فهرس الكتاب

الصفحة 998 من 3028

وعليه، فقد أصبحنا في حاجة ماسة إلى صيغة شمولية/ إستراتيجية، وقيادات ميدانية، وخطوات عملية، ويدور الحديث هنا عن الصيغة الشمولية فقط، إذ منذ عقود لا تنقطع الإساءات في الغرب للإسلام والمسلمين في الكتب والمجلات، والمسرحيات والأفلام، والإعلام الإخباري والترفيهي، والمناهج الدراسية وحتى البحوث العلمية، وهي إساءات انتقلت في الغرب من دعايات تجارية لبعض الشركات، مثلما كان مع إساءة"والت ديزني"، ومن الاستهزاء مثلا في الأوساط الشعبية في ألمانيا بالقول"أُقسم بلحية النبي"، وكان مصدرها روايات"كارل ماي"الذي لم يكلف نفسه عناء دراسة الإسلام نظريا ولا زيارة بلاده التي كتب بعض أساطيره عنها، إلى إساءات لا تعبر فقط عن فكر منحرف أو جهل غير مقصود، بل تقترن الإساءات بخطوات عملية، تنسجم مع مضمونها، وتطبق مقتضياته على أرض الواقع، حتى في حالة اعتبارها"زلة لسان"، أو الاعتذار عنها، مع تجنب تكرار ذكرها بلفظها.

ومن أراد مثالا فليس مثال"الإسلام عدو بديل"ببعيد، ولم يعد يردده بهذه الصياغة أحد من المسئولين في الغرب بعد طرحه على ألسنتهم في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ولكن ألا نشهد على أرض الواقع أن الإسلام أصبح فعلا هو العدو البديل، على أرض الممارسات الواقعية، وعلى صعيد السياسات الرسمية، والحروب الوقائية والعدوانية، ومشاريع تغيير المناهج والخرائط الجغرافية، وغير ذلك من الصور التطبيقية؟.

من هنا فإن بعض المشاريع العملية الطموحة التي طُرحت ردا على الإساءة الكاريكاتورية، شهدت حماسة كبيرة، ثم لم يبق منها إلا القليل، إذ تقف حدود التأثير عند الأوساط الإسلامية، ونادرا ما يصل التأثير إلى الجهات المستهدَفة أو المفروض أن تكون مستهدفة، فكأن المطلوب من ردود الأفعال، أن تصل إلى درجة معينة من طمأنة النفس أننا صنعنا الواجب، لمجرد اجتماعنا وحوارنا عن ذلك الجواب، أو لمجرد"تهديد الآخر بأداء واجبنا لردعه".. وكفى، بانتظار جولة قادمة!.

خلل على مستوى الشعوب والنخب

في متابعة"الإساءة البابوية"- باعتبارها الأقرب زمنيا - انطلقت الأقلام كالمعتاد تحليلا وتعليقا ومناشدة واحتجاجا، وشارك هذا القلم فيها، وكأن كل صاحب قلم أراد ألا يغيب عن ساحة"الحدث"، ففريق يتناول المحاضرة، وآخر يعرف بصاحبها، وثالث يشرح الظرف التاريخي للاستشهاد المستهجَن فيها، ورابع يفصل في الخلفية العقدية الكاثوليكية، وخامس يدعو إلى غضبة جماهيرية، وسادس يطالب بخطوات سياسية رسمية... وهكذا، فلم يبق جانب من الجوانب إلا واكتمل الحديث عنه.

ولكن هل أوصل الكلام إلى حصيلة عملية"مستديمة"النتائج؟.. ولا يعني هذا السؤال عن اعتذار البابا الكاثوليكي أو عدم اعتذاره، ولا عن جعل التعامل معه"درسا بليغا"لسواه.. إنما المقصود أصل القضية فيما يتعلق بالعلاقات البشرية والدولية، وألا تكون دوما على حساب الإسلام والمسلمين، بل أن يصبح الوضع بمستوى أن يجد المسيء داخل بلده واتباع توجهاته الدينية أو غير الدينية، من يواجهه ويضع حدا لإساءته، قبل أن يفجر بها موجة جديدة من المقدمات أو العناصر لحرب حضارية أو دينية أو ثقافية.

يمكن في البحث عن مكمن الخلل إيراد استشهادين يعبر الأول -على الأرجح- عن رؤية معينة من القاعدة الجماهيرية، ليست هي الوحيدة بطبيعة الحال، ويعبر الآخر عن وجهة نظر فريق من المسلمين في الغرب، ولا يعني أنها وحدها السائدة لديهم.

الاستشهاد الأول من رسالة شبكية بقلم"نوارة نجم"من مصر، اختلط فيها الغضب مع روح الإخلاص، وترد فيها على شاب كتب لها كلمات باللهجة العامية الدارجة منها:"إحنا بقى ممكن ياخدوا مصر وكل الدول العربية بس ماحدش يقول كلمة واحدة على محمد صلى الله عليه وسلم"، فكان من كلماتها في التعقيب:"في يوم أن دخلت القوات الأمريكية النجف الأشرف سمعت العراقيين وهم يقولون للقوات الأمريكية مثلما قال هذا الشاب: احتلوا المدينة لكن لا تقتربوا من مرقد الإمام علي"! وتتساءل الكاتبة:"نحن ندافع عن الإسلام؟ أين الإسلام؟".

الاستشهاد الثاني من مقالة للأستاذ صبحي غندور، رئيس مركز الحوار العربي في واشنطن، ويقول فيما يقول فيها:"كيف يطالب البعض في مصر أو الأردن أو فلسطين بطرد سفير الفاتيكان ولا يتحركون لطرد الدبلوماسيين الإسرائيليين من القاهرة وعمان والدوحة وغيرها؟! لماذا سياسة"القوة على الضعيف والضعف أمام القوي"، ولماذا تضيع الأولويات في صراعات المنطقة وقضاياها، ولماذا إثارة المشاعر العنفية على"الحديث البيزنطي"لبابا الكنيسة الكاثوليكية ولا يتم التحرك والغضب الفاعل تجاه ما يحدث في الأمة من احتلال وفتنة وتمزيق وظلم وغياب للعدل السياسي والاجتماعي؟ لماذا تغيب"الرقابة الإسلامية"عن حال المسلمين في بلدانهم وعن الأخطار الحقيقية المحدقة بهم؟".

وهذا -من منطلق قومي عربي- مما يلتقي مع ما كتبته وسام كمال من منطلق إسلامي في إسلام أون لاين، ومنه:"غني عن الذكر أن ديننا وإنسانيتنا وثقافتنا؛ تتم محاربتهم من الخارج (الغرب) والداخل (الحكومات) . فإذا كنا نتجبر أمام محاربة الغرب لنا، فلماذا لا نغضب أمام الاحتلال، وهدم المساجد، ومصانع التعذيب بجوانتنامو، والحملة الثقافية التي تنشد تشويه أفكارنا ومعتقداتنا وثقافتنا وعاداتنا؟".

وأحسبها مست مكمن الخلل بقولها أيضا"من أهم الثمار التي خرج بها مؤتمر نصرة النبي بالبحرين -المنعقد في مارس 2006- إنشاء المنظمة العالمية لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لتكون هي الإطار الجامع والمنظم لاستمرار المؤتمر وتواصل أعماله. ويتبع المنظمة أربعة مكاتب هي: مكتب النصرة الاقتصادية، مكتب النصرة القانونية، مكتب التنسيق والاتصال، المكتب العلمي والإعلامي، وكذلك إنشاء الصندوق العالمي لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التابع للمنظمة؛ لتمويل مشروعاتها وأنشطتها. ولكن المنظمة التي كان من المفترض أن تقف أمام تصريحات البابا، لم يُسمَع لها صوت، وبدت توصيات المؤتمر دخانا تبخر سريعا، ولم يُؤتِ أكله".

في حدود هذه الاستشهادات وفي حدود الإيجاز الشديد يبدو مكمن الخلل في مستويين:

1-على المستوى الشعبي: إننا نثور ونغضب بصيغة ردود الأفعال، ودون ترتيب الأولويات وفق ما هي مرتبة في الإسلام نفسه، الذي نقول إننا نغضب له.

2-على مستوى النخب: إن كثيرا من القرارات الكلامية والخطوات العملية، إما أنها كواقعنا على المستوى السياسي، حبر على ورق، ودخان بلا نار، أو أنها قائمة على تصور غير مكتمل، فلا يمكن أن تحقق على أرض الواقع الهدف المطلوب منها نظريا. هذا بغض النظر عن الخلل القائم من الأصل على المستوى الرسمي.

ضرورة الرؤية الشمولية

من أمام المسجد الأقصى متظاهرون فلسطينيون يطالبون البابا بنديكت بالاعتذار 22 سبتمبر 2006

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت