وكانت روسيا قد أثارت أزمة ضخمة الشتاء الماضي عندما أعلنت احتكار شركة الغاز الحكومي 'جازبروم'، والتي تقوم وحدها بسد ربع احتياجات الغاز الطبيعي المستهلك في أوروبا, إضافة إلى سد 80% من الغاز الطبيعي الذي تحتاجه أوكرانيا, وأعلنت حينها قَطع تجهيزات الغاز الطبيعي لأوكرانيا.
إصرار رغم الفشل:
لا يمكن فصم تلك التصريحات التي تمهد الأجواء لحروب باردة وأخرى ساخنة عن المشروع الفكري الذي يتزعمه تشيني وعصابة 'المحافظين الجدد', والداعية إلى تغيير الأنظمة المناوئة أو التي تعارض التوجهات الأمريكية قسريًا, وتحمل النتائج الآنية مقابل ما يظن أنه نفع استراتيجي على المدى البعيد.
فقد استغل تشيني ذكرى مرور ثلاث سنوات على قيام الولايات المتحدة بغزو العراق واحتلاله عسكريًا, لإعلان عدم الندم بشأن قرار الغزو.
وخلال المقابلة التي أجرتها معه مجلة فانيتي فير, ولدى سؤاله عما إذا كانت تمر عليه ليال يفكر فيها أن قرار حرب العراق كانت الشكوك تحيط به، قال تشيني: 'أعتقد أننا فعلنا في العراق ما كان ينبغي علينا فعله بكل تأكيد'.
ويأتي هذا الإصرار على مشروعية التوسع الخارجي رغم تأكيد عدد من أقطاب 'المحافظين الجدد' على فشله على المستوى التكتيكي والاستراتيجي ما.
فقد أكد فرانسيس فوكاياما - وهو أحد مؤيدي تيار 'المحافظين الجدد' ومنظريه - أنه كان من الواضح بالنسبة له، قبل سنة من الحرب، 'أن حربًا مع العراق يمكن أن تكون، في الحد الأدنى، تشويشًا يصرف الأنظار عن القضايا الماثلة .. وبالفعل فقد انتهى الأمر إلى أن يكون الوضع أسوأ، ما جعل الإرهاب بالتالي يتفاقم'. وقال: 'نحن نحتاج إلى استراتيجية سياسية أكثر في مقابل استراتيجية عسكرية أقل، ومن هنا يحتاج الأمريكيون إلى محاولة صياغة العالم، ليس بالاستخدام الواسع للقوة العسكرية، وإنما بإقامة طائفة من المؤسسات متعددة الجوانب التي يمكن عندئذ أن تصوغ مبادرات بعيدة الأمد للاستقرار والنمو والتعاون، من أجل صياغة العالم دون اللجوء إلى القوة العسكرية ... إن فكرة أن أمريكا يمكن أن تستخدم وببساطة، قوتها المهيمنة لصياغة العالم بصورة كاملة، هي وهم'.
كما شن المفكر الأمريكي 'نعوم تشومسكي' هجومًا لاذعًا ضد سياسة الولايات المتحدة, مؤكدًا أنها تواجه مأزقًا حرجًا للغاية في العراق.
وقال تشومسكي ـ الذي يعد أبرز منتقدي السياسة الأمريكية-: 'الولايات المتحدة الآن - كدولة محتلة - تواجه مشكلة تفوق تلك التي واجهها الألمان أثناء احتلال أوروبا, ولكن كيفية استمرارها على هذا النحو غير واضحة حتى الآن .. إن واشنطن غير قادرة على الانسحاب؛ لأن من شأن ذلك أن يجعل العراق دولة مستقلة, وهذا ما لا تتحمله الولايات المتحدة'.
توجه تشيني أم رغبة أمريكية؟!
الإدارة الأمريكية لم تكن في حقيقة الأمر بمعزل عن تصريحات تشيني وتوجهاته؛ حيث أعلنت عدة دوائر من داخل البيت الأبيض دعم وجه نظر تشيني, لاسيما ما يخص روسيا منها.
فقد صرح المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت مكليلان: 'إن تشيني تحدث عن سياسة أمريكية قائمة'.
كما دافعت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس عن تصريحات تشيني التي انتقد فيها روسيا, وقالت: 'إن تشيني عرض وقائع بشكل صائب'.
ودخل وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد على خط الانتقادات الموجهة لروسيا في مقال بصحيفة لو فيجارو الفرنسية بقوله: 'إن الولايات المتحدة قلقة من استخدام روسيا لمواردها من الطاقة كسلاح أساسي, وأيضًا من عدم انتهاج الصين لسياسة شفافة في إنفاقها العسكري, وأنه يتم الآن التركيز على العراق وأفغانستان, لكن في المستقبل ستتحدد سياساتها بناءً على خيارات دول كبرى مثل الصين وروسيا'.
كما أن تقريرًا شاركت في وضعه لجنة من ممثلي الحزبين الديمقراطي والجمهوري عينها مجلس العلاقات الخارجية كالَ الانتقادات الحادة لروسيا, ولم يضم أية إشارة إلى احتمال أن يكون أي من الإجراءات الأمريكية إزاء روسيا ضارًا, أو مخالفًا لاستراتيجية التعامل معها.
وأشارت وثيقة 'استراتيجية الأمن القومي', التي وقّعها الرئيس الأمريكي بوش بداية العام، إلى بلدان تتطور الأوضاع فيها على نحو ينافي مصالح الولايات المتحدة، وهي إيران وسوريا وكوريا الشمالية وروسيا.
وقالت الوثيقة عن روسيا: إن لها 'تأثيرًا كبيرًا في أوروبا وبلدان الجوار وفي الشرق الأوسط الكبير وبجنوب ووسط وشرق آسيا'، وشددت على تراجع روسيا عن مسار الديمقراطية، وإخلالها بشراكتها لواشنطن, وما سمّته الوثيقة بالعالم الحر.
وربطت إجراءات انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية أو إلى أطر دولية أخرى بمدى تحقيق التقدم المطلوب من وجهة النظر الأمريكية.
وسرّبت الإدارة الأمريكية تقارير عن إمكانية تصفية الأسلحة النووية الروسية بضربة واحدة، وهو الأمر الذي استفز قيادات روسية من أمثال مدير إدارة الأمن والعلاقات الدولية ألكسي أرباتوف, الذي نصح القيادة الروسية ببناء 30 صاروخًا عابرًا للقارات؛ لحفظ التوازن الاستراتيجي مع أمريكا.
ما الهدف؟!
تضاربت الأفهام والأنظار في الهدف الأمريكي من وراء التصعيد مع روسيا, وإن كانت أغلب الآراء تذهب إلى أنها نتيجة حتمية للنفوذ الروسي المتصاعد, والذي يهدد المصالح الأمريكية ويتعارض مع توجهاتها ورغباتها في بعض الأحيان.
فالهدف في صورته النهائية نستطيع القول: إنه ليس تباكيًا على ديمقراطية منتهكة وحقوق للإنسان مهدرة, وإنما صراع مصالح, حيث يسعى القطب الأمريكي إلى زيادة رقعة نفوذه على حساب التواجد الروسي, واستدلوا على ذلك بأن إدارة بوش عمدت إلى إقامة تحالفات عسكرية مع الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي, والتي تعتبرها روسيا دوائر نفوذ شديدة التأثير على أمنها القومي, وسعت لضم بعضه للناتو, وهو ما يعني عمليًا نشر أسلحة على حدود روسيا.
كما دعمت الولايات المتحدة الثورات الملونة التي أتت بأنظمة معاكسة لتوجهات روسيا وأقرب أيديولوجيا للولايات المتحدة والغرب, وهو ما كان في جورجيا وأوكرانيا, وعسكريًا دعمت الجورجيين في حربهم الأهلية ضد الانفصاليين المدعومين من قبل موسكو.
وأيًا كان الهدف من وراء التصعيد الأمريكي وتلك التصريحات الملتهبة فإن أمورًا ثلاثة لا غنى عن التوقف عندها:
الأول: مهما يكن من أمر تفكك الاتحاد السوفيتي السابق في مطلع التسعينيات, وتركه لتركة ضعيفة البنيان, إلا أن روسيا في عهد بوتين قد خطت خطوات جادة في سبيل استعادة القوة والهيبة المفتقدة.
الثاني: أن روسيا لها مصادر قوتها التي تمكنها من حك الأنف الأمريكي وإزعاجه, فالتحكم في نسبة ضخمة من احتياطيات الغاز الطبيعي, والإمساك بمفاصل بعض القضايا الشرق الأوسطية شديدة التأثير على الأمن الأمريكي, لن تجعل القرار الأمريكي يسيرًا إذا ما قرر شن حرب باردة جديدة.
الثالث: أن روسيا - فيما يبدو - لن تنجرّ بسهولة إلى الدخول في أتون مواجهات مع القطب الأمريكي, وستسعى جاهدة إلى تجنب تلك المواجهة إلى حين تمتلك من الأدوات والآليات التي تمكنها من الصمود مجددًا أمام القطب الأمريكي
الأحد 9 ربيع الثاني 1427 هـ - 7 مايو 2006 م
بقلم / غسان مصطفى الشامي