بدأت الحركة القومية تعبيرًا رومانسيًا في أواخر القرن التاسع عشر عبر عنه أدباء ومفكرون مسيحيون من لبنان مثل «بطرس البستاني» و «أحمد فارس الشدياق» و «إبراهيم اليازجي» و «أديب إسحاق» و «شبلي شميل» وغيرهم، وكانوا جميعًا مرتبطين بالإرساليات النصرانية الغربية، وهؤلاء عملوا على إبراز تاريخ العرب قبل الإسلام وإثارة الشعور القومي العربي، وهؤلاء هم الذين فَصَلوا في العصر الحديث بين العروبة والإسلام فتابعوا فعل الشعوبية في العصر العباسي الأول، ويعترف «صليب كوراني» بذلك فيقول: «الأثر الأول للحضارة الغربية في الحياة العربية بعث القومية العربية، وقيام الحركة الاستقلالية التي تشمل العالم العربي في الوقت الحاضر، وكانت هذه الحركة نتيجة مباشرة للتعليم الغربي» .
ثم بدأت الحركة القومية العربية في طور العمل السياسي ممثلة في جمعية (بيروت السرية) التي كان طلبتها من خريجي الكلية البروتستانتية، وكانوا كلهم نصارى، ثم بدأ المسلمون ينضمون إليها.
وبدأت الجمعيات السرية والعلنية القومية المطالبة بإصلاح الوضع في الدولة التركية مطالبة بحق العرب في الحصول على حقوق سياسية وثقافية في إطار الدولة التركية؛ وكان التطرف القومي التركي الذي مثلته جمعية «الاتحاد والترقي الحاكمة» هو الذي أدى إلى ظهور تيار قومي عربي؛ لكنه لم يكن مطالبًا بتفكيك الدولة ـ وكما يقول زين نور الدين زين: «إن فكرة الانفصال العربي عن الدولة العثمانية لم تظهر إلا في إطار التطرف القومي للاتحاد والترقي بعد عام 1909م» ، وإبَّان الحرب العالمية الأولى، ومع انضمام تركيا إلى ألمانيا بدأت بريطانيا توظف رغبة العرب في الانفصال عن تركيا بقطع عهود على نفسها بإقامة خلافة عربية على رأسها الشريف حسين إذا هم ساعدوا الحلفاء في الحرب، وبعد مساعدة العرب المخلصة للحلفاء وحربهم تركيا ـ وكانوا سبب هزيمتها ـ خدعتهم بريطانيا، وقُسِّمت الدول العربية في الاتفاق المعروف باسم: (سايكس ـ بيكو) .
في كل الفترات التي ظهرت فيها القومية قبل الحرب العالمية الأولى كان للنصارى وللأيدي الغربية ولسفارات الدول الأجنبية المعادية للدولة العثمانية دور في تحريك الحركات القومية بقصد تفتيت الدولة العثمانية، ويلاحظ أن القومية في المشرق كانت ترفع راية العروبة حتى تقضي على الدولة العثمانية لصالح الإنجليز؛ حيث كانت الدول المشرقية لا تزال ضمن الدولة العثمانية؛ أما في مصر فإن الإنجليز شجَّعوا الدعوات الطائفية كالفرعونية والمصرية، ولم يسمحوا للعروبة بالظهور؛ لأنها ستكون ضد المصالح البريطانية.
القومية بعد الاستقلال:
الجامعة العربية هي صنع بريطانيا؛ لأنها خشيت أن تقوم رابطة قوية للعرب تهدد مصالحها؛ فعملت على إيجاد الجامعة العربية كيانًا يحمل بذور فنائه في تكوينه وبنيته، وفي عام 1948م ومع ظهور التحدي الصهيوني في فلسطين هُزمت الجيوش العربية مجتمعة، وبدأ الوعي بأهمية وجود عالم عربي موحد، لما هو مقرر دوليًا من حق كل شعب في أن يكون له دولته السياسية التي تعبر عنه، ومع بزوغ دولة ما بعد الاستعمار طرح الفكر القومي مشروع الوحدة العربية استنادًا إلى وجود اللغة والتاريخ والمصير المشترك، لكن الوحدة (المصرية ـ السورية) عام 1958م انحلت عام 1961م، ونشبت الخلافات بقوة بين حزب البعث العربي السوري وحزب البعث العربي العراقي، وعقدت اتفاقيات للعمل العربي المشترك مثل معاهدة الدفاع العربي المشترك، والتعاون الاقتصادي عام 1950م، والوحدة الاقتصادية عام 1957م، والاتفاقيات المنشئة للعديد من المنظمات العربية المتخصصة، والاتفاقيات المنشئة للتجمعات الإقليمية الجزئية كمجلس التعاون العربي، والإنماء المغاربي... إلخ.
ولم تستطع القومية العربية أن ترقى إلى مستوى التحديات المنوطة بأمتها فأخفقت في تحقيق الوحدة العربية، كما أخفقت في تحقيق أي مستوى من مستويات التعاون الاقتصادي فلم تحقق التنمية، كما لم تستطع أن تنجز مهمة التحرير والتحدي للهيمنة الغربية وربيبتها الكيان الصهيوني، ولم تفلح كل محاولات الوحدة حتى الجزئية، لكن النهاية الكارثية القومية كانت مع هزيمة يونيو 1967م؛ حيث كانت الهزيمة مفاجأة للقوميين العرب، كما كانت خاتمة أفول القومية العربية، وبدأ الحديث عن وجود خلل في البنية الذاتية للمشروع القومي العربي، وبدأت النزعة القُطرية في التصاعد إلى حد أن الصراعات (العربية ـ العربية) جعلت بعض الدول العربية تستجدي أمنها من دول غربية، وكان الغزو العراقي للكويت عام 1990م قمة المأساة للقومية العربية وللنظام العربي الذي عرف كثيرًا من الصراعات؛ لكنها لم تصل إلى حد غزو دولة من دولة لأخرى.
ولم يعد العرب قادرين حتى على اجتماع القمة بوصفها آلية لحل المشاكل المستعصية لهم؛ لأن قرار هذا الاجتماع لم يعد بيدهم وإنما بيد أعدائهم.
تجاوز القومية:
بالطبع فإن الحركة القومية العربية كانت مقصودة من أعداء الأمة الإسلامية ببث الفكر القومي فيها لما للعرب من ثقل بالنسبة للإسلام، ثم انتشرت هذه الفكرة كانتشار النار في الهشيم في كل البلدان الإسلامية. وفي الواقع فإن الفكرة القومية التي تؤسس للرابطة على أساس العرق تؤدي إلى ظهور أفكار طبقية أقل لشعوب داخلها مثل الفرعونية والقبطية والآشورية والفينيقية وغيرها من أفكار ذات طابع تجزيئي وطائفي، ومع التحديات والهزائم التي واجهتها القومية باتخاذها حركة تستبعد الإسلام بدأ الحديث بين القوميين عن العلاقة بين العروبة والإسلام، وبدأت مراجعات واسعة عند القوميين العرب؛ حيث أصبح الإسلام بالنسبة لهم هو مادة العروبة التي لا يمكن أن تنفصل عنه، وكما يقول جميل مطر في مقاله (مستقبل العروبة) : «لم تعد القومية قادرة بظروفها الراهنة وظروف السياسة والسياسيين في العالم العربي على ملء فراغ الفكر السياسي؛ وهو الفراغ الذي تدور فيه النخب السياسية والقوى الحاكمة العربية، وتجر شعوب المنطقة بأسرها لتدور معها في هذا الفراغ المدمِّر» .
ويقول محمد حسنين هيكل: «على مدى خمسين عامًا كانت قضية تحرير فلسطين فكرة ملزمة للجميع؛ فالأمَّة العربية سوف تشعر وكأنها كتلة رخوة تنجذب إلى بؤرتها بالمعتقدات الأساسية للدين، وسوف يعود مزيد من الناس إلى الهوية الأصلية للمنطقة؛ ليست هوية قومية ولا عروبية وإنما هوية إسلامية. إن الإسلام هو مركز الثقل في العالم العربي والإسلامي، ولا يمكن لأي مشروع للنهضة أن يتحقق بدونه، وكما قال الشاعر الألماني (غوته) : «من كان عليه أن يرفع حملًا ثقيلًا فإنه ينبغي عليه أن يعرف مركز الثقل» ، ومركز الثقل في المجتمع العربي هو الإسلام».
المراجع:
1 -محمد محمد حسين، الإسلام والحضارة الغربية، القاهرة، دار الفرقان، د. ت.
2 -محمد محمد حسين، الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، القاهرة، مكتبة الجماميز، ج2، د. ت.
3 -زين نور الدين زين، نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية ـ التركية، بيروت، دار النهار، 1979م.
4 -برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، القاهرة، سينا للنشر، د. ت.
5 -أحمد يوسف أحمد، مصر وتجديد المشروع القومي العربي، رؤية ذاتية، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي العاشر للبحوث السياسية، ديسمبر ، 1996م.
6 -أحمد ثابت، تجديد المشروع القومي في الفكر المصري، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي العاشر للبحوث السياسية، ديسمبر ، 1960م.