إن الإساءة"البابوية"ومن قبلها"الكاريكاتورية"، وما لا ينقطع من"الإساءات"العدوانية، بينها جميعا قاسم مشترك هو ظاهرة"الخوف المرضي من الإسلام"/ إسلاموفوبيا، والواقع أنه الخوف"على الذات"، فالعلمانيون صانعو الحياة في الغرب يخافون على علمانيتهم بعد ازدياد انحرافها وإفلاسها على صعيد جنس الإنسان وكرامته وحقوقه، وأصحاب العقائد الدينية -كالكنيسة الكاثوليكية- خائفون على عقائدهم ومؤسساتهم ومواقعهم بعد العزوف الواسع النطاق عنها وضمور دورها شعبيا لا سياسيا فقط، والسياسيون وصانعو القرار من ورائهم من مراكز القوى المادية خائفون على هيمنتهم على ثروات العالم ومقدرات شعوبه ودوله، والإخفاق المنتظر لهجمتهم الجديدة تحت عناوين العولمة والهيمنة.
ومن ثم باتت هجمة هؤلاء الشرسة المعاصرة على الإسلام أشبه بالهروب إلى الأمام، أو وفق قاعدة الهجوم"العسكري الوقائي"خير وسائل الدفاع"الفكري الحضاري". ولم يفلح الغرب فيما كان الإسلاميون يسمونه الغزو الفكري والثقافي والاجتماعي والأخلاقي، الذي امتد أكثر من قرن كامل، في منع ظاهرة الصحوة الإسلامية من الولادة قبل أربعة عقود، والتنامي حتى اليوم، بغض النظر عن طرح نقاط الضعف ونقاط القوة فيها.
وبدأ يسود الاقتناع بعد رفع شعار"الإسلام عدو بديل"وتطبيقه في عسكرة الهيمنة، أن استخدام القوة الإجرامية المطلقة لن يفلح أيضا، فباتت المشكلة مشكلة التعامل مع انتشار الصمود والمقاومة، والتعامل مع العجز عن محاصرتهما أو إخمادهما، وليست مشكلة تبديل حكومات بحكومات ومناهج بمناهج وأشخاص تابعين بأشخاص تابعين.
إن الخوف"على الذات"هو مصدر كثير من الإساءات والاعتداءات على اختلاف صورها وأشكالها وصيغ إخراجها.. ولكن الرد الإسلامي لا بد -كي يكون إسلاميا فعلا- من أن يكون حضاريا.
إن الإساءة مع الافتراء لا ترد بافتراء وغضب لا سيطرة عليه، والعدوان مع الإجرام لا يرد بإجرام.
نحن لا نواجه إساءات بين الحين والحين فقط، لتنبني عليها ردود أفعال فقط. إنما نواجه مخططات وتحركات شاملة، وهذا ما يفرض أن يكون الرد قائما على صيغة شمولية، تنطوي على عمل دائب لا وقتي، مخطط لا ارتجالي، منظم لا عشوائي، منضبط بضوابط الإسلام وغاياته الحضارية وفي مقدمتها"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، لا انفعالي.
جميع ذلك لا يتحقق بأن ننتظر الإساءة التالية، كي تنعقد المؤتمرات، وتسير المظاهرات، وتلقى الخطب، وتكتب المقالات، ثم تهدأ الأمور شيئا فشيئا، بانتظار الحلقة القادمة!.
ولتحقيق الهدف بصورة عامة لا نحتاج إلى منظمات وهيئات وقيادات إضافية بل إلى إحياء المنظمات والهيئات القائمة لتكون فعالة على أرض الواقع لا المواقف فقط، خاصة ما اكتسب منها تدريجيا ثقة جماهيرية واسعة، تؤدي مسئولياتها الكبرى في الظروف المعقدة القائمة حاليا، وعلى أكمل صورة ممكنة، وفي مقدمة تلك المسئولية أن ينشأ من ورائها جيل جديد من القيادات الشابة.
أفكار مبدئية
من أجل أعمال دائمة لا وقتية، وقيادات فاعلة لا منفعلة بالحدث، وتحقيق أهداف مرحلية نحو الأهداف البعيدة، نحتاج أول ما نحتاج إلى صيغة شمولية/ إستراتيجية، تتضمن رؤية عميقة شاملة لواقع العالم والعصر وواقعنا، كما تتضمن مخططات مدروسة لتحديد أهم عناصر التعامل مع هذا الواقع، ما الأولويات فيه، ما الدرجات والأشكال الأنسب للتفاعل معها، مَا الجهات التي تستوجب منطلقاتها المعادية وأعمالها المعادية مقاومتها، وتلك التي ينبغي كسبها أو تحييدها، ما وسائل التواصل بين العناصر الفاعلة في نقل التوجيهات العامة التي باتت تصدر عن بعض الجهات كالاتحاد العالمي للعلماء، إلى صيغ عملية مناسبة، في كل موقع محلي على حدة، وغير ذلك مما يطول المقام بسرد عناوينه، ناهيك عن التفصيل في مضمونه.
وواضح أن هذا الواجب الضخم الذي ترتبط به واجبات فرعية آنية عديدة، وحملَ هذه المسئولية التي تتفرع عنها مسئوليات جزئية كبيرة جسيمة، يتطلب أن يتلاقى على أدائه فريق من الخبراء والمتخصصين، من أصحاب الفكر والعلم، على أن يكونوا من ذوي الرؤية بأبعاد شمولية/إستراتيجية، كما يتطلب أن تكون الصيغة الشمولية المرجوة نفسها واضحة، منطقية، ومقنعة بما فيه الكفاية، لتجد عبر خصائصها الذاتية ما يحقق لها الاستيعاب والقبول والتفاعل لدى النسبة الأعظم من الشعوب ومن النخب.
والدعوة إلى ذلك هي الهدف من هذه السطور.
لا يمكن وضع مثل هذه الصياغة في مقال أو مقالات، أو أن يحمل المهمة فرد أو بضعة أفراد، ولا نجهل أن القائمين على وضع صيغ شمولية للتحركات الغربية على المستويات القومية والجماعية يعملون من خلال مراكز بحوث عديدة كبرى، ويعتمدون على مراكز معلومات شاملة مبوبة، ويمارسون مهامهم ممارسة متواصلة تخضع للتقويم والتطوير بصورة دائبة. وبالمقابل:
1-لدينا العديد من مراكز البحوث، ومنها ما يمكن أن يعمل بصورة مستقلة عن اعتبارات موقعه الجغرافي أو ارتباطه الرسمي.
2-لم تعد المعلومات إلى حد بعيد حكرا على طرف دون آخر، ولا بلد دون بلد، إنما المشكلة الكبرى تكمن في تنقيتها وتوظيفها للغرض المطلوب من جانب المستفيد منها.
3-لم تعد الحواجز السياسية والمسافات الجغرافية عائقا في وجه التواصل والتعاون لتحقيق مثل هذا الهدف، ولم تعد الوسائل التقنية مفتقدة للاستعانة بها على الوصول به خلال فترة وجيزة نسبيا إلى نتيجة مقبولة.
4-تجاوزت المنطقة الإسلامية عموما حقبة سابقة لا يراد التفصيل فيها هنا، كان التحزب والتشرذم فيها أوسع انتشارا مما هو عليه الوضع الآن، وبين أيدينا على سبيل المثال هيئات عديدة يمكن الاعتماد عليها بصورة جماعية -إذا تلاقت مع بعضها بعضا على تحديد عدد من الأهداف والوسائل المشتركة والتخصصية- في تحقيق كثير من الإنجازات، مثل المنظمة المنبثقة عن مؤتمر نصرة النبي، واتحاد العلماء المسلمين، والمنظمة الإسلامية للثقافة والعلوم، على سبيل المثال دون الحصر.
5-كما تجاوزت المنطقة الإسلامية جزئيا على الأقل حقبة الصراع العنيف بين التيارين الإسلامي والعلماني، وأصبح في الإمكان أن يجد ما يصنعه أحد الفريقين، إذا راعى الآخر في حدود المنطق والمعقول، مَن يعمل معه من الفريق الآخر، لا سيما أن الأخطار المحدقة بالجميع باتت شاملة، ولا تستثني أحدا في نهاية المطاف.
إن الحاجة إلى رؤية شمولية حاجة ماسة من حيث الأساس، وتكاد تصبح حاجة وجود وبقاء ومستقبل، والمطلوب منها أن تكون في وقت واحد:
1-منطلقا لأعمال هادفة ودائمة لا تقف عند حدود ردود الأفعال.
2-معيارا للقيادات ومساعدا لها لاتخاذ القرار القويم والسريع من الحدث الآني.
3-منارة إرشاد وتوجيه لأعمال التوعية للأفراد وللتحركات والنشاطات المحلية، لا سيما في حالة صعوبة التواصل السريع.
4-مدخلا للانتقال من مرحلة أعمال عشوائية ومتفرقة طال أمدها، إلى أعمال دائمة ومشتركة، تتلاقى عليها القوى المخلصة في مختلف الميادين.
5-وسيلة من الوسائل العملية للتلاقي وللتعاون مع الآخر في الحاضنة الحضارية الإسلامية، ومع الآخر في الحاضنة الحضارية البشرية المشتركة، لا سيما أن خطر مراكز صنع القرار العالمي اليوم بات -كما هو محليا- في أيدي فئات محدودة، تعارضه فئات كبرى وتتضرر منه، وتكاد ردود الأفعال غير المدروسة، والتي تضع الجميع في خانة العداء، لا تفيد أحدا قدر ما تفيد الأعداء الحقيقيين.
** كاتب سياسي.