فهرس الكتاب

الصفحة 1583 من 3028

يقول أصحاب النزعة العقلية: إن العقل هو الذي يشهد بالصدق والقبول لآيات القرآن والسنة، وبهذا جعلوا العقل حَكَمًا على الدين، كما يقول محمد إقبال:"ومما لا شك فيه أن للفلسفة الحق في الحكم على الدين" (16) . ويقول أصحاب النزعة المادية: إن آيات الكتاب لا تؤدي دورًا، وإنَّ الواقع أو التاريخ وآيات الآفاق والأنفس هي التي تشهد لآيات الله بالصحة والثبات والقبول. وفي هذا يقول جودت:"في القضاء يطلبون البينة والأدلة والشهود، والله يقيم على دينه وكتابه شاهدي عدل، وهما آيات الآفاق والأنفس، وهما شاهدان معتبران لهما حق الشهادة" (17) .

وقد يظن البعض أن هذه الشهادة كما نتصورها - نحن - شهادة تأكيد وتأييد أو من العوامل التي تساعد الناس على فهم آيات الله في القرآن، والاعتبار بها ولكن نلاحظ أنه يجعلها الحَكَمَ على آيات الله، وكأن آيات الله لا تكفي لوحدها لبيان الحقِّ وتقديم العلم. وها هو يقول:"وللمجادل أن يصادر آيات الكتاب، ولكنه لا يمكنه أن يصادر آيات الافاق والأنفس، فمن هذا الجانب صار دليل الدين دليلاَ عالميًا إنسانيًا علميًا، وليس دليلًا لطائفة معينة من الناس" (18) . وبهذا يعطي جودت الحق لأي إنسان في رفض آيات الله ومصادرة معناها باعتبارها ظنية. ويشير إلى ذلك، عند وصفه للمعارف حين كانت ظنية:"حينما كانت المعارف ظنية وتابعة للأهواء، ولم تكن تشهد بها آيات الآفاق والنفس وكان النزاع يجري فيها، ولكن حين قامت أدلتها من الآفاق والأنفس تغير الوضع" (19) .

وها هو يردد ما بثه المستشرقون في ديار الإسلام في بداية الغزو الفكري، وزعموا أن النصوص الشرعية ظنية الدلالة ولا تصلح لقيام الحجة والبرهان من خلالها وهذا طَعْنٌ في أصول الدين، ويقول جودت في معرض تحديد مصادر جديدة للمعرفة، وتعيين أصول جديدة للدين:"يذكر إقبال: إن هذه الآية جعلت آيات الآفاق والأنفس مصادر لمعرفة الحق، فكأن هذا القول يظهر شيئًا جديدًا في أدلة أصول الدين من الكتاب والسنة والقياس والإجماع، وبمقتضى هذه الآية، فإن آيات الآفاق والأنفس لها حق معرفة الحق وكشفه، وهذا الحق كشيء مستنبط من الكتاب لا يؤدي دورًا كبيرًا مثل قوله تعالى: (( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ) ) [ العنكبوت 20] ، ولكن حين يبدأ الناس يتعلمون كيف يتعاملون مع آيات الآفاق والأنفس فإن دلالة آيات الآفاق والأنفس تطلع ضوءًا مبحرًا يحق معه أن يقال: طلع الصباح فأطفئ القنديل، ولكن الذين ظلوا طويلًا في الظلام يصيبهم العشي من الضوء الساطع. وقد يرى بعض الناس في هذا الاتجاه خروجًا من الدين وتضييعًا له ولكننا نرى عكس ذلك.." (20) . نضع هذا النص الواضح في دلالته على تغيير مصدر أدلة أصول الدين أمام أهل العلم، ونسألهم: هل يمثل هذا الطَّرح خروجًا من الدين أم لا؟!!

وأما قوله:"طلع الصَّباح فأطفئ القنديل"فإنه يمثل سُخرية واضحة للتفريق بين أدلة أصول الدين، وأدلة اللا أصول الجديدة التي اختارها واعتمد (آيات الآفاق والأنفس) بديلًا جديدًا عن الأدلة الصحيحة.

وأخيرًا فإن الطريقة التي أعرض بها آراء اصحاب النزعة المادية ونقدها وإبراز مواضع الانحراف فيها لا تعدو أن تكون نموذجًا لنقد مناهجهم، فالهجمة على أصول الدين كبيرة وقد هيأ الأعداء لها من الأساليب والخطط ما يفوق التصور. يقول محمد أركون في معرض حديث عن مواجهة الذين لا يزالون متمسكين بالنصوص الشرعية:"نحتاج إلى مائة مؤسسة وثلاثين سنة للتمكن من زحزحة المسلمين عن التمسك بحرفية النصوص..".

المراجع:

1-كتاب"اقرأ وربك الأكرم"،جودت سعيد،ص 226.

2-المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، ص 129، من الترجمة العربية (منشورات دار دمشق) .

3-المؤلفات الكاملة، لينين 14/132.

4-كتاب:"اقرأ وربك الأكرم"، ص 218.

5-كتاب:"حتى يغيروا ما بأنفسهم"، ص 77.

6-كتاب:"اقرأ وربك الأكرم"، ص 219.

7-كتاب:"حتى يغيروا ما بأنفسهم"، ص 59.

8-الفتاوى الكبرى لابن تيمية، 8/238.

9-المصدر السابق، 8/528.

10-أخرجه الترمذي (2649) ، بإسناد حسن عن أنس - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

11-راجع القصة في فتح الباري.

12-ذكر هذا الكلام خلال ندوة في التلفزيون السوري بالاشتراك مع الدكتور الكردي محمد سعيد رمضان البوطي، لمواجهة موضوع الصحوة الإسلامية.

13-رسالة انظروا، اللغة والواقع، جودت سعيد ص 8.

14-كتاب:"اقرأ وربك الأكرم"، ص 217.

15-كتاب:"اقرأ وربك الأكرم"، ص 221.

16-كتاب:"تجديد الفكر الديني"، محمد إقبال، ص 7.

17-كتاب:"اقرأ وربك الأكرم"، ص 221.

18-كتاب:"اقرأ وربك الأكرم"، ص 222.

19-كتاب:"اقرأ وربك الأكرم"، ص 222.

20-كتاب:"اقرأ وربك الأكرم"، ص 223.

المقالة الرابعة

مفهوم العقيدة:

لم يتناول جودت موضوع العقيدة في بحث مستقل ولم يحدد مفهومها بناءً على المنهج الإسلامي، وإنما كانت مباحثتها متناثرة، وكان له فيها فهم خاص يتلاءم مع أصول المذهب المادي، وقد أظهر في هذا المجال مصطلحات جديدة وغريبة، ولكنها تلتقي مع آراء الفرق الضالة وتبتعد عن منهج السلف الصالح. وقد أظهر هذه الآراء عندما تعرض لتعريف الإيمان وجعله مرتبطًا بالحقائق الخارجية المادية، حيث قال:"والإيمان ليس مجرد إيمان وإنما توحيد، أي الإنسان مرتبطًا بالحقائق الخارجية وتحريره من عالم الأشخاص والصور الذهنية" (1) .

وينطلق جودت من مفهوم حسي للغيب حيث يقول:"وهكذا يصبح الغيب علمًا، عندما تكون طريقة إيماننا بالقيم السماوية كإيماننا بأي شيء محسوس" (2) . ثم يربط بين الإيمان ونتائج الأسباب في عالم الواقع سلبًا وإيجابًا فيقول:"إذا أدركنا معنى ربط الأسباب بالنتائج، وأنها ليست عقلية وإنما مشاهدية، نستطيع أن نربط الإيمان بالنتائج فإذا شاهدنا الإيمان ونتائجه، جعلنا شروط العلم بكل محتوياته في موضوع الإيمان" (3) .

ثم يجعل للعلم - الذي وضع له شروطًا حسية - سلطانًا على دين الله حين يقول:"كما بسط العلم سلطانه على الفلك والكيمياء والطب فسيبسط سلطانه أيضًا على الدين" (4) .

ومما لا شك فيه عند المسلمين جميعًا أن العقيدة لا تؤخذ إلا من مصدر واحد هو طريق الوحي، طريق النبوة. قال تعالى: (( وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ ولا الإيمَانُ ولَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ أَلا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ) ) [الشورى 54] .

لقد قرن جودت مفهوم التوحيد بالوقائع الخارجية المادية، كما أخضعه إلى مرحلية تاريخية عند قوله:"إن العلماء يشكون من أن العلم كَمَلكة في البشر وكمعرفة لكنهه وتعميمه محدود الانتشار بين الناس، كما أن ظهوره بين البشر تاريخيًا محدود أيضًا، وحديث النشأة، إن التوحيد في مبدئه ومنتهاه إنما هو إيقاظ ملكة العلم" (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت