لقد خالف جودت إجماع المسلمين في تلقي النصوص الشرعية والعمل بها والتحاكم إليها عند التنازع والرضا التام بما يصدر عنها، ولئن لم يعتقد جودت بتلقي، كيف بدأ الخلق من الكتاب والسنة فمن أين يحصل عليها؟ هل نعود في ذلك إلى الذين ساروا في الأرض وقاموا بالحفريات ثم قالوا بنظرية النشوء والارتقاء، أو الانتخاب الطبيعي، أو الصفات المكتسبة، وقد دحض العلماء هذه النظريات وكذبوها، ولكن جودت لا يزال يلمح إليها في كل مناسبة، رغم أنه لا يؤمن إلا بما يصدر عن الواقع والأمر الحسي إلا أنه في موضوع التطور يتخلى عن منهجه المادي قليلًا ليقول بلغة التخيل:"لو تيسر للإنسان أن يراقب فكريًا وضع الكرة الأرضية ونشوء الحياة فيها وأنواع الحيوان التي عاشت عليها، وأنها يومًا ما كانت الحياة كلها في الماء، ثم صارت في اليابسة ثم وجد الإنسان، لماذا لا يخطر لنا أن هذا الخلق لا يزال مستمرًا؟ لماذا لا يخطر لنا أن الخلق لم يتوقف ولا يزال يخلق، ويزاد في الخلق وأن هناك نشأة أخرى؟؟" (18) . يقصد النشأة في الحياة الدنيا أو الانسان المتفوق (السوبرمان) (*) ثم يقول بأسلوب السخرية من المسلمين:"إن التاريخ سيضطر المسلمين أن يغيروا فهمهم للقرآن، لهذا يقفون من التاريخ موقفًا سلبيًا" (19) .
كيف أدرك الإنسان الألوهية؟
إن طلب جودت إعادة النظر بموضوع كيف بدأ الإنسان يدرك معنى الألوهية، وكيف كان الإيمان بالله، وكيف نتلقي هذا الأمر من خارج القرآن الكريم؟ تلك أمور تحتاج إلى وقفة مع جودت، وذلك لأن موضوع إدارك الإنسان الأول - آدم عليه السلام - لمعنى الألوهية لم يكن موضوع اختلاف بين المسلمين، لأن هذه الحقيقة واضحة عندهم، ولا تغيب عنهم، وهم يتلقونها من كتاب ربهم وسنة نبيهم، وأما ميدان هذه البحوث والجدل القائم حولها فهو لدى علماء الاجتماع الوضعيين، الذين يرفضون تلقي هذه العقيدة من مصدر الوحي، ويظهر أن جودت قد انحاز إلى رأيهم وتبني منهجهم في هذه القضية، وأصبح يدعو لإعادة النظر فيها، وهو يؤمن كما يؤمنون بمراحل التاريخ وتقسيماته، إذ يقول جودت عن التاريخ:"قطع الإنسان فيه مراحل ومراحل حين خرج من حياة الصيد إلى الرعي إلى الزراعة، إن تقسيم تاريخ البشر إلى عصور حجرية وقديمة وحديثة وعصر البرونز والحديد كل ذلك يدل على: كيف بدأ الخلق والعلم وخلق السيطرة والتسخير" (20) .
ولا يشك المسلمون - كما يفعل علماء الاجتماع - بأن آدم -عليه السلام- كان نبيًا وكان موحدًا خالصًا، وأنه تلقى عقيدة التوحيد من الله تعالى: (( إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ) ) [آل عمران 33] . وقال تعالى يصف توبة آدم: (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ) [البقرة 37] .
هذا هو منهج آدم ومنهج الأنبياء من بعده، وكلما أتى على هذا المنهج طارئ من المعتقدات المنحرفة، كان يستدعي إرسال رسول جديد. وظن أصحاب التوجه المادي أن هذه الانحرافات في تاريخ البشر، هي تطور في تاريخ العقيدة، فوضعوا على أساس هذا الفهم الخاطئ تصورات عن تطور مفهوم هذه الألوهية، من التعددية إلى التثليث إلى الثنائية إلى التوحيد، وأنكروا أن يكون أول البشر مهتديًا موحدًا، وظهرت عند بعض المسلمين هذه الأفكار واستخدموا عبارات علماء الاجتماع الوضعية ذاتها، مثل قولهم: الأديان العليا، والأديان السفلى، كما جاء عند جودت في كتاب اقرأ:"لهذا اعتبر توينبي الحضارات نكوصًا عن الأديان العليا، فالأديان العليا إنسانية وسمو.." (21) ، والقرآن يرد هذا الافتراء حيث يقول الله تعالى: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ) [البقرة 213] .
-يتبع -
المراجع:
*- إن الفيلسوف الألماني الملحد نيتشه قد روج لنظرية (السوبرمان) في كتابه: هكذا تكلم زرادشت.- البيان -
1-كتاب"اقرأ وربك الأكرم"، جودت سعيد ص 117.
2-المصدر السابق ص 116.
3-المصدر السابق ص 119.
4-المصدر السابق ص 120.
5-7- المصدر السابق ص 117.
إعداد
سليمان بن صالح الخراشي
1422 هـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زالت بلادنا -حفظها الله وثبتها على الحق- ملاذًا آمنًا لكل من يريد إقامة دينه ودنياه من أبناء المسلمين على اختلاف هوياتهم، وملتقىً لهم بما خصها الله به من وجود الحرمين الشريفين على أراضيها. وقد أمَّها الكثير منهم، ما بين كبير وصغير، وعالم وجهل، فعاد فئام إلى أهاليهم وقد استقامت أحوالهم الدينية -ولله الحمد- بعد أن تبصروا وتفقهوا في تلك الأحوال وفق ما جاء في الكتاب والسنة، وهو ما لم يجده كثير منهم في بلاده نظرًا للظروف التي مرت بالعالم الإسلامي، مما لا يجهلها أحد.
ولكن بقي فئات قدمت إلى هذه البلاد (متشربة) البدعة ومخالفة الكتاب والسنة، راضية بما هي عليه من انحراف، قد انتكست فطرتها، فرأت المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.
أتت وقد تشبعت قلوبها من أئمة الضلال ببغض دعوة الكتاب والسنة التي تقوم عليها بلادنا -ولله الحمد- ، فلم ترض أن تتنازل عن ما هي عليه من باطل.
وهذه الفئة صنفان:
1.... صنف أتى لهذه البلاد طالبًا للعيش، وجوار الحرمين الشريفين، غير ساعٍ في نشر بدعته وانحرافه بين أهلها، إما خوفًا (1) أو عدم حماس لها، مما جعله يتستر عليها ولا يُسر بها إلا لخواصه الأدنين ، جاعلًا شعاره قول المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًا له ما من صداقته بدُ !
وقول الآخر:
ودارهم ما دمت في ( دارهم ) وأرضهم ما دمت في ( أرضهم ) !
وهذا الصنف قد كفانا مؤنة الرد عليه وفضحه، لما هو عليه من تستر وتحفظ من نشر بدعته وانحرافه، فهو (مبتدع) غير داعية إلى بدعته .
فمثل هذا يناصح برفق، ولا يرد عليه علنًا، لكي لا تشتهر بدعته، أو تأخذه الحمية في نصرتها.
2.... والصنف الآخر: كالأول تمامًا في بدعته وانحرافه، لكنه لم يخضع كما خضع الأول ! ولم يستتر كاستتاره ، بل جاهر ببدعته وانحرافه، مستعملًا كل أسلوب متاح لترويج ذلك بين شباب هذه البلاد؛ لكي يصرفهم عن دعوة الكتاب والسنة إلى ما يوافق مشربه.
فهو لأجل ذلك يُصنف الكتب، ويكتب في الصحف والمجلات، ويشارك في الندوات .
وهؤلاء يختلفون في بدعهم ومشاربهم؛ فمنهم الأشعري الخَلَفي، والصوفي الخرافي، والمعتزلي العقلاني.. الخ
إنما يجمعهم كلهم: (بغض دعوة الكتاب والسنة) ومحاولة صرف الشباب عنها إلى أهوائهم.
فهذا الصنف يجب على دعاة الكتاب والسنة أن يتصدوا له، وأن يفضحوه بين الناس، ويُشهّروا به في الآفاق؛ حتى يدع بدعته أو يكف عن بثها ونشرها.
والطبيب خالص جلبي من هذا الصنف ! فهو قد قدم إلى هذه البلاد منذ عشرات السنين مستقرًا في بلاد القصيم! ليعمل في أحد مستشفياتها.