وأحب أن أقرر في هذا المقام أن هذه (الإثارة) التي تتلبس لبوس الحرص على التعايش الديني, إنما تصعد من هذه القضية المصنوعة من أجل غرض آخر, تحول بيننا و بين إبصاره و التعرف عليه غفلتنا و انصياعنا الغريب للفكر الإستدماري الغربي ! إنه ليس في إمكاننا في حال الخور المسيطر علينا هذا أن نستصحب - مثلا- تجربة صناعة الأقليات, و تقنياتها في بلادنا و عالم إسلامنا ! إنه ليس في إمكاننا أن نفترض, و لو بأدنى نسبة, أن المشروع الإمبريالي الغربي الصهيوصليبي, يستهدف فيما يستهدف إحكام القبضة علينا, بأن تئول رئاسة الجمهورية, في يوم من الأيام ولو بعد قرن من الزمان إلي الأيدي الصهيونية مباشرة فكيف السبيل إلى ذلك ؟! .
السبيل: هو إسقاط الحكم الشرعي, الحائل دون زواج المسلمة بغير المسلم, و يكون السياق كالآتي: تستهدف بعض الساقطات المنحلات, ممن ينتسبن إلى الجماعة المسلمة بالسودان, و يستدرجن, حتى يتسافحن مع صهاينة, و يعهد بتنشئة أبنائهن, و رعايتهن في الكنف الصهيوني و مع تمادي الغفلة, و غطاء
(المواطنة) الهلامي و تصعيد حملات التفريغ الثقافي, يطل هؤلاء (فجأة) -على عادتنا - كمواطنين سودانيين ! و تحت ستار دخان ديمقراطية الدمار الشامل , المفصلة على قدر استغناء قطاعنا, يصل (صهيوني) أو (صهاينة) إلى القصر الجمهوري و تتحكم الصهيونية في بلادنا علي ما تشاء لها حيثيات إعادة الصياغة, للإنسان و الوجدان في قطاعنا, و ثمارها الآتية, و إن طال الزمان.
إنني ممن يكبر الدكتور الطيب زين العابدين و إن مما زادني له إكبارا تعقيب عميق شجاع, سمعته منه علي ورقة عن ثقافة السلام, قبل أعوام ثلاث أو أكثر.
لقد نبه أستاذنا في ذلك الوقت, إلى مغبة الانسياق الأعمى, وراء الشعارات المصدرة من الغرب ! ووجوب تفحصها جيدا و الحرص علي التفطن الدقيق لمقاصدها الحقيقية و أن نهتم بالا تصرفنا عن قضايانا الأهم, أو تلهينا عن خطط مسمومة, تشكل تلك الشعارات عينها جزءا هاما منها ! .
إن عين تلك المحاذير و ما هو أخطر منها, بدأ يتمثل لي في مجلس التعايش الديني, من خلال هذا المنحنى التسلطي المخيف مما يجعلنا نخلص للقول: بأن الأفكار و الرؤى الحاكمة لهذا المجلس مما تم حمله وولادته ورضاعة في الرحاب الغربية ! و من السذاجة بمكان أن يظن بأن فكرته هبطت هكذا من السماء, أو انشقت.عنها الأرض, أو تفتقت عنها عبقريات ملهمة في رحابنا ! إنها رؤى و أفكار متناغمة مع الأداء الإمبريالي الصاعد في رحابنا , و ليست هي بالبعيدة , عن اليد الباطشة الطولى لمجلس الحريات الدينية الأمريكي , أو لجان و جماعات حقوق الإنسان , أو الهيئات الكنسية الأمريكية , التي يرتكز عليها اليمين النصراني الأمريكي و محافظوه الجدد , ممن تحكمهم الرؤى التوراتية في كل استراتيجياتهم المتصلة بعالم الإسلام ! و ما تصوغه تلك الرؤى من (أملاءات) ينبغي إنجازها في الساحة الإسلامية و لا شك أن الكتلة التاريخية الأم في السودان - مسلمة الدين عربية اللسان- هي في القلب من كل ذلك الذي ذكرناه ! و إنما يهمني هنا مسألتان, أرجو ألا أسهب كثيرا فيهما: أولاهما: منهج التعامل مع الإسلام الذي يراد إقراره و تعبيد الطريق له, من خلال الإذاعات الواضحة في مقال أستاذنا الكريم وواضح تماما أنه يراد الزج بفرض ذلك المنهج التقويضي من خلال ذهنية التعانق مع الأمر الواقع, و توطين النفس علي الاستسلام الكامل للظروف, و التي تصور دائما علي أنها قدر نافذ لا راد له, كما تنبي الحكمة السائدة في بلادنا ! و مهم أن نتعرف هنا كما أشرت, علي المنهج الذي يراد فرضه علينا, في التعامل مع الإسلام. إن ذلك المنهج يقوم على قواعد و أركان, مدارها التحسين و التقبيح الإمبريالي الغربي ! فما حسنه الغرب فهو الحسن, و ما قبحه فهو كذلك وهو بذلك إنما يتأسس على إلغاء الاعتبار للإسلام (كدين) مما يراعى في غيره من الأديان ! و ينبني علي ذلك, إهدار حق أهله, في الاستقلال بمرجعية خاصة بهم, تبين لهم معالم معتقداتهم و أحكامه الملزمة, و صور التطبيق المندرجة تحت ذلك.
باختصار هبطت درجة المسلمين بهذا المعيار إلى أقل من درجة (أقلية دينية) تقاضيا لدى الأحكام الحقوقية الغربية نفسها !!
و يقينا أن هذا ( منهج) جديد و فريد فصل للتعامل مع الإسلام فقط إذ لا يفوت المراقب, أن الحمى المرجعي لليهودية و النصرانية - بل حتى حمى المعتقدات غير السماوية- مما لا يجرؤ أحد على إلزام أهله بتفسير مخالف لمسلماتهم المستقاة من مصادرهم الأم ! فلا مصادرة لحقهم في تسمية المغاير لعقائدهم علي ما يرونه و يشتهونه و لا علاقة لأحد بحرامهم و حلالهم أو معروفهم و منكرهم و لا إكراه لأحد منهم للتزوج ممن لا يحبون, أو تنشئة أبنائهم و بناتهم على طريقة لا تروق لهم !!
وحده الحمى الإسلامي هو المستباح لكل أحد يرتع فيه كما يشاء و يتأول مفاهيمه و مداركه على ما يشاء , وحده الإسلام هو المحجور عليه ووحده هو الذي لاحق له في نصح رعاياه بما يراه واجبا عليه ! .
و ليت الأمر ينتهي عند ذلك إذ هناك حكم بتجريم مسبق, لا مجال للاستناف فيه أو التعقيب عليه ! و كل المطلوب مني هو أن أسعي بين بني أمي و عقيدتي لدعوتهم بتلك الأحكام, و توطين أنفسهم علي ما تقتضي به و الاستعداد المتجدد لتلقي المزيد منها !! .
و المسألة الثانية المهمة و التي ينبغي أن ننزلها منزلتها و نتداو لها التداول الذي يتناسب مع درجات خطرها, هي: إلي أين ينتهي بنا هذا الطريق ؟ و ما هي الإلزامات الجديدة القادمة ؟ و ماذا نحن فاعلون تجاهها ؟
أقول هذا بمنهج الاستصحاب لما يحدث في مجالات أخري, و التي تنبئنا, بأن سقف المطالب الأمريكية أو إذا أردنا التدقيق ابتزاز الدوائر الصهيوصليبي هنالك, مما ترى و تحدد بداياته و لكن لا سبيل أبدا للتعرف علي نهاياته ! و الذي نجزم به, أنه لا نهاية له إلا بنهايتنا وجودا حيا مع كافة الأبعاد المتصلة به, وفي أولها بلا ريب الأبعاد العقدية الفكرية, و التي يشكل تقويضها, تقويض الوجود المادي للإنسان, و نسف ما يقوم عليه كيانه ووجدانه ! إن استشراف معالم طريق ذلك الابتزاز لمروعة حقا, لاسيما و أنه يتوسل بأحبولة يمكن بكل يسر تعبئتها بمرادات الدوائر المتحكمة فيها دائما بلا حدود, و سياقها علي نفس الطريق التهويلي الذي سيقت به سابقاتها وسيدت, ثم صارت أمرا واقعا و أنزلت منزل القضاء و القدر الذي لا راد له أبدا! .
أسأل ثانية: ترى أين سينتهي بنا ذلك الطريق ؟ أنه ليس بعيدا ذلك اليوم, الذي يعترض فيه واحد من غير المسلمين علي طريقة صلاتنا مثلا, و أن يتأولها علي أنها: تهيئة غير مباشرة للجهاد و أنه غير مطمئن لذلك على الإطلاق و على التو يتلقف مجلس التعايش الديني تلك الشكوى (المقلقة) و ينظر في دليله ليجد ذلك مندرجا, في مخاطر الجوار غير المنضبط بلوائح حقوق المواطنة ! فيأمر مجلس فقهه الجديد, بتحديد معايير صلاة لا تؤرق الآخر ! أو تخل بأمنه و طمأنينته !! .
بل إنه ليس بعيدا ذلك اليوم الذي ينادي مجلس التعايش الديني بصيغة أخرى لشهادة التوحيد, لأنه تلقي عريضة ممهورة بآلاف التوقيعات, التي أجمعت بأن تلك الصيغة تنضح بالشتم و الاستفزاز المباشر و غير المباشر لأديان و عقائد الآخرين! .
والليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيب