ثم يقول مُبَيِّنًا حقيقة التغيير المطلوب:"يفيد أنه يمكن أن توضع في النفس الأفكار ابتداء، كما يمكن أن يرفع ما فيها من مفاهيم، ويوضع فيها أخرى، وهذا أهم ما في عملية التغيير، من إنشاء الأمر ابتداء، ومع ذلك أسند الله للبشر هذه القدرة في إزالة المفاهيم واستبدال غيرها بها" (7) . كما يقول في أكثر من موضع عن البشر: إن مصائرهم بأيديهم، وكما تلتقي هذه الأفكار مع آراء الماديين الماركسيين، فإنها تلتقي أيضًا مع آراء"فرقة القدرية"المعروفة في تاريخ علم الكلام، وقد انتصر جودت هنا لأفكار هذه الفرقة، وتعرف هذه الفرقة بمصطلح آخر هو"مذهب الاختيار"وذلك في مواجهة"مذهب الجبر"الذي بدأ ينتشر في ذلك العهد، وقد جعل جودت موضوع الصراع يدور حول (الجبر والاختيار) في حرية الإنسان، وأغفل منهج أهل السنة الذي يقوم على إثبات المشيئتين، وتقديم مشيئة الله على مشيئة البشر، وفي هذا يقول ابن تيمية:"أثبت الله"المشيئتين"مشيئة الله ومشيئة العبد، وبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب". ثم ذكر ابن تيمية قوله تعالى: (( فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * ومَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) ) [الإنسان 3] (8) . وقال ابن تيمية أيضًا:"الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع، فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدًا على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة" (9) . أي:»أعقلها وتوكل« (10) . ومن الممكن أن نلخص الرد على هذا الجانب بمثال عن حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا يشهد لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حريصًا على هداية عمه أبي طالب وألحَّ في دعواه، حتى نزلت الآية: (( إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ) (11) . ولو كان تغيير ما في النفس مما يملكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تأخر عن تغيير ما بنفس عمه من الضلال إلى الهدى. فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستطع أن يهدي عمه أو يغير ما في نفسه فكيف يمكن لجودت سعيد أن يجعل مهمة تغيير المشيئة بيد البشر؟ لماذا لم يقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يهدي عمه؟ هل هذا عن عجز منه، وعدم معرفته بالأفعال التي يخلقها الله تعالى مما بالأنفس؟ أم أنه أغفل سنن التغيير التي اكتشفها جودت سعيد والماركسيون من قبله؟؟..
لن يملك جودت ولا أصحابه الماديون ولا جميع علماء النفس والاجتماع الذين يُعْتَدُّ بهم أن يغيروا ما في قلب إنسان من الهدى إلى الضلال، ولا أن يبدلوا ما في قلب إنسان من الضلال إلى الهدى إلا بمشيئة الله، قال تعالى: (( فَإنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ ) ) [الشورى 48] ، وبحث هذه المسألة سيكون بصورة أشمل في الفصل الخاص بموضوع المشيئة، وإن ما ذكرناه في هذه المقدمة إنما هو توطئة لبحث جوانب أخرى من قاعدة التغيير.
تغيير مصادر المعرفة:
يقصد بتغيير مصادر المعرفة: تغيير مصادر العلم، يقول ابن تيمية"أصول العلم ثلاثة: الحس والعقل، والخبر المركب منهما ؛ كخبر الأنبياء عن طريق الوحي"، ولكن جودت يجعل مصدر المعرفة في التاريخ وحده، حيث يقول في ندوة تلفزيونية:"اسمحوا لي أن أقول: إن الإسلام يعتبر التاريخ هو مصدر المعرفة، مصدر العلم، وأقول إن سبب انقطاع الوحي - ختم النبوة - بأن التاريخ صار مصدرًا للمعرفة، وهذا النظر أعتبره فلسفة جديدة وقديمة في آن واحد، لأن التاريخ، هو الذي إذا شهد لأحدٍ استحق شهادة صحيحة، وإذا شهد على أحد أيضًا فهو الذي يَخْرُجُ من التاريخ.." (12) . ويظهر في هذا الحديث - أنه يعتبر وظيفة القرآن قد انتهت، وأن التاريخ هو مصدر المعرفة الذي يُعْتَدُّ به، وأن شهادته ذات اعتبار وتأثير، وبناء على هذا التصور يذكر قاعدة التغيير في مصدر المعرفة، وأنها ليست من القرآن فيقول:"أي: أن الذي سيعلمنا ليس القرآن، وإنما نفس حوادث الكون - والتاريخ هي التي ستعلمنا" (13) .
تغيير مصادر الأدلة:
لما تقرر عند جودت استبعاد دلالة النصوص الشرعية كمصدر من مصادر المعرفة التي تقدم الحقيقة الموضوعية كان طبيعيًا أن يحاول تغيير مصدر الأدلة أيضًا، فعند تفسير قول الله تعالى: (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ ) ) [الشورى 17] ، يقول:"هذه الآية تنقل أدلة موضوع الفكر الديني الذي تُقَرِّرُهُ آيات الكتاب، تنقل مصدر الأدلة من آيات الكتاب إلى آيات الآفاق والأنفس، وهذه النقلة البعيدة المدى لم تكن البشرية مهيأة لها إلى الآن. وانعدام هذه النقلة أو عدم القدرة على التكيف هو الذي جعل مصدر أدلة العلم والإيمان مختلفة في أذهان العالم المعاصر. فجعلوا الدين غير العلم، وأن مصدر العلم من الواقع، وأن مصدر الدين من الغيب، فهذه الآية بهذه النقلة التاريخية التي لم يقدر البشر على تفهمها، تدمج الدين دمجًا كاملًا في العلم الواقعيِّ في المحيط الإنساني ليكون موضع تأمل الناس" (14) . أليس من حقِّ المسلم أن يتساءل إلى أيِّ مدى يريد جودت أن يغير مصادر الأدلة في هذا الدين؟ لو كان هذا التبديل ضروريًا، لَبَيَّن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لنا ذلك، وقد قال الله تعالى له: (( ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) ) [النحل89] .
يبين جودت السبب في جعل الأدلة من خارج القرآن حيث يقول:"هذه الآية ؛ آية الآفاق والأنفس قَلَبَتْ مكان الدليل ومصدره، كما قلبت آية التغيير مفاهيم الناس، فآية الآفاق والأنفس حدَّدَتْ مكان الدليل ومصدره بأنه ليس الكتاب، فلا نطلب كيف بدأ الخلق من الكتاب، وإنما نطلبه من السير في الأرض والنظر، كما أمر بذلك الكتاب فالحكم في الكتاب، والدليل في الواقع والأرض وآيات الآفاق والأنفس" (15) .
من أين جاء بهذا الحكم الذي يُلغي مكان الدليل في القرآن فيجعله في آيات الآفاق والأنفس، والآية لا تشير إلى هذه الفكرة، وليس لها هذا المنطلق ولا يمكن فهم ذلك الأمر من نصَّها، وقد جعل القرآن آيات الآفاق والأنفس تأكيدًا وتوضيحًا، ولم يجعلها تغييرًا ونقلًا، والله تعالى يقول لنا: (( فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ) ) [النساء 59] ، ثم يأتي جودت سعيد فيقول: ردوه إلى الوجود الخارجي المادي، أو إلى آيات الآفاق - العلوم - وإلى آيات الأنفس - علم النفس - ويجب أن نعلم أن هناك إجماعًا عند المسلمين على أن المرجع عند الاختلاف هو كتاب الله وسنة رسوله، كما أن منهج السلف الصالح هو المعتمد في فهم الكتاب والعمل بالسنة.
إن تقرير هذه النقلة بهذا الأسلوب، يقطع الصلة بين المسلمين ومصدر علمهم ومنهج معرفتهم، كما يفصل بين أحكام الكتاب وبين التطبيق العملي له في واقع الحياة، وهذا يستدعي أن آيات الله تحتاج للتزكية والشهادة المستمدة من آيات الآفاق والأنفس كما يصور ذلك جودت.