والكاتب صريح في هذا كل الصراحة، وكأن لسان حاله يقول: خذ أفكار الشيوعيين ودَعْ كفرهم، وربما يستمد هذا من المثل الشعبي المعروف:"خذ من أقوالهم وما عليك من أفعالهم". وقد عبر عن ذلك بقوله:"ولكن حين يصل (الماركسي) من أقواله إلى القول: بأنه أصبح بناءً على ذلك من الواجب نبذ كل نظرية إيمانية على الإطلاق - هنا نقول له: إن هذه النتيجة من تلك المقدمة هي الفكرة الطوباوية الناشئة عن الكراهية والعاطفة لا عن الدراسة الموضوعية" (4) .
ومن المعروف أن الماركسية ليست شعارًا فقط، بل هي واقع عملي واعتقادي ولا يمكن الفصل بينهما، وهم ينطلقون من شعار عريض (لا إله في الوجود والحياة مادة) ، فلو فكروا أن يخدعونا - كما خدع الكاتب من قبل - ويبدلوا شعارهم إلى عبارة أخرى مثل: (يوجد إله ولكن الحياة مادة) فهل يتبدل من الأمر شيء؟ وهل يجوز لنا أن نقبل بالنظرية المادية من الشيوعيين من أجل التبديل الصوري؟!، لا يكون ذلك إلا إذا أجبنا - وعلى سبيل الدعابة - أن نطلق على من يكون إيمانه على هذا النحو تسمية جديدة، (الماركسي المسلم) أو (الشيخ الأحمر) !.
إن تقديم الأفكار الماركسية من خلال إلباسها العباءة الإسلامية أمر في غاية الخطورة، وتمثل هذه العملية حالة خداع كبيرة، لا تزال الأمة الإسلامية تعاني من آثارها باستمرار. ولا يزال صدى تلك المواجهات قائمًا في الأذهان، حين حاول البعض أن يقدم الإسلام إلى الناس في ثوب الاشتراكية، أو من خلال نظام الديمقراطية، وقد اشتد نكير العلماء في مواجهة هذه المحاولة مما جعل معظمهم يتراجعون عن موقفهم ويتبرؤون مما كتبوه في هذا الاتجاه.
وأما جودت سعيد فكان له أسلوب آخر، وطريقة مبتكرة للتعامل مع هذه المسألة، حيث دعا صراحة للتمسك بالفكر الماركسي من خلال الدعوة للأخذ بجانب الصواب الذي اكتشفه في النظرية الماركسية، يقول في كتابه"حتى يغيروا ما بأنفسهم" [الرعد:11] * في أسلوب التباهي:"وحين يقول الماركسي: إن دراسة التاريخ الاجتماعي أصبحت علمًا، ينبغي ألا نقول له أخطأت، بل نقول له: هذا حق، وإذا اعتبر أن مظاهر الطبيعة قادرة على إعطائنا حقائق موضوعية، علينا أن نراه تقريرًا بأن آيات الآفاق تعطي حقائق موضوعية، ونزيد له أيضًا: بأن آيات الأنفس كذلك تعطي حقائق موضوعية" (5) .
هذا هو المنهج المادي من بدايته إلى نهايته.. وهذه هي الماركسية، تطل برأسها من خلاله! والكاتب لم يدعنا في حيرة من أمرنا للتأكد من موقفه هذا، واعتناقه جميع الجوانب في النظرية الماركسية، فها هو يقرر أسبقية المادة في الوجود كما تقررها المادية الماركسية، ويعتقد بضرورة تقديم المعرفة الصادرة عن المادة على كل شيء كما يقدمونها.
يقول:"فالوجود الخارجي المادي هو الحقيقة الثابتة، التي نرجع إليها عند الاختلاف، والصور الذهنية قابلة للزيادة أو النقصان" (6) . والكاتب يلتقي في هذا المنهج المادي مع الماركسيين إلى درجة التطابق تقريبًا وسأترك المجال لرموز الماركسية في إبراز جوانب الالتقاء بين أفكارهم وفكره، يقول ستالين:"إن المادة والطبيعة والكائن هي حقيقة موضوعية، موجودة خارج الإدراك أو الشعور وبصورة مستقلة عنه، وأن المادة هي عنصر أول، لأنه منبه الاحساسات والتصور والشعور، بينما الإدراك هو عنصر ثانٍ مشتق لأنه انعكاس للمادة" (7) . وقال إنجلز:"وخارج الطبيعة والإنسان لا يوجد شيء" (8) .
ومن الممكن أن يطرح القارئ علينا سؤالًا محددًا، هل يقدم جودت سعيد المادة أو الواقع على كلام الله؟، يقول في رسالته - مستخدمًا أسلوب السخرية من المسلمين الذين يتمسكون بالنصوص الشرعية:"فالمسلمون - بكل سذاجة - يظنون أن لهم القدرة على الاتصال بالمعاني التي أرادها الله بواسطة هذه اللغة، دون الرجوع إلى الواقع الذي تتحدث عنه.." (9) ، يجب الانتباه إلى استخدام أسلوب التعميم"المسلمون"دون استثناء، كما يلاحظ تجهيل الأمة التي كانت تعتمد في جميع مراحلها على اللغة العربية، ولهذا قال -تعالى-: (( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ) [ فصلت:3] . وأما وصف المسلمين بالسذاجة والجهل فلا تسأل عن ذلك، فقد ملأ كتابه بهذا اللون من التقريع دون تفريق أو استثناء، ثم يقول محذرًا المسلمين من العودة إلى النصوص أو التمسك بها:"ولكن ينبغي أن نتعمق في فهم هذه الظاهرة، إن العودة إلى النصوص لم تكن لتحتل هذه الظاهرة، ولو اقتصر على فهم هذه الحقيقة من الكلام أو من اللغة أو من النص لاستمر القتال، ولوجد ولأمكن أن تؤول النصوص ؛ لأن النصوص قابلة للتأويل" (10) .
و ها هو هنا يرفض فهم النصوص بواسطة اللغة، كما يرفض مفهوم التأويل، وهو بهذا ينتصر للمنهج المادي في مواجهة منهج السلف الصالح والمنهج العقلاني على حد سواء، ولكنه ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة خطيرة وذلك بالتعبير عن كلام الله بأسلوب الرمزية. لقد تعامل الله معنا بالرموز والحقائق، وقال لنا بأن نرجع دائمًا إلى الواقع والنظر فيه، وأن الرموز إن هي إلا مساعدات مرحلية مؤقتة يمكن أن تختلف بحسب الزمان والمكان، ولكن سننه الواقعية لن تتغير وكلما رجعنا إليها نجدها كما هي ثابتة: (( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) ) [الأحزاب:43] ، وليست الرموز إلا (( أَسْمَاء ) ) (( مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) ) [الأعراف:71] (11) ، وموضع الخطر هو اعتبار كلام الله رمزًا وهو اللغة، وأن الواقع يمثل الحقائق، ثم يظهر تناقضه الفاضح حين ذكر في أول الكلام أن الله تعامل مع البشر بالرموز ثم قال في نهاية الكلام: إن الرموز (( مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) ) [الأعراف:71] ، والله - تعالى - يقول: (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ) [البقرة:31] ، وهكذا يصبح الواقع المادي عنده مقدَّمًا على كلام الله، حيث يقول حول ذلك:"فحين يلح القرآن الكريم على الرجوع إلى الكون المادي والاجتماعي لفهم سننه ونظامه، فإنه يدل بذلك على أن الواقع أدل على ذاته في كلامه له" (12) ، وهذا تصريح واضح في اعتماد الواقع واستبعاد كلام الله، وقد قاده هذا الاعتقاد إلى موقف أشد خطرًا وأبعد ظلمًا، وذلك بالإعلان عن انتهاء مهمة النبوة نفسها، والتعامل مع السنن والقوانين.
انتهاء النبوة:
يقول الكاتب:"من هنا لما بدأ الاهتمام بالواقع والتفاهم مع الله بواسطة سننه، توقفت النبوة لأن النبوة مرحلة انتهت" (13) ، ويقوم هذا الرأي من واقع إيمانه بمراحل التاريخ واعتبار مرحلة البشرية خلال فترة الأنبياء مرحلة طفولية، والمرحلة المعاصرة مرحلة مراهقة، وأن البشرية بدأت تتجه نحو مرحلة الرشد، وقد استمد هذا التصور من آراء (أوغست كونت) مؤسس المذهب الوضعي المادي في أوربا، وعن مرحلية النبوة يقول نقلًا عن إقبال:"إن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة - ختم - النبوة نفسها، وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمدًا - إلى الأبد - على مقود يقاد منه وأن الإنسان لكي يحصل على كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يُترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو" (14) .