسات علن الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم، والمذاهب الإسلامية والصوفية والفقه والفلسفة، والتشريع والفن التاريخ والمناطق الجغرافية والدول والثقافة والاقتصاد والسياسية. وكان واضحًا أن ارتفاعًا كبيرًا حدث في مستوى التأليف منذ العام 1989م قبل الغزو العراقي للكويت الذي ألف فيه 29 كتابًا حين بدأ هذا الرقم يتصاعد بشكل ملحوظ حتى وصل إلى 139 كتابًا العام 2000م.
وبالرغم من زيادة عدد معتنقي الإسلام منذ حرب الخليج الثانية حيث قدر الكتاب السنوي الصادر عن وكالة الأنباء الإسلامية نسبة انتشار الإسلام إلى 235% منذ العام 1990م إلا أن الملاحظ انخفاض مستوى التأليف بعد أحداث 11سبتمبر العام 2001م، فقد بلغت الكتب الصادرة في ذلك العام 116 كتابًا، في حين كانت في العام السابق عليه 139 كتابًا ليعود الارتفاع في العام 2002م إلى 137كتابًا، ثم ينخفض العدد إلى 71 كتابًا في هذا العام أي عام صدور التقرير [2003م] .