نشر الأستاذ الفاضل عادل التل أربع مقالات على صفحات مجلة البيان في الأعداد 63، 64، 65، 66. ثم قام بجمعها مع غيرها ونشرها في كتاب. وقد اخترنا لك هذه المقالات الأربعة، ونشرناها هنا.
المقالة الأولى
تعريفات أولية:
نطمح في هذه الدراسة إلى وضع معايير ثابتة لتمييز وفرز الكُتاب والمفكرين الذين يتقدمون إلى الناس بالمنهج المادي، من خلال الخطاب الإسلامي، والدعوة الإسلامية، وبعبارة أدق، أولئك الذين يحملون النزعة المادية عند التعامل مع النصوص الشرعية. كما نهدف من هذه الدراسة - ومن خلال رؤية معاصرة - إلى إبراز منهج أهل السنة والجماعة، وعرض طريقة السلف الصالح في مواجهة التحديات الاعتقادية الوافدة.
وهذه الدراسة لا تشمل الذين يرفضون الامتثال لمنهج الله، وبالوقت نفسه لا تهتم بالرد المباشر عليهم. وبما أن جودت سعيد يعتبر من أولئك الكُتاب المنتمين للفكر المادي والداعين إليه فإن معظم الشواهد في هذه الدراسة ستكون من خلال كتبه ورسائله. وقبل أن نبدأ في تحديد الارتباط بين فكر جودت سعيد وبين المنهج المادي، نحتاج إلى إجراء مقارنة خاطفة بين الاتجاهات المعاصرة التي تهتم بتحديد مصادر المعرفة.
ولدينا ثلاثة مناهج ظاهرة تتنازع الهيمنة على الساحة الثقافية في العالم الإسلامي المعاصر:
أولًا: منهج التفكير الإسلامي"الديني": ويتمثل هذا المنهج بالاعتماد على النصوص الشرعية، المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وتكون القيمة الأساسية فيه لهذه النصوص، وتقدَّم على كل ما عداها من مصادر المعرفة عند الاختلاف.
ثانيًا:منهج التفكير الفلسفي"العقلي": ويتمثل هذا المنهج بالاعتماد على المذهب العقلي، وتكون القيمة الأساسية فيه للعقل كمصدر للمعرفة، ويقدم على غيره من المصادر عند الاختلاف.
يقوم المذهب العقلي على تفسير كل شيء في الوجود من خلال العقل، سواء في إثبات الشيء أو نفيه، أو تحديد معانيه..
ثالثًا:منهج التفكير المادي"الوضعي": ويتمثل بالاتجاه المادي، الذي ينظر إلى العالم الخارجي باعتباره يمثل الحقيقة الكبرى الكاملة، وأن هذه الحقيقة الموضوعية ذات وجود مستقل عن وعي الإنسان، وغير خاضعة لشيء، وأن المعرفة الصادرة عن المادة تقدم على كل معرفة أخرى عند التنازع.
والمذهب المادي: هو نظرية تقوم على اعتبار أن المادة هي الحقيقة الوحيدة، وأن الوجود ومظاهره وعملياته، يمكن تفسيرها كمظاهر أو نتائج للمادة.
ما هو المعيار الذي يحدد بموجبه الانتماء إلى أحد هذه المناهج؟
المعيار الذي يحدد الانتماء هو أسلوب التعامل مع النصوص الشرعية:
أ- في المنهج الإسلامي: نتعامل مع النصوص الشرعية بإثباتها وكما فهمها الصحابة الذين عايشوا التنزيل وكما فهمها التابعون من الصحابة، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، وطريقة السلف الصالح وأسلوب المدرسة التجديدية.
ب - في المنهج الفلسفي: يكون التعامل مع النصوص الشرعية بطريق التأويل وفقًا لمعطيات العقل، وبتقديم العقل على النقل، وهذا منهج الفرق الضالة كالمعتزلة والرافضة وأمثالهم، وأسلوب المدرسة العقلية المعاصرة.
ج: في المنهج المادي: يكون التعامل مع النصوص الشرعية بإلغاء دلالتها واعتبارها كأنها غير موجودة، والحصول على المعرفة من مصادر أخرى مثل التاريخ أو السير في الأرض أو أحداث الكون، مما يستدعي -حسب رأي أصحاب هذا المنهج - إلغاء النبوة والاعتماد على السنن (القوانين الطبيعية والاجتماعية) بديلًا عنها (آيات الآفاق والأنفس) ، وإعطاء تفسير جديد لمفهوم الوحي ومفهوم التلقي من الله، والاعتماد على قوانين تطور الطبيعة وقوانين تطور المجتمع في سلم الدلالات الموضوعية، وهذا هو منهج المدرسة المادية التغييرية.
ولتحديد رأي جودت سعيد، وبيان موقفه من هذه المناهج، قمت بدراسة جميع كتبه ورسائله ومقابلاته، ونستشهد هنا ببعض المقتطفات منها.
ونبدأ من خلال إشادته بالمنهج المادي الماركسي، فعندما تعرض لشرح آية (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الرعد:11] قال: الفكر الماركسي لبه ومبتداه ومنتهاه في إدراك محتوى هذه الآية، حيث لمحوا قدرة الإنسان على صنع التاريخ، والقيام بعملية التغيير، فهذا الضجيج الذي أحدثه الفكر الماركسي خلال أكثر من مئة عام، إنما كان تبنّيهم لهذه الفكرة وإدراكهم لها (1) .
موقف غريب وعجيب في آن واحد..! غريب أن يصدر مثل هذا الرأي عن رجل يعمل في حقل الدعوة، ويسعى لحل مشاكل الأمة الإسلامية، فإذا به يشهد للفكر الماركسي بالأصالة والثناء عليه، وكأنه بأسلوبه هذا يُشعر الناس أن مصدر الفكر الماركسي من كتاب الله، وظن أنه بهذه الطريقة - ومن خلال ذكر الآيات القرآنية - يتمكن من تدعيم منهجه المادي بين المثقفين إسلاميًا، لقد توهم أنه يحقق هذه المهمة بنجاح، ودون عناء أو مشقة، وأنه يحقق بذلك ما عجز عنه أقطاب الفكر الماركسي ودعاته في بلاد الإسلام، حين حاولوا - بالوسائل كافة وجميع السبل- إيجاد الصلة بين المنهج الإسلامي والأفكار الماركسية، ولكن جودت سعيد لا يزال مستمرًا في هذه المحاولة، وهو هنا يشيد بهم ويطريهم على أنهم أول من أدرك محتوى هذه الآية من القرآن الكريم، وعمل من خلالها. ويجب أن لا يصيبنا الدوار من هذه الآراء، وأن لا نستغرب هذا الأمر..! لأن الأغرب من ذلك هو دعوته الشباب المسلم إلى القيام بعملية التغيير، انطلاقًا من هذا المبدأ، إنها دعوة سافرة لتبنّي منهج المادية، ويعتبر كتابه"حتى يغيروا ما بأنفسهم"تحقيقًا لهذه الدعوة، فهو يدعوه من خلاله إلى التمسك بجانب الصواب في النظرية الماركسية الشيوعية. ففي هذا الكتاب يقول:"وكذلك إذا تذكرنا أن علينا أن لا نبخس الناس أشياءهم، وأن الحكمة لا تضر من أي وعاء خرجت، فإن الاعتراف بجانب الصواب الذي في النظرية الماركسية لا يضرنا شيئًا، ولكن إذا رفضنا جانب الصواب بسبب جانب الكفر الذي عندهم لا نكون مصيبين" (2) .
أية حكمة عند الماركسيين وأي صواب لديهم؟؟ فما لديهم إلا منهج يحمل عوامل فنائه منذ قيامه، وهو لا يتلاءم مع الفطرة التي فُطر الناس عليها، لذلك تزلزل وانهار كما كان متوقعًا له من قبل، لقد كان الماركسيون دائمًا يسخرون من المتمسكين بالفضيلة والحريصين على القيم ويقولون لهم:"أيها المثاليون المغفلون، إنكم تبحثون عن سراب لا وجود له في الحقيقة.. حين تتكلمون عن الحق والفضيلة والصدق والأمانة، إنها كلمات جوفاء يملؤها كل جيل بما يحلو له، ولكنها هي في ذاتها ليست شيئًا ثابتًا محددًا يمكن التعرف عليها".
لقد شعر جودت سعيد - وهو يتقدم إلينا بهذه الأفكار المادية - بعامل الضعف والخجل من هذا الطرح لأنه يدرك أن هناك من يخاف على دينه من هذا التوجه نحو الفكر المادي، لذلك تراه يستخدم عبارات الاطمئنان، ويؤكد أن الخوف على آيات الله مستبعد في ظل الأفكار الشيوعية فيقول:"لم يعد هنا ما يجعلنا نخاف على آيات الكتاب، لأن آيات الآفاق والأنفس ستبين أن آيات الكتاب هي الحق" (3) .