(1) يقول ابن خلدون: «ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله» ، ويقول أيضًا: «والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في مَنْ غلبها» انظر المقدمة، طبعة دار ومكتبة الهلال، بيروت 1991م، ص 151، 152.
(2) من آثار مصطفى عبد الرازق، علي عبد الرازق (جمع وتقديم) ، دار المعارف، القاهرة، ط 1957م، ص 80.
(1) اليوم والغد، سلامة موسى، المطبعة العصرية، القاهرة، 1927م، ص 241 ـ 257.
(2) النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث، د. غالي شكري، الدار العربية، للكتاب، ط 1983م، ص 178.
(3) الفكر العربي المعاصر، هاشم صالح، ومسألة (الحركات الأصولية) ، مجلة الوحدة، السنة (8) ، العدد 96 سبتمبر 1994م، ص 74، 75.
(4) صدمة الحداثة، أدونيس (د. علي أحمد سعيد) ، طبعة دار العودة بيروت، طبعة الرابعة، ص 156.
(5) في حوار أجراه معه أحمد الشيخ، نشر بعد اغتياله في مجلة الأسبوع العربي بتاريخ 22/6/1992م، ص 8.
(6) النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين، د. هشام شرابي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، مايو 1995م، ص 30.
(7) التثقيف الذاتي، سلامة موسى، القاهرة، مطبعة التقدم (د. ت) ، ص 80.
كمال حبيب
يذهب هذا المقال إلى أن القومية واقعة نفسية؛ بمعنى أنها ليست قاصرة على الظهور التاريخي للكلمة فقط كما عرفها الغرب، ونعني بأن القومية واقعة نفسية أي أن إحساس أمة بذاتها ووجودها ووحدة مصيرها يكون في اللحظات الحاسمة من تاريخها؛ وبهذا المعنى فإن الإسلام حين ظهر في العرب انتقل بهم إلى مرحلة الأمة التي تقوم على رسالة عالمية، وفي الواقع فإن الأمة العربية التي صنعها الإسلام رغم شعورها بالتميز والخيرية إلا أنها لم تكن تستند إلى العرف في تميزها، وإنما استندت إلى ما يمكن أن نطلق عليه: «وظيفتها الإيمانية والحضارية» ـ فالإسلام كان هو الحدث الأهم في تاريخ العرب، وهو الذي انتقل بهم من الفراغ القبلي إلى أن يكونوا أصحاب رسالة عالمية ووظيفة حضارية، وباعتبارنا ننظر إلى «العروبة» بوصفها عملية حضارية واسعة وكبيرة تفاعل فيها المسلمون مع البلدان المفتوحة عبر آليات عديدة منها العلاقة الوثيقة بين العربية والإسلام، بل بين العرب والإسلام؛ ومن ثَمَّ كان تعريب الدواوين وإقبال الناس على تعلم العربية.
وباعتبار أن «العروبة» عملية حضارية أوسع من مجرد الانتماء إلى العرق العربي، فإنها قد تمَّت بعد ظهور الإسلام؛ أي أن العروبة متأخرة في الحقيقة عن الإسلام، وأن الإسلام كان البوابة والسبب الذي انتشرت العروبة عبره.
وبقراءة التاريخ الإسلامي فإن ظهور الحركة الشعوبية في العصر العباسي الأول التي استندت إلى العرق وتمجيد الحضارات السابقة على الإسلام هي التي فصلت بين العروبة والإسلام لأول مرة ـ فيما أعلم ـ وقد كانت الشعوبية إلى حد ما تعبيرًا قوميًا يستند إلى العرق في مواجهة العرب بكونه عرقًا أيضًا، وكانت الشعوبية تهدف إلى استعادة الحضارات التي قامت لهذه الشعوب قبل ظهور الإسلام بقصد منازعة الوجود الإسلامي العربي وزلزلته.
ولحكمة إلهية فإن الاجتماع الإسلامي لم ينفرد به عرق معين؛ وإنما تداولته الشعوب الإسلامية الأساسية؛ فالمماليك دافعوا عن الإسلام عقب سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد على يد التتار 1258م ـ 658هـ، والبربر والأكراد كانوا جنودًا للإسلام ومنهم صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من أدران الصليبية المجرمة، وانتصر في معركة حطين سنة 1187م، ثم جاء الأتراك السلاجقة ثم العثمانيون فبدؤوا جهادهم وفتوحاتهم في عالم جديد يتكامل مع عالم الفتوحات العربية الإسلامية، واستطاعوا الانتصار على البيزنطيين الروم وإسقاط «القسطنطينية» عاصمة العالم المسيحي في ذلك الوقت عام 1453م على يد الشاب المسلم «محمد الفاتح» ولمَّا يبلغ عمره حينذاك خمسة وعشرين عامًا. وبمراجعة الثقافة التركية فإنها لم تكن تستند إلى العرق أو روابط الدم؛ ولذا فإن الإسلام كان وجودها وحياتها، ولم يكن العثمانيون في أي وقت يصفون أنفسهم «بالأتراك» ؛ إذ كانوا يعتبرون أن ذلك دلالة على التخلف الاجتماعي، أي أن التداول الحضاري في الإسلام لم يستند إلى العرق، وإنما استند بشكل أساس إلى رسالة الإسلام.
كان الإسلام يكسر عنصر الامتناع في القبلية أو القومية؛ بحيث لا تتحول إلى عصبية ينتصر المنتسبون إليها لبني جلدتهم بالحق والباطل على السواء ـ أما الانتصار للعصبية بالحق فأمر ممدوح قد يكون واجبًا أو مندوبًا ـ وكانت القبائل تخرج تحت راياتها لتتنافس في تحقيق غايات الإسلام ورسالته، فلم يعرف الإسلام برامج القوميات المعاصرة التي تستهدف صهر الأعراق الأخرى لصالح القومية المتسلطة أو السائدة.
القومية الجديدة:
ظهرت القومية (Nation) باعتبارها مصطلحًا في الغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وارتبط ظهورها في الغرب بالقضاء على الإقطاع وظهور الدول الحديثة كألمانيا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، وفرنسا وغيرها، وارتبط ظهورها بظهور الثورة الصناعية وطبقة التجار والصناع في الغرب «البرجوازية» ثم الرأسمالية، كما ارتبطت القومية بالعلمانية؛ حيث أدت التطورات التي عرفتها أوروبا منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر إلى الفصل بين الدين والدولة؛ أي أن القومية في ظل التطورات الغربية التي صاحبتها كانت حركة توحيد وتحرر؛ لأنها وحدت الأمم الأوروبية المبعثرة والمتناثرة في دولة مركزية واحدة، فحققت هدف الوحدة، كما كانت حركة تحرير؛ لأنها خلَّصت أوروبا من تسلط الكنيسة الكاثوليكية التي فرضت التخلف على العقل الغربي، وحاولت التحكم في كل الأشياء.
وفي إطار موجة التأثر في العالم الإسلامي بالأفكار الغربية ظهرت الفكرة القومية في أوائل القرن العشرين مطلبًا أساسيًا روجت له النخبة العلمانية في العالم الإسلامي، وكان نفوذ هذه النخبة يتعاظم مع تعاظم التفوق الغربي في المجال المادي وتراجع دولة الخلافة الإسلامية ـ الدولة العثمانية؛ إذ إن الفكرة المهيمنة على عقول النخبة المتغربة في هذا الوقت: إنه لكي نحقق الإصلاح والتقدم في العالم الإسلامي لا بد من انتهاج خط الغرب، ونسي هؤلاء أن ما يصلح في مجتمع ويُنتج خيرًا قد ينتج خبيثًا في مجتمع آخر؛ لأنه لا يوجد مجتمع واحد وإنما مجتمعات؛ ومن ثم فلكل مجتمع خط إصلاح مختلف، وكما يقول «زين نور الدين زين» في كتابه الهام: (نشوء القومية العربية) : في الغرب كانت القومية السياسية جزءًا من حركة علمنة الحضارة المسيحية، وأسفرت المعركة بين القومية والمسيحية عن انتصار القومية، أما في الشرق العربي فالإسلام لا يزال عميق الجذور؛ فلم تستطع الأفكار القومية أن تحدث ثغرة فيه؛ بل استطاع الإسلام أن يقف في وجه كل محاولة للعلمنة، والمسيحيون القلائل وإلى جانبهم قلة قليلة من المسلمين ممن كانوا يحلمون بإنشاء دولة عربية علمانية تقوم على حدود جغرافية وطنية معينة لا على أساس ديني لم يلقَوْا تشجيعًا ولا تعضيدًا من قِبَل غالبية سكان البلدان الإسلامية».