ثم يظهر المفهوم المادي لتوحيد الله عندما يقول:"وتوحيد الله يأمر بالنظر إلى الوقائع الخارجية للاتصال بالحقائق الخارجية وإعطاء معنى أقدس لظاهرة الكون كعملية إبداع" (6) . ثم يصل جودت سعيد إلى الهدف الأساسي من بحث التوحيد والعلم إلى النتيجة النهائية في تعريف الإيمان:"يصبح العلم في نهاية الأمر هو الإيمان، والإيمان هو العلم والشرك هو الجهل، والجهل هو الشرك" (7) . وتعتبر هذه التعريفات غريبة على العقيدة الإسلامية، وليس من الصعوبة إيجاد المصادر المستمدة منها، فإن سجل الفرق الكلامية الضالة حافل بمثل هذه الآراء، ومثال ذلك قول الجهم بن صفوان:"الإيمان هو المعرفة، والكفر هو الجهل".
قد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى الإيمان بما لا يدع مجالًا للجدل والانحراف وذلك في حديث جبريل المشهور حين سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان:"قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت" (8) ، ولكن جودت سعيد تأثر بالمنهج المادي، حتى لم يعد عنده للغيب اعتبار، وقد قال تعالى: (( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) ) [البقرة 3] .
لقد قاده هذا الفهم إلى أن يجعل للبشر سلطانًا على تصور وجود الروح من خلال كشف السنن فقال:"هذا الوجود السنني هو نوع آخر من مراتب الوجود، وربما يكون مدخلًا لتصور وجود الروح، والله تعالى له الخلق والأمر والروح من أمر الله، (( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) ) [ الإسراء 85] . وأمر الله، وكلمة الله،وسنة الله ألفاظ قد تكون متقاربة في مدلولها، ولكن سنة الله قد توصف بأنها لا تتبدل ولا تتحول" (9) .
مصطلحات الاعتقاد:
يسخر جودت من المسلمين حين يعظمون التشكك بالاعتقاد فيقول:"ولكن السلوك هو الكافر (من ترك الصلاة فقد كفر) والمسلمون عكسوا القضية فعظموا التشكيك في الاعتقاد، وتهاونوا بالتقصير بالأعمال" (10) . صحيح أن بعض الفرق تهاونوا بالأعمال ولكن من الخطورة بمكان كبير تعميم هذه القاعدة ومحاولة عكس مفهوم عقيدة أهل السنة والجماعة، للمصطلحات الشرعية (الإيمان، والشرك، والكفر) حيث يعتمد المسلمون في تحديدها على منهج القرآن، قال تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا عَظِيمًا ) ) [النساء 48] . ومنهج أهل السنة في هذه المسألة واضح من خلال قولهم المشهور:"ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" (11) . والاستحلال أمر اعتقادي قلبي، وقد تَبَنَّى الخوارج هذا المنهج واعتبروا مرتكب الكبيرة - المعصية أو السلوك - كافرًا حتى تجرأ هؤلاء على تكفير الصحابة وتطبيق الأحكام الخاصة بالكافرين في حق المسلمين. وقد ذكر جودت مذهبي الجبرية والقدرية ولم يذكر الرأي الصحيح وهو ما عليه أهل السنة والجماعة إذ يقول:"ومن أسباب جعل السلوك البشري خارج العلم وخارج السيطرة عليه أمران: أولًا: فهم العقيدة الدينية فهمًا خاطئًا، وهو أن الله يفعل ما يشاء (( ومَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ... ) ) [ التكوير 29] وتاريخ النزاع طويل بين الذين يرون الجبرية في سلوك البشر، وبين من يرون الانسان مخيرًا في سلوكه" (12) . وظاهر كلامه الانتصار لمذهب المعتزلة الذين يرون أن للإنسان مشيئته التامة دون ربطها بمشيئة الله، ويجعلون عقولهم الحكم على أمر الله، فيقولون: يجب على الله.. كذا بناءًا على تصوراتهم البشرية عن الحكمة والعدل، وهذه النظرة للاعتقاد تحمل جودت على القول: أن الاعتقاد خاضع لعمليات الضبط والتصحيح وذلك حين يقول:"إذا كان عالم الأشخاص يقدم لنا العلم والتوحيد إلا أن العلم والتوحيد لا بد أن تجري فيهما دائمًا عمليات التصحيح والضبط" (13) .
كيف بدأ الخلق:
لبيان موقف جودت من موضوعات الخلق نجده يلجأ إلى فكرة إعادة النظر فيما تعتقده الأمة بموضوع كيف بدأ الخلق، وعند تفسير قوله تعالى: (( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ) ) [العنكبوت 20] . يقول:"تحتوي هذه الآية الكريمة على منهج محدد للبحث يشمل جوانب العالم المادية وغير المادية، الجواهر والأعراض حسب تعبير الأقدمين، فالموضوع يشمل كل الكائنات من الذرة وما دونها من الصفر إلى المجرة بل عموم الكون من المواد العضوية إلى الإنسان الذي هو في أحسن تقويم، عضويًا وفكريًا واجتماعيًا، ومن الأفكار الأولية التي أعقدها" (14) .
وعن السبب في تبني هذا المنهج يقول جودت:"أن معرفة كيف بدأ الخلق وفهم الأمور على هذا المستوى، ينبه الإنسان إلى أن الخلق قد ينمو ويتحسن لأن من عرف كيف بدأ الخلق ضعيفًا وعاجزًا ثم نما نموًا بطيئًا وأن هذا النمو اقتضى دهورًا طويلة، فقد يقوده التأمل في بدء الخلق إلى التفكير في مصير الخلق" (15) ، ثم يبين جودت الأمور التي تخضع للبحث وعدد بعضها، فقال:"وعلى مقتضى هذه الآية ينبغي أن يذكر في مقدمة كل موضوع كيف بدأ خلقه، حتى ما يتعلق بطريقة الإيمان بالله: كيف بدأ الإنسان يدرك معنى الألوهية، إذن كل موضوع له بدء خلق بالنسبة لدخوله إلى إدراك الإنسان، وبمقتضى ما تطلبه الآية ينبغي أن نعيد النظر في كل ما نراه من حيث كيف بدأ خلقه" (16) .
إن إعادة النظر هذه وإعادة البحث في أمور اعتقادية مقررة في النصوص الشرعية، يعتبر خروجًا على هذه النصوص وتعطيلًا لمضمونها، وإن الخطر لا يكمن لمجرد إعادة النظر في هذه القضايا فحسب وإنما في تغيير مكان الدليل، ومكان هذا العلم، ويقول:"إن هذه الآية تنقل موضوع بحث معرفة كيف بدأ الخلق، من آيات كتاب الله إلى آيات الآفاق والأنفس والسير في الأرض" (17) .
ما هي الحاجة الملحة التي يراها جودت لإعادة النظر بالمعارف التي يتضمنها كتاب الله أو سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟
نستطيع أن نشير إلى موضوعين هامين يطلب جودت فيهما إعادة النظر وتغيير الاعتقاد السابق، وهما بداية الإيمان بالله، وخلق الإنسان، فكيف خلق الله الإنسان؟ من لا يعرف كيف خلق الله الإنسان؟
إن الطفل الصغير ليدرك هذه الحقيقة.. إن الله خلق الإنسان من تراب فقد قال تعالى: (( إن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ) ) [الحج:5] . وقال أيضًا: (( قال: يَا إبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) ) [ص:75] . ثم يبين الله كيف بدأ الخلق: (( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ ) ) [السجدة:7] . لقد بين الله تعالى لنا بطريقة واضحة كيف بدأ خلق الإنسان، الخلق والمادة التي كان منها الخلق، وتفصيلات عن طريقة الخلق، فلماذا نبحث هذه القضية في مصدر آخر؟ وما حقيقة أن نطلب تعديل ما هو مقرر في كتاب الله؟ أليس في ذلك نفي لقدرة النصوص الشرعية، على تقديم المعرفة العلمية الصحيحة؟ ولقد فصل القرآن كل شيء عن خلق الإنسان، ولا نحتاج إلى تلقي هذه المعلومات من مصادر أخرى.