فهرس الكتاب

الصفحة 1580 من 3028

ونلاحظ أن جودت سعيد قد حذف كلمة"المنطق" (4) من كلام الغزالي لإبعاد الشبهة عن نفسه في متابعة الفلاسفة والمناطقة الإغريق، والاستمداد من أفكارهم، والمعروف أن تقديم العقل على النقل يمثل منهج الأشاعرة والمعتزلة، ومن أجل ذلك بدّل جودت تلك المصطلحات بألفاظ معاصرة، وتُمَثل هذه الفعلة عملية خداع وتمويه خطيرة.

ثالثًا: مصدر المعرفة:

إن قضية مصدر المعرفة في الإسلام محسومة، وهي لا تتفق مع منهج طريقة الفلاسفة ولم مع أسلوبهم، فأهل السنة والجماعة يقدِّمون القرآن الكريم والسنة النبوية عند التنازع، ولا يقدمون ما يتوصل إليه عن طريق الحس ولا عن طريق العقل. ولابن تيمية كلام مهم في بيان منهج أهل السنة في موضوع العلم حيث يقول:"طرق العلم ثلاثة: الحس والعقل، والمركب منهما، كالخبر، فمن الأمور ما لا يمكن عمله إلا بالخبر، كما يعلمه كل شخص بأخبار الصادقين كالخبر المتواتر، وما يعلم بخبر الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - ويمتنع أن يقوم دليل صحيح، على أن كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون الخبر ولهذا كان أكمل الأمم علمًا المقرون بالطرق الحسية والعقلية والخبرية، فمن كذًّب بطريق منها فاته من العلوم بحسب ما كذب من تلك الطرق" (5) .

وكثيرًا ما يحاول جودت سعيد أن يذكر ابن تيمية في موضوع مراتب الوجود، مما يوهم القارئ أن رأيه في هذه القضية يتطابق مع رأي ابن تيمية، ولكن الحقيقة غير ذلك على الإطلاق، لأن ابن تيمية وأهل السنة جميعًا لا يقدمون على الشرع شيئًا، فهم يعارضون المعتزلة وغيرهم في تقديم العقل على النقل وكذاك يعارضون تقديم الحس على النصوص، ولا يبحثون المسألة مع الفلاسفة أصلًا، ولا من خلال مراتب الوجود، كما أراد جودت سعيد أن يبعث هذا الأسلوب من جديد. ولابن تيمية رأي واضح في هذا المقام ونحتاج أن نذكره لقطع طريق التدليس والنقل المبتور الذي اعتاد جودت أن يستخدمه في مثل هذه المواضع، يقول ابن تيمية:"وهو سبحانه عَلِمَ ما في الأذهان، وخلق ما في الأعيان وكلاهما مجعول له، لكنّ الذي في الخارج جعله جعلًا خلقيًا، والذي في الذهن جعله جعلًا تعليميًا.." (6) .

ولابن تيمية كلام صريح في رد القضية التي يعتمدها جودت سعيد وغيره من الفلاسفة والمتكلمين من خلال مراتب الوجود حيث يقول (7) :"والطريق المشهور عند المتكلمين هو: الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام، وقد بينا الكلام على هذه في غير موضع، وأنها مخالفة للشرع والعقل..". والذي نصل إليه من هذه المقارنة أن طريقة جودت سعيد في تحديد مصدر المعرفة تَتِّمُّ وفق أسلوب الفلاسفة وعلماء الكلام وتخالف منهج أهل السنة والجماعة.

مفهوم السنن

بينا - في الحلقة السابقة- أن جودت يجعل السنن في مقابل النبوة حيث يقول:"من هنا بدأ الاهتمام بالوقائع والتفاهم مع الله بواسطة سننه، توقفت النبوة لأن النبوة مرحلية وانتهت" (8) !

ما هي هذه السنن التي استبدلها بالنبوة؟

يقول الكاتب:"والناس لا يعرفون السنة إلا في الطبيعة، ولا يعترفون بها في الأنفس، ويعتبرون عالم الأنفس خارج الثبات، أو خارج السنة وهذا مناقض لمنهج القرآن، بل لمناهج المسلمين السابقين - ولقد جاء إلى العالم الإسلامي قصر معنى العلم على الآفاق من المفهوم الغربي" (9) .

يفهم من خلال هذا النص أمرًا محددًا: أن الكاتب يعتبر مجال السنن:

1-في المجتمع.

2-في الأنفس.

3-في الطبيعة.

والذي يبحث في القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الصحابة لا تظهر له جميع هذه المجالات،التي ذكرها الكاتب. قال تعالى: (( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ) ) [الأحزاب 38] ،أي حكم الله فيها. وقال سبحانه أيضًا: (( سُنَّتَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ ) ) [ غافر: 85] .

وفي كل آية جاء فيها لفظ السنة، كان يدل على أحد جوانب الدين، ويكون فيها دعوة للاتباع أو موعظة للاعتبار. وأما في مجال الطبيعة، وفي الدلالة على أحداثها، كان القرآن يطلق على مثل هذه المواضيع لفظ"الآيات"مثل قوله تعالى: (( وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ) ) [يس:37] ، وإن ما فعله الكاتب من تعميم مفهوم السنن ليخرج عن إطاره الشرعي، ويقوم بالغاء النبوة والتعامل مع السنن، فإن هذا يعتبر خروجًا عن المنهج القرآني ومناقضًا له. وإدراك هذا الأمر من الأهمية بمكان كبير، ولو كان الأمر سيبقى مجرد اصطلاح فحسب، ولا تقوم عليه نتائج أخرى، لما نشأ عليه أي اعتراض. ولكننا نتعامل مع كاتب يؤمن بالمنهج المادي ويعتقد بانتهاء النبوة، وانحسار أهميتها ومن هنا ندرك خطر الخلط في موضوع المصطلحات، وأثرها في تعطيل الآيات في كتاب الله، وتحريفها عن معانيها، واستبعاد العمل بأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-وإخضاعها للسنن، فعندما يذكر مثالًا للتفريق بين الواقع والقرآن يقول:"القرآن يقول عن القلوب أنها التي تفقه، أي أن القلب هو عضو الفهم، ولكن الواقع، أي التعامل مع الواقع كشف أن القلب ما هو إلا مضخة، ولا علاقة له بالفهم، وإنما فقط هذه المضخة تشتغل بسرعة أو ببطء حسب الأوامر التي تصدر إليها، وليس هي التي تصدر الأوامر" (10) . وهكذا ندرك خطر هذا التوجه، وسوء هذا التصرف. ماذا حدث له حتى تجرأ على تكذيب القرآن بهذه الطريقة المزرية؟ إن القرآن لم يقل إن عضو الفهم هو العضلة التي تضخ الدم - كما يزعم - وإنما هذا افتراء من جودت سعيد، وتطاول على كتاب الله لا يتصور. إن الآية التي ألمح إليها هي قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ ) ) [الحج 46] . إن ما صدر عنه في تفسير الآية يعتبر خروجًا على أصول التفسير وإغفالًا لمفهوم اللغة التي نزل بها القرآن، ولو أنه عاد - قبل أن يصدر تفسيره الجائر - إلى معاجم اللغة العربية لوجد أن معنى القلب فيها (خالص الشيء وشريفه) ، وقد جاء في لسان العرب بأنه قد يعبر بالقلب عن العقل. وقد عرف النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيانه بين القلب والفؤاد حين قال: »أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا« (11) . وإن كنا غير معنيين الآن في بحث مفهوم القلب والعقل إلا أنه من الضروري كشف عملية التضليل التي يمارسها أصحاب الاتجاه المادي في كتاب الله، من جهة الفصل بين اللغة وآيات الكتاب، ومحاولة إيجاد التناقض بين الكتاب والواقع وقد قال تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ ) ) [الحج:8-9] .

الوجود السنني

يربط الكاتب بين القدر وبين مراتب الوجود فيقول (12) : (وإن الوجود الخارجي-المادي - الذي اعتبرناه أساس مراتب الوجود راجع إلى هذا الوجود السنني -القانون-) ،أي أن القانون هو القدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت