وعلى مستوى التفاعلات داخل العالم الإسلامي، فقد جاءت تصريحات البابا في ظل مراجعات كبرى في العالم الإسلامي، صحيح أنه لا تزال هناك جماعات عنف يدعمها ويغذيها استمرار الصراع والحرب في أفغانستان والعراق ولبنان والسودان والصومال، ولكن بالمقابل فإن صوت الاعتدال يزداد في العالم الإسلامي، وهناك جماعات أعلنت مبادرات لوقف العنف في مواجهة دولها وخطّأت طروحاتها السابقة في إطار مراجعات شاملة لفكر قادتها الأوائل.
وهناك بعض الجماعات الإسلامية المعتدلة التي شاركت في الحكم من خلال انتخابات حرة نزيهة، وهناك موجة جديدة من الدعاة الجدد ممن تفننوا في الخروج على القنوات الفضائية من خلال تبسيط مفاهيم الدعوة ولا يترددون في اقتناء كل جديد من مظاهر الحضارة في اللبس والعادات، وهم في الأغلب من جيل جديد يؤمن بالحوار في الداخل والانفتاح على الخارج في إطار موجة من عولمة الدين. وهذه كلها عوامل تجعل الأطروحة المتسيدة في العالم الإسلامي حاليا أطروحة الاعتدال أكثر منها أطروحة الصراع والعنف.
هذه العوامل السابقة جميعها توضح أن تصريحات البابا كانت منفصلة عن السياق تماما فيما يتعلق بالعالم الإسلامي، وجاءت في غير وقتها، ولكنها لم تكن منفصلة عن السياق في العالم الغربي بعد 11 سبتمبر، ولم تكن منفصلة عما يدور في الأروقة الأكاديمية الدينية وغير الدينية في الغرب أو لدى قطاعات من الرأي العام الغربي.
ومن خلال تتبع التداعيات المختلفة التي يمكن أن تخلفها تصريحات البابا، يتضح أن هناك تسييس للدين وتديين للسياسة تتضح أكثر ما تتضح في مواقف البابا والسياسة الأمريكية؛ فهذه التصريحات التي أطلقها البابا تخدم بقصد أو من غير قصد السياسة الأمريكية في الآونة الراهنة تحديدا، حيث تواجه الولايات المتحدة مأزقا حادا في العراق وأفغانستان، وتتنامى الدعوات بالانسحاب مع تأكيد استطلاعات الرأي تراجع شعبية الرئيس بوش، ومن ثم تلقي تصريحات البابا بمزيد من الوقود الذي يبرر وجود الجيش الأمريكي، ويخلق مسوغا آخر لاستمرار الحملات الأمريكية على دول إسلامية مهما كانت التكاليف بحجة تغيير الآخر والتدخل لتغيير عقلية الآخر.
ومع إدراك ما لهذه التصريحات على الجانب الآخر من تأثير يتمثل في إخراج أسوأ ما في العالم الإسلامي؛ من مظاهر الهمجية وسفك الدماء التي ترتكب باسم الدين وردا على تصريحات البابا، ومن ثم تكريس"الدورة الخبيثة"، فإذا كان الإسلام يتهم بالتطرف والإرهاب وانتفاء العقل فإن الاتهامات نفسها والشتائم وردود الفعل عليها لا تسمح للمسلمين ولا تدع لهم الفرصة لإظهار الوجه الحقيقي، أو الوجه الآخر للإسلام.
وفي هذه الآونة تحتاج إدارة بوش لدعم الرأي العام وتحتاج إلى فتح كل الأورام في علاقة الإسلام بالغرب، والتي تبرر بقاءها وتعطي مبررًا دينيًّا للنقاوة في تغيير الآخر، وبينما تحبط قوى الاعتدال في العالم الإسلامي مخطط أمريكا، فإن قوى التطرف تطيل فترة بقائها ويحتاج الرئيس بوش إلى ما يبرر بقاءه العسكري مع استحكام فشله السياسي.
التداعيات الإقليمية.. مؤامرة مقصودة
ومن يرى أن تصريحات البابا تأتي في سياق مؤامرة مقصودة على الإسلام يعتقد بأن دلائل هذه المؤامرة واضحة منذ 11 سبتمبر، متمثلة في"ذلة اللسان"التي وقع فيها الرئيس بوش حول الحروب الصليبية، وتصريحات رئيس الوزراء الإيطالي السابق برلسكوني الذي كان قد قال عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 مباشرة:"أن الحضارة الغربية أرقى من الإسلام"، والرسوم الكاريكاتورية الدانماركية المسيئة للنبي محمد، وأخيرا تصريحات البابا.
وقبل هذا وذاك الحملات التي قادتها الولايات المتحدة ضد دول إسلامية، والتي يرى فيها الكثيرين في العالم الإسلامي موجهة إلى الإسلام، ويرى هذا الفريق أن الغرب متمثلا في الدولة والكنيسة والرأي العام أعلن مواقف عدائية تنم عن جهل بالإسلام، وعلى الرغم من أن هذا الفريق يضم الأكثرية في العالم الإسلامي، إلا أن تياراته تتوزع على مشارب مختلفة، فهناك التيارات الدينية العنيفة وغير العنيفة، وهناك جماعات الإسلام السياسي التي وصلت للحكم، وهناك المفكرون وعامة الرأي العام، وهذه الفئات جميعها تختلف في ردود فعلها.
وضمن هذه الفئات يمكن أن تشهد قيام بعض الجماعات المتطرفة بممارسة العنف الداخلي ضد رموز مسيحية أو كنائس مسيحية، وازدياد الفتنة الداخلية، وتعريض الدول الإسلامية لمزيد من العنف والصراع الداخلي والانفعالات الخارجة على العقل، ومن ثم تقع في شرك تأكيد مقولة البابا، وهذا يكرس العلاقة المتأزمة داخل العالم الإسلامي، ويضغط على التركيبة الداخلية للمجتمعات الإسلامية، ويزيد من حملة تشويه الإسلام.
كما أن أشد ما يضغط هذا التصريح على المسلمين المقيمين في البلدان غير الإسلامية وخصوصا في أوروبا، حيث يمكن أن يوضعوا في محل الشبهات وأن تُساء إلى علاقاتهم في البلدان التي يقيمون فيها، وأن يتجه خطابهم إلى مزيد من التطرف والخصام مع مجتمعاتهم والانزواء عنها، بدلا من التوازن والتصالح مع الآخر.
إن ما يظهر ذلك أن أول الإجراءات التي اتخذت أو أعلن عن اتخاذها هو رفع مستويات الاستعداد الأمني حول الفاتيكان والمقر البابوي، مما يكرس صورة للتطرف الإسلامي الذي يطال البابا الكاثوليكي ومعقل الدين المسيحي! وقد قدمت جماعات إسلامية ما يبرر ذلك بإطلاقها البيانات والخطب التي تهدد الفاتيكان والبابا شخصيا.
كل ذلك يوضح أنه في الوقت الذي كان العالم في أحوج ما يكون إلى الأمن الدولي بعد 11 سبتمبر، فيبدو أن متطلبات السياسات الأمريكية في الميدان والرأي العام الداخلي خلق حالة من الخدمة المتبادلة غير المقصودة بين الكنيسة والدولة في الغرب لتخدم الأولى في مد الثانية بالطاقة الروحية للحملات العسكرية، مما يكرس السياسات الرسمية ويبررها لدى الرأي العام على أسس دينية، وهذا يطرح منظورًا آخر للأمن العالمي غير المنظور الذي يخدم السلام.
** كاتب ومحلل سياسي
نبيل شبيب**
متظاهرون من الحزب الإسلامي المعارض بماليزيا مطالبين البابا بالاعتذار والتوقف عن الإساءة للإسلام
تعددت محاولات تعليل الإساءات المتتابعة على مستويات مختلفة ومن مصادر متعددة تجاه الإسلام والمسلمين، حتى أصبحنا نحقق بأنفسنا أهم أهداف تلك الإساءات، وهو"الاعتياد"على رتابة تواترها، واضمحلال ردود الأفعال عليها، فيما يشبه عملية غسيل دماغ جماعية.
وبدا وكأنه علينا التعامل مع هذه الإساءات بأسلوب"الواقعيين"المحدَثين، وروح الانهزامية والتسليم، أو عبر الخلط بين إدانة من يلجأ إلى القوة المشروعة مقاومة وإدانة من يمارس العنف غير المشروع إرهابا، أو مثل استخدامنا"تعابير العدو ومفاهيمه ومصطلحاته"التي وضعها لقضايانا ولرؤيته التاريخية والحاضرة والمستقبلية لنا ولها، فأصبحنا ننشرها بأنفسنا، أكثر منه، بأقلامنا وحناجرنا، في وسائل إعلامنا وفكرنا.. ونحن نحسب أننا نساهم في"توعية أنفسنا"!.