وقد عبر الكاتب عن القدر - الوجود السنني - بأسلوب آخر حيث يقول: (هذا الوجود السنني، هو نوع آخر من مراتب الوجود، وربما يكون مدخلًا لتصور الروح، والله تعالى له الأمر والخلق، والروح من أمر الله،(( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) ) [الإسراء 85] ، وأمر الله وكلمة الله وسنة الله، ألفاظ متقاربة في مدلولها، ولكن سنة الله توصف بأنها لا تتبدل ولا تتحول" (13) ."
يفهم من هذا النص أن الكاتب يجعل السنن في مقام كلام الله وتعبيرًا عن قدر الله وأمره في الخلق، وكأن الله ليس له تدخل في الكون إلا من خلال السنن التي قدرها قبل الخلق، وهذا يتفق مع مفهوم المذهب الوضعي الذي يجعل قوانين الطبيعة وسننها المصدر الأساسي للمعرفة، وهذا ما تبناه الكاتب ودعا إليه من خلال فكرة مراتب الوجود. وبما أن السنة قابلة للكشف والمعرفة، والروح من أمر الله، فإن الروح سيكون قابلًا للمعرفة والتصور، وسيكون - حسب هذا المفهوم - كشف حقيقة الروح قريبًا بمتناول الذين وصلوا في مجال العلوم إلى مرحلة الانطلاق وهم - كما يزعم الكاتب - محور موسكو - واشنطن، وهذا التصور يقود إلى انتهاء مفهوم الغيب من الحياة.
وهذه مفارقة كبيرة، وانحراف عظيم في التصور الاعتقادي، أن نجمع بين أمر الله وكلمة الله وسنة الله ليكون الجميع في متناول المعرفة البشرية - كما يصورها الكاتب - في موضوع الوصول إلى معرفة الروح، فإن ذلك ينسجم مع مفهوم المذهب الوضعي المعاصر، بإخضاع كل شيء للمنهج التجريبي كما ينسجم أيضًا مع مفهوم القدرية، وذلك بالإشارة إلى استنباط آخر يقوم على هذا التصور، وهو أن الله يتفاهم مع البشر بواسطة السنن - الأنبياء من البشر - وأن الله لا يتكلم إلا من خلال السنن، وهذا هو التعطيل الذي كانت عليه القدرية، الذين ينفون الصفات عن الله تعالى (14) .
ونستطيع أن نختزل رأيه من خلال معادلة رياضية..
كلام الله = قدر الله = الوجود السنني »المادي« = القانون
كلمة الله = أمر الله = سنة الله!
وبما أن سنة الله قابلة للكشف عنده، فلا غيب بعد ذلك.. !!
المراجع:
*- تناول جودت سعيد موضوع مراتب الوجود في كتابه (اقرأ وربك الأكرم) وخصص ما يعادل خمس حجم الكتاب (47 - 104) لإقرار مبدأ تقديم المادة (الواقع) على كل شيء، وقد قام بتغيير بعض الألفاظ، فهل يظن أن هذا يبعد عنه التهمة في موافقة الفلاسفة والقدرية والمعتزلة على آرائهم؟!
1 -2 كتاب"اقرأ وربك الأكرم"، ص 57.
3-رسالة انظروا 40 - اللغة والواقع ص 9.
4-اقرأ وربك الأكرم، ص 50.
5-درء تعارض العقل والنقل، 1/678.
6-مجموع فتاوى ابن تيمية، 16/267.
7-مجموع فتاوى ابن تيمية 16/267): 8- رسالة اللغة والواقع، ص 7.
9-اقرأ وربك الأكرم، ص 95.
10-رسالة انظروا 40، اللغة والواقع، ص 9.
11-حديث متفق عليه، البخاري: 388 4، مسلم: إيمان 84.
12-اقرأ وربك الأكرم، ص 91.
13-اقرأ وربك الأكرم، ص 93.
14-كان أول القدرية الذين ينفون الصفات (الجعد بن درهم) وقد ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بواسط، وقال إنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، وهو بهذا الكلام، ينكر أن يكون الله قادرًا على الكلام مع موسى، وفي هذا مخالفة لصريح القرآن.
المقالة الثالثة
إن الخطورة في تبني المنهج المادي، لا تنشأ من خلال الانتماء الاعتقادي لهذا المنهج كشعار فحسب، وإنما تكمن في الآثار والنتائج التي تترتب على هذا الانتماء، حيث تعتبر هذه الآثار من مستلزماته الأساسية، ويتضح هذا الأمر من خلال التطبيق العملي لهذا المنهج في واقع الحياة. لأن الالتزام بالمنهج المادي، يفرض على معتنقيه التزامات أخرى تقوم عليه، وترتبط به ارتباطًا كاملًا لا تنفك عنه.
وبما أن جودت سعيد من المنتمين لهذا المنهج - كما أثبتنا هذا من قبل - فإنه يدعو صراحة للتمسك بأسس هذا المنهج، والرجوع إلى هذه الأسس عند التنازع أو الاختلاف حيث يقول:"إن الوجود الخارجي للمادة أو المجتمع له حقيقة واقعية، يتفاوت تصاور الناس لها حسب خلفياتهم الفكرية، وعند الاختلاف يتم الرجوع إلى الوجود الخارجي" (1) . والمقصود بالوجود الخارجي هو الوجود المادي أو المادة وهذا يمثل لبُّ النظرية الماركسية، وبما أن النظرية الماركسية تقوم على أُسُسٍ محددة لا تنفك عن بعضها، وهي المادية الجدلية والمادية التاريخية، وشملها قوانين تطور المجتمع، فإن عزل أي جانب منها للعمل به منفردًا، لا يفيد في قطع الصلة بأصل النظرية الماركسية وفي هذا يقول ستالين:"إن المادية الديالكتيكية، والمادية التاريخية تظهران كعِلم واحد وكفلسفة متكاملة، فلا المادية التاريخية معقولة بدون المادية الديالكتيكية، ولا المادية الديالكتيكية ممكنة بدون المادية التاريخية.." (2) ، وبناء على ذلك فإن أي أصل من أصول النظرية الماركسية لا يكون صوابًا على أي حال، لأن كل أصل منها يقوم على المادية، يقول لينين:"إن هذه الفلسفة الماركسية المسبوكة من قطعة فولاذية واحدة، لا يمكن انتزاع أي منطلق منها، ولا أي جزء جوهري واحد دون الخروج عن الحقيقة الموضوعية" (3) .
ونستطيع هنا أن نميز قاعدتين بارزتين يتسم بهما فكر جودت سعيد بشكل خاص، والفكر المادي بوجه عام.
1-قاعدة التغيير الكلية.
2-قاعدة التطور العامة.
وتمثل هاتان القاعدتان المحور الأساسي الذي تقوم عليه كتب جودت وأفكاره كلها، وسنتناول في هذا البحث بعض التطبيقات العملية لقاعدة التغيير، ونرجئ البحث في موضوع التطور إلى حلقات أخرى.
قاعدة التغيير الكلية:
يربط هذه القاعدة بمفهوم المشيئة ويجعل مشيئة الله تابعة لمشيئة البشر حيث يقول:"كما قلب قوله تعالى: (( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الرعد 11] مفهوم الناس عن التغيير الذي كانوا ينتظرونه من الله، ويرى البشر أنفسهم مثل الطين بيدي الخزاف، تقيدهم الأقدار، قلبت هذه الآية الفكرة رأسًا على عقب، فردت عملية التغيير إلى البشر واعتبرتهم مسؤولين عنها" (4) . وفي هذا يقول أيضًا:"قلنا فيما سبق أن الله يخلق الصفات في المادة - ونكمل الموضوع الآن، بأن نبين أن الله يخلق الأفعال من الأفكار.. فمَن تمكَّنَ من معرفة الخواص التي يخلقها الله تعالى في المواد، يمكنه أن يسيطر عليها، كذلك من تمكَّنَ من معرفة الأفعال التي يخلقها الله تعالى مما بالأنفس، يمكن أن يسيطر على المجتمع" (5) . وعن هذه الحالة يصف الشيوعيين الماركسيين أنهم:"لمحوا قدرة الإنسان على صنع التاريخ والقيام بعملية التاريخ" (6) .
إن التعامل مع الإنسان من خلال الأسس المادية - كما يرغب جودت - وقياس خواصه على خواص المادة ؛ وإخضاعه لما تخضع له من قوانين، فيه إغفال لتكريم الإنسان وتميزه عن سائر المخلوقات، ومن خلال هذه المبادئ تعامل النظام الماركسي في روسيا مع الناس وأخضعهم لقوانين قسرية كالتي تخضع لها المادة فكان العذاب والشقاء، وكان التنكيل والقتل لمن يرفض هذه القوانين المادية الجائرة التي تُفْرَضَ على الناس بالقوة.