فبدءا من المحادثة الهاتفية التي تلقاها من ذلك"الأب"القسيس, يمهد ببراعة و حذق للنبأ ( المريع) و (الفظيع) الذي أقض مضجعه -و قبله- مضجع ذلك"الأب"القسيس و يغلب على ظنك للوهلة الأولى أنه تم و ضع اليد على خطة تطهير عرقي لا تبقي و لا تذر ! أو مناداة سافرة و قحة بتهجير قسري لغير المسلمين ! أو دعوة لمقاطعة اقتصادية لهم على أقل تقدير !! فإذا استبنت الأمر و تحققت منه أم تملك إلا أن تضرب كفا بكف, مرددا للكلمة العربية الشهيرة"بطريقة مقلوبة": تمخض الفأر فولد جبلا و ليس العكس !!
و لو التزم أستاذنا الطيب أمين مجلس التعايش الديني ما ساقه لنا عرضا من أنه حاول في البداية تطمين ذلك"الأب"القسيس, بأن ذلك الأمر لا يعنيه - وهو حقا لا يعنيه - لكان مصيبا و لكن بدلا من ذلك أقره على توهمه, بل و تجاوز ذلك بترويع و تخويف القطاع غير الإسلامي كله, بتحميل كلمة واحدة ما لا تحتمله من التهويلات الدلالية حتى بنى من ذلك ناطحات للسحاب, و انتهى إلى ما لا علاقة له البتة بما ابتدأ, فتخيل بالله عليك كيف كبرت مسالة حظر زواج المسلمة بغير المسلم بين سطور مقال أستاذنا, لتنمو و تترعرع و تكبر و تسمن و تكتتر شحما و لحما حتى ينتهي بها المطاف إلى ماذا ؟ إلى مهدد لاتفاقية نيفاشا و ناسف للسلام ! لا بل و طاعن في مقام النائب الأول لرئيس الجمهورية شخصيا و انتهى به ذلك إلى ما يشبه التحريض و الاستعداء لرئاسة الجمهورية إذ طالبها بإعادة النظر في عضوية مجمع الفقه الإسلامي كله لا بل و إسقاط مستشارية التأصيل من تحت مظلتها !! إنني لا أملك إلا أن أعقب على ذلك بقول ربنا عز و جل ( سبحانك هذا بهتان عظيم) النور:16.
واجب دين و أمة و تاريخ, أن يعيد العبد الضعيف صاحب هذا القلم الأمر إلى نصابه و إلى حجمه الأصلي الأول: مستشارية التأصيل و مجمع الفقه الإسلامي الذي يتبع لها منوط بهما, بيان ما لله فيه مقال بإجلاء الأحكام الشرعية المتصلة بالنوازل التي تتنزل بهذا القطاع من أمة الإسلام.
و الذي حدث هو أن الزعيم المعروف الدكتور حسن الترابي, أظهر مقولات منسوبة للإسلام - من وجهة نظره- و في تلك المقولات أحكام شرعية معينة, إما نصا, أو إعمالا للاجتهاد.
و من بين تلك المقولات: تجويزه زواج المسلمة بغير المسلم!! فكان حقا على مجمع الفقه الإسلامي و مستشارية التأصيل, إجلاء أحكام و مقاصد الشرع الحنيف في تلك المسائل عموما, و في زواج المسلمة بغير المسلم خصوصا.
و الميثاق الذي أخذه الله علي علماء أمة الإسلام: ( لتبيننه للناس و لا تكتمونه) .
و من (أسف) فإن مجمع الفقه الإسلامي و مستشارية التأصيل, لم يلتزما منهج خبط الخاطرات الذي يبدو أن أستاذنا الدكتور الطيب زين العابدين يعتمده طريقا للنظر في شرع الله علي منوال ذلك التطبيق, الذي رأيناه في خلطه العجيب, بين مدرك الولاية العامة للدولة و مدرك القوامة في الأسرة و الذي توصل من خلاله إلي تلك الإدانة المتشفية للمجتمع, و التي تلزم بطأطأة رؤوس علمائنا و ربما نتف لحاهم إن لزم الأمر ! .
أقول: إن مجمع الفقه الإسلامي لم يلتزم منهج (اللامنهج) الذي يدعو إليه راكلو الشريعة و إنما التزم الطريق الملزم باستنباط الأحكام الشرعية, على الأصول المقررة عند أهل الإسلام.
ومن أسف ثانية تبين أن ما توصلوا إليه, ليس مما يتوافق و مقتضى الزمان الغربي الصهيوصليبي و لا قرنه الأمريكي الجديد هذا ! فوقعوا في (المحظور) الذي نوه به أمين مجلس التعايش الديني: حظر زواج المسلمة من غير المسلم بمانع الكفر = عدم الإيمان بالإسلام بكل بساطة يا سادة!! .
و الحق أنه ليس في الإمكان إلا استنكار ما استنكره أمين مجلس التعايش الديني: فما هو الضرر الذي يترتب علي ذلك عند غير المسلمين من أهل الجوار ؟ و هل ينال ذلك منهم في شيء ؟ و على تأويل أنه نال فذلك تأويل مغرض متعسف و هو خاص بمن يقوله ! و في كل حال هو غير ملزم لشريعة الإسلام و من يدين به! نعم, هو صياغة للضمير و الوجدان المسلم, بموجهات ملزمة, ينبغي مراعاتها في الاختيار للشريك على أنه حاجز يمكن رفعه, فقط بشهادة الإسلام و لا علاقة له من بعيد أو قريب بتحيزات عرقية, أو عنصرية أو طبقية إنه باختصار: إلزام دين و كفى.
,, الدين-أي دين- لم يأت ليلتزم مرادات الناس, و إنما ليلتزم الناس مراداته ! ,,
و هناك حقيقة ينبغي إجلاؤها, بحيث لا يبقي شيء من اللبس عالقا بها: ليس لأحد من الناس مسلما كان أو غير مسلم , من عهد أو ميثاق عند الإسلام يملي عليه الوفاء برغبة, أو مراعاة (حساسية) أو إيجاب تنازل على تأويل إمبريالي يبتغي السبيل لاستئصاله ! و الدين-أي دين- لم يأت ليلتزم مرادات الناس, و إنما ليلتزم الناس مراداته ! و إذا ما كان ديدن الأديان السماوية - و الإسلام خاتمها- هو مجرد الاستجابة لرغبات البشر و أهوائهم و نزواتهم, فقد انتفت الحاجة إليها ابتداء, و سقطت و وظيفتها حتما و إنما كانت الأديان لارتقاء المفاهيم و المدارك و نهنهة الغرائز, و تهذيب الطباع, و السمو بالإنسان في مدارج الكمال ! و عند الإسلام بكلمة جامعة: و ضع البشرية على الصراط المستقيم وفقا لما يراه الإسلام للإنسان لا وفقا لما يراه الإنسان للإسلام !! .
و حقيقة أخري ينساها الناس, يشغبون على الإسلام بالإلهاء عنها, فقصارى ما يملكه الإسلام في الواقع القائم, الذي يظله و أهله: الإلزام الضميري في كل معتقده و أحكامه بلا استثناء, فقد قطع الطريق عليه للإنفاذ العملي لمفاهيمه و أحكامه بالكلية ! فهل يراد الحيلولة أيضا بين علماء الإسلام و بين مجرد تبليغ هذه الإلزامات الضميرية ؟! و الحقيقة المعلومة: أن المنتسبين للإسلام بالأسماء ممن لا يبالون به, لا يضيرهم ذلك في شيء. فالتي أفلت ضميرها ووجدانها من الصياغة الإسلامية, و أعلت من شأن ميلها الغريزي الخاص, و اقترنت بغير المسلم, فقد أسقطت الإسلام من اعتبارها بلا أدنى ريب ! فإذا أسقطها الإسلام من اعتباره فمن باب أولى !!.
و مما يستوقفني كثيرا, أن ما يشنع به على الإسلام, و يدان بل و يجرم في بعض الأحيان, كثيرا ما يكون أمرا (عاديا) في حق غيره و شأنا (خاصا) لا حق لأحد في تناوله, أو حتى مجرد التعليق عليه.
إنه و قبل فترة قصيرة ! أعلن ( سماحة) البابا بندكت السادس في صراحة و سفور تام شجبه و عدم مباركة كنيسته لزواج الكاثوليكيات من مسلمين و لعله أدرج ذلك من باب الخطايا, أو ما يقاربها و ما تناولت منظمة حقوقية و لا مجلس تعايش ديني ذكرا لذلك فضلا عن أن يتطاول أحد بالازدراء و الاستهزاء بذلك التصريح ! و بالنسبة لي شخصيا, يزيد ذلك التصريح من احترامي ل (سماحة البابا) , فهو في تقديري من منطلق حرصه على دينه, و حرصه على عقيدة رعاياه الكاثوليكيات تحديدا فهذا الحادي النبيل حين استصحابه, يسقط كل اعتبار ظني آخر فإذا سلمنا بذلك هناك فلم ينقلب كل محمود, إلى أمر مسترذل مستبشع بمجرد تطبيق الإسلام له, و علي قول شوقي رحمه الله:
و كيف يكون في أيدي حلال و في أخرى من الأيدي حراما ؟