هل يصدق أن هذا الكلام يصدر عن إنسان عاقل؟ أن يقرر انتهاء مهمة النبوة؟ وتسليم زمام الأمور إلى الإنسان، وهذا ما دعا إليه علماء أوربا الوضعيون الماديون، وهذه الفقرة بالذات مستقاة من أفكار"فريدريك نيشته"الذي كان يقول بنظرية الإنسان الكامل أو (إنسان السوبر مان) (**) ، ويقرر الكاتب أن البديل عن النبوة التي تتضمن نصوصًا من كلام وحروف إلى السنن التي ليست كلامًا وحروفًا، فانظر إلى قوله:"انتبه إلى هذا محمد إقبال، وخاصة في بحث ختم النبوة، لماذا ختمت النبوة؟ ولم يعد نبي ولا كتاب، لأن الكتاب والنبي الخاتم دلنا على الطريق الذي لا ينتهي، دلنا على الكلام الذي ليس هو كلام حروف، وإنما حقائق ملموسة" (15) . أليس هذا تصريحًا باستبعاد كلام الله من العمل، والاعتماد على الكلام الذي يمثل الحقائق الملموسة؟ أي الحقائق المادية الحسية.
ولنا أن نتساءل كما أن من حق القارئ أن يتساءل معنا كيف يتصور جودت سعيد النبوة؟ وما هي الصيغة التي يعتمدها في تحديدها؟.
ينسجم رأيه حول النبوة مع مفهومه المادي، وإيمانه بالتطور ويعبر عن ذلك بقوله:
"وفي طفولة البشرية، تتطور القوة الروحية إلى ما أسميه"الوعي النبوي"وهو وسيلة للاقتصاد في التفكير الفردي والاختيار الشخصي وذلك بتزويد الناس بأحكام واختيارات جاهزة، وأساليب للعمل أُعدت من قبل" (16) .
إذن النبوة قوة روحية واستعداد شخصي واختيارات وأساليب للعمل أو وعي نبوي لا أكثر ولا أقل، فأين الوحي المباشر من الله (تعالى) ؟!
يقول ابن تيمية:"والمتفلسفة الذين أثبتوا النبوات على وجه يوافق أصولهم الفاسدة - ابن سينا وأمثاله - لم يقروا بأن الأنبياء يعلمون بخبر يأتيهم عن الله، لا بخبر مَلَك ولا غيره، بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة وعقلية أكمل من غيرهم في قوة الحدس ويسمون ذلك.. القوة الحدسية.." (17) .
ومن أجل هذا المفهوم يعتقد محمد إقبال وجودت في ضرورة انتهاء النبوة وإلغاء دلالة النصوص الصادرة عنها وفي ذلك يقول الثاني:"الذي أريد أن نفهمه من هذا أن دلالة الكتاب يمكن أن تُلغى إلغاءً تامًا، وكأنها غير موجودة، والذي سينبه المسلمين إلى هذا، ما جاء في الكتاب من الاهتمام بالتاريخ وأحوال البشر وحوادث التاريخ،أي أن الذي سيعلّمنا ليس القرآن، وإنما نفس حوادث الكون والتاريخ هي التي ستعلمنا.." (18) .
ثم يقول بما يؤكد تقديمه للواقع على كل شيء ولو كان كلام الله:"إن صخرة ما أدل على نفسها من كل كلام يقال عنها حتى لو كان كلام الله.." (19) . وقد لوحظ أن جودت سعيد يتضجر ويتضايق كلما احتج عليه أحد بقوله: قال الله أو قال الرسول،أو حتى مجرد ذكر الله أو الرسول. ويتضح ضيقه في قوله:".. لم تعد ترهبني قعقعة الكلمات: الروح، النفس، الله أو الرسول أو قال فلان وفلان، نريد أن نتحدث ماذا يحدث لنا، وكيف يحدث الفهم؟ كيف يعرف ما فهمناه أننا فهمناه؟ وكيف انتقلت إليَّ هذه الأفكار؟ دعونا من الحديث عن السماء، ولنبحث في الأرض، لنعد إلى الإنسان المولود على الفطرة."
كيف تصوغ البيئة هذا المولود؟!، إن ما يحدث أمامنا بقوى تحيط بنا وتصدر منا وليس غيبًا ولا خارقًا، كما أنها ليست مما لا يستطيع العقل فهمها" (20) ."
لماذا لم تعد ترهبه كلمات"الله"أو"الرسول"؟ ماذا حدث عنده حتى فقدت هذه الكلمات قدسيتها في نفسه؟؟ ألسنا مسلمين؟؟ لماذا يريد منا أن ندع الحديث عن السماء، ونخلد إلى الأرض؟ (( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ(175) ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ )) [الأعراف:175-176] .
* يتبع *
المراجع:
1-كتاب"اقرأ وربك الأكرم"، جودت سعيد، ص219.
2-3 كتاب"حتى يغيروا ما بأنفسهم"، جودت سعيد، ص80.
4-المصدر السابق، ص81.
* وضع المؤلف هذه الآية الكريمة عنوانًا لكتابه.
5-المصدر السابق، ص81.
6-كتاب"اقرأ وربك الأكرم"، جودت سعيد، ص57.
7-المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، ص29.
8-فورباخ ونهاية الفلسفة، ص16، طبعة دار التقدم بموسكو.
9-رسالة"انظروا"،40، اللغة والواقع، جودت سعيد، ص4.
10-المصدر السابق، ص5.
11 -المصدر السابق، ص7.
12-المصدر السابق، ص8.
13-المصدر السابق، ص7.
14-كتاب العمل، ص131، جودت سعيد، وتجديد الفكر الديني، محمد إقبال، ص143-145.
** ذكر هذه النظرية الفاسدة في كتابه المترجَم إلى العربية"هكذا تكلم زَرادشت". البيان
15-رسالة"انظروا"، 40، ص7.
16-كتاب العمل، جودت سعيد، ص130.
17-درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، 1/179.
18-19 رسالة"انظروا"، 40، ص8..
20-المصدر السابق، ص4.
المقالة الثانية
اتكأ الكاتب - في تقديمه المادة - على مفهوم مراتب الوجود السائدة عند الفلاسفة والمشهور في الفلسفة، أن الصراع قائم فيها بين منهجين:
ا- المنهج العقلي"المثالي"الذي يقوم على الاعتقاد بأن الفكر هو السابق في الوجود على المادة، ومن ثم يجب تقديم المعرفة الصادرة عن الفكر في كل شيء.
2-المنهج المادي"الوضعي"الذي يقوم على الاعتقاد بأن المادة هي أقدم من الفكر في الوجود، ولذلك يجب تقديم المعرفة الصادرة عن المادة على كل شيء..
وهذه الأفكار التي يتبناها جودت سعيد، ويدعو إلى التمسك بها تشبه الأفكار الماركسية، وإذا كان الموقف النقدي الشامل يدفعنا لأن نأخذ الجانب التاريخي لهذه الآراء بالحسبان، فإننا نلمح - وبصورة جازمة - أن تلك الأفكار ترجع في جذورها التاريخية إلى:
ا- منهج الفلاسفة وطريقتهم في الاستدلال.
2-منهج القدرية المعطلة - نفاة القدر - الذين وقفوا إلى جانب الفكر المادي الأرسطي بعد انتقال العدوى في الصراع إلى علم الكلام في ديار الإسلام، وقالوا بنفي الصفات - الذي قالت به المعتزلة والرافضة - وهؤلاء المعطلة يعتبرون أسلافًا لأصحاب الفكر المادي المندسين بين المسلمين.
3-علم الاجتماع الغربي، القائم على المذهب الوضعي، والذي نشأ في عصر النهضة الأوربية، وهؤلاء يعتبرون أرسطو وأصحابه أسلافًا لهم.
أولًا: تقديم المادة على العقل والنقل:
اهتم جودت سعيد بتعريف كل مرتبة من مراتب الوجود، وبيان خصائصها (*) ليجعل هذا الأسلوب في الاستدلال ذريعة لتقديم المادة على العقل والنقل، وبعد أن استعرض هذه المراتب انتهى إلى القول (1) : (فالوجود الخارجي - المادي - هو الثابت الذي كلما اختلفنا في تفسيره رجعنا إليه؛ ودققنا النظر والبحث والتعامل معه لنصحح الصور الذهنية) . ومنه فإن كل شيء خارج الواقع - المادة - فهو عنده قابل للزيادة والنقصان (2) ولا يجوز الاعتماد عليه، ويشمل هذا المفهوم النصوص الشرعية (كتابًا وسنة) . ويقول في رسالة اللغة والواقع:"ولكن البدء في الدراسة من كتاب الله دون أن يعترف للواقع، أنه هو الذي في النهاية سيشهد بمعنى الكتاب وصدقه" (3) .
ثانيًا: تقديم العقل على النقل:
يحرص جودت سعيد على تقديم المادة (الواقع) على العقل والنقل - كما رأينا - إلا أنه يقدم العقل على النقل أيضًا، لأن هذا التقديم ينسجم مع مفهوم مراتب الوجود الذي اعتمده في تقدم الصور الذهنية - العقلية - على اللفظ والكتابة، وقد أكثر من النقل عن أبي حامد الغزالي، وتبني منهجه، وخاصة قول الغزالي في المنطق اليوناني: (هو مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به، فلا ثقة له بعلوم أصلًا) ..