فهرس الكتاب

الصفحة 2552 من 3028

لست ساخرا و لا هازلا و لا متهكما -شهد الله- و إنما أتحسس حال امة الإسلام, التي صارت مصائرها محكومة, بصناعات ضخمة للإفك و الافتراء و التزوير و بكل المعاني و الدلالات الكامنة في كلمة صناعات= جمع صناعة ! .

إنني أهيب بمستشارية التأصيل أن تواصل التصدي لمهامها و أن تبادر على أقل تقدير بإنشاء دائرة خاصة بدرء مخاطر مجلس التعايش الديني هذا و احتواء تصعيداته القائمة و القادمة.

ولنصرخ بملء أفواهنا: بلاد من هذه و ما هي الصفة الحقيقية التي يحملها هذا المسمي بمجلس التعايش الديني ؟ وهل هو جسم محلي وطني ؟ أم (مفوضية) غير مسماة لمجلس الحريات الدينية الأمريكية ؟ وما هو الميثاق الذي ينادي به ؟ وما هي السلطات المخولة له ؟ وما هي اللوائح الضابطة لأدائه ؟ وما ؟ وما؟ وماالخ.خ .

لست بتلك الدرجة من الاستغراق في أحلام اليقظة حتى أطمع بتلقي إجابة ! و أعلم مسبقا عن همهمات التهكم و الاستنكار و في أثنائها سؤال منمن هذا ؟

ولكني كما أسلفت: هو واجب أمة و دين و تاريخ ! .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

محمد عبد الله الغبشاوي*

بيني وبين التلفاز 1 / 2 الود مفقود بيني وبين التلفاز! وذلك لأسباب عديدة أهمها عندي اثنان، أولهما: تبديده وتقويضه لعلاقات التراحم والوداد والتواصل سواء كان على المستوى العائلي الأسري الداخلي أم على مستوى العلائق الاجتماعية الخارجية مع ذوي الأرحام من قريب وبعيد. أم في دائرة الجيران. أم في دوائر الأصدقاء والخلان. وقد لا يدرك أبعاد هذا الذي أقول إلا أبناء جيلي ومن سبقه. فالتلفاز قد احتل جل أو كل هذه المساحات. وبتقديري هي خسارة فادحة من وجهين: خسارة الذخر الاجتماعي المتضائل الذي لا يُعوَّض بمال، وخسارة الغبن العظيم المتمثل في بديل لا يساوي شروى نقير مما فقد!!

وثانيهما: جناية التلفاز التي لا تُغتفرعلى الكتاب عمومًا وعلى المقروء الجاد النافع بصورة أخص. وهي خسارة قومية بمعنى الكلمة للمتأمل. وتلك الجناية من الجنايات العمد بدليل نوعية الثقافة التي تعهدها التلفاز بالاستنبات والرعاية والتي تنتهي- ولابد- إلى اضمحلال فكري للفرد والجماعة. وتطرد بل تطارد أي نزعة جادة. بل أزعم أنها تستعدي عقولنا- أن أبقت منها على بقية- على كل سامق مفيد نفيس مما ينتهي إلى الفكر المتين والانتاج العقلي الرصين! لذا حافظت على درجة بغضائي للتلفاز ما استطعت خشية أن يفسدني على القراءة أو يفسد القراءة علىّ!

بيد أنّ جلسة مقدّرة ثالث أيام عيد الفطر المبارك للعام 1425 هـ صححت أفكاري، لا بالمعنى المتبادر إلى الإذهان بمعنى الرجوع عما أذعته في سالف السطور، بل بمعنى عدم الكفاية في الكم وانعدام الكفاءة في النوع والأداء لما كنت اعتنق من أفكار وانطباعات مساوقة عن التلفاز! فتلك الأمسية أطلعتني على حيثيات جديدة عن: مشروع"لا"نهضوي يبشر به التلفاز لا من منطق نظري فقط . وإنما عبر عقائد ومبادئ يتحيز لها- شاء أم أبى- وبقدوات ونماذج عملية يبشر بها بل ويعلي من شأنها! وذاك المنحى أو المنحنى الذي أتحرى عدم السبق باصدار أحكامي عليه يستهدفني أنا شخصيًا بصفة الأبوة فيّ أولًا. وبصفة الذكورة فيّ ثانيًا وبصفة الانتماء العقدي الفكري في كمسلم ثالثا. وهذه الصفات التي لم أرتبها على درجة أهميتها عندي بالطبع تستهدفني ثلاثتها في شخصي! كلا! بل في أمتي كل أمتي وإذ فقت على هذه الحقيقة المروعة فقد الزمتني بالانتفاضة المتأهبة لدرء الأخطار. انتفاضة مستوعبة تشعل فيها نيران العقل بقدر ما تتأجج مشاعر العاطفة ويتقدم فيها الفكر بقدر ما يتجدد معها الإيمان ويُتَحلَّى فيها بالأدب بقدر ما يترافق معه الحزم.

ولا أتمادى في الغموض والإبهام بل أسفر مباشرة عن مقاصدي. فالمشروع ال"لا"نهضوي الذي يبشر به التلفاز ويتبناه ويتشيَّع له بدرجة الجنون- أزعم- هو هذا الإسراف في التعاطي مع الموسيقى والغناء إسرافًا ألزمه واقتضاه الإسفاف، إذا يستحيل أن يتأتى نوع يتسم بالجودة- مهما زعم من عبقريات فنية. يكفي لتلك الأوقات الطويلة والمساحات الواسعة التي أفسحها التلفاز للغناء والموسيقى. حتى ليخشى أن ينشأ جيل يراهن على الغناء والموسيقى كمقوَّم أوحد للنهضة. تنحصر دلالة"العبقرية"و"النبوغ"و"الموهبة"و"التفوق"بل تنحصر"البطولة"و"النجومية"عنده فيما لا يغادر الغناء والموسيقى بحال وهذا أمر خطير ماحق. أقسى معالمه البادية للمتأمل أنه إلهاء لأمة عن أهم شواغلها وأولوياتها في أخطر اللحظات الفارقة من تاريخها. وأنه تسفيه عملي للجد والاجتهاد والعمل النافع. وأقبح ما فيه تزويره للقدوة واهداره لمعاني البطولة والنجومية الحقة. فضلًا عن زحفه الصامت غير المقدس على سامق القيم ورفيع الأخلاق.

وهذا الذي أصفه من معالم المشروع ال"لا"نهضوي الذي يروج له التلفاز لم يقف عند ذلك بل تجاوزه بنقلة كبرى تتمثل في بث أفكار متفجرة ملغومة توشك أن تهدد منظومتنا الاجتماعية الثقافية الأخلاقية وما انبنى عليها بالنسف الذي لا يبقى ولا يذر. وإن صح حدسي فإن ثالث أيام عيد الفطر المبارك كان"تدشينًا"لمرحلة جديدة من حرب الأفكار تفضي إلى تصفيات فكرية. على نسق التصفيات الجسدية التي يعج بها عالم الإسلام تنزف فيها العقول ومنظومات الاجتماع والقيم والأخلاق بأغزر وأكثف مما تنزف به الدماء هناك. وتتطاير فيها أنساق علائقنا وصور اجتماعنا تطاير الأشلاء والمزق الجسدية هناك. وتخلف قتلى وجرحى من أموات الأحياء ومسلوبي الوعي والإرادة في صورة أنكى مما يتوالى تكراره ومشاهدته هناك.

وكي أجلي للقارئ الكريم الأمر أود أن أصف له وصفًا موضوعيًا- ما أمكنني- أهم ما دار في تلك الحلقة المبثوثة مساء الثالث من أيام عيد الفطر المبارك المنصرم. كان مدار نقاش تلك الحلقة فرقة نسائية"قومية"للغناء والموسيقى توفرت إجادة العزف فيها لكل عضواتها. وبكل التخصصات الموسيقية. فمن ناقرة للدف وطارقة للطبل وعازفة للجيتار ولاعبة على الكمان بل حتى نافخة السكسفون فضلًا عن بقية المزامير.!

واستضافت الحلقة أربعًا من الفضليات من نسائنا اللائي تفاوتت خبراتهن وأعمارهن وحظوظهن من العلم والثقافة. وقد كان النقاش جادًا ودار في أغلبه- فيما تسنى لي سماعه ومشاهدته- حول معنى ودلالة ظهور هذه الفرقة النسوية. وقد غلب الإجماع بينهن على إيجاب ذلك. وذكرت أعلاهن قدمًا في الفكر والثقافة أنها تعد ذلك من العلائم الكبرى على مضاء مسيرة نهضة وتحرر المرأة السودانية وإن كانت بطيئة فاترة في هذاالجانب- الغناء والموسيقى- ثم نوهت بأنها ومن خلال رصدها للمسيرة من تلك الناحية تعرف عن بعض الأسر السودانية التي تجيد بعض نسائها العزف على البيانو.

وتمجدت باحثة اجتماعية حديثة السن بالظاهرة واستوقفتني كثيرًا كلماتها وهي تقول: إنّ بروز هذه الظاهرة دليل على انكسار المؤسسة الأبوية- أو كما قالت- والسياق الذي ذكرت فيه ذلك دل حماسها واذاعتها له وكأنه بشرى تزفها إلى المجتمع أو على الأقل لمعاشر النساء وجيلها المتشوق إلى مزيد من التحرر على ذلك النسق.

واكتفي باجتزاء ما ذكرت لأتوقف مع القارئ الكريم عند المضامين والمعاني التي عناها ذلك الحوار وتلك الحلقة وفرقتها الموسيقية النسائية المحتفى بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت