مفكرة الإسلام: تعيش الأمة العربية حالة من التدهور والعبثية والخنوع فضلًا عن سرقة مقدراتها وهجرة خبراتها وعقول أبنائها الفذة، واحتلال أراضيها ونهب خيراتها وثرواتها، أما قرارات العرب السياسية والرئاسية التي تحكم بها شعوبها فهي قرارات عربية بأمر غربي ... فالتحديات أمام أمتنا العربية كثيرة، والواقع يفرض علينا خريطة جديدة وزمن آخر، فنحن الآن نعيش في عصر غريب وعجيب ويجب علينا مواكبة تطوراته وتقلباته الهائلة حتى نَرفع عن أنفسنا وصمة التاريخ الحديث لنا ألا وهي 'التخلف'، هذه الوصمة التي وصمها لنا الغرب لنَظل نعيش بإمرته .. ضاعت من العرب فلسطين في زمن التقهقر وضاعت منهم العراق في زمن الغفلة والنسيان والنوم العميق ....
وهل يعود بنا الزمان لتاريخ عهد قوة الدولة العربية الإسلامية حيث وحدت الجزيرة العربية بأسرها من جنوبها إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها تحت راية الإسلام؟!، هل يعود بنا الزمان ليُذكرنا بأمجاد العرب وأساطيرها؟! ... هل يعود بنا الزمان ليتغنى الشعراء بمجد العرب وتاريخهم، وهذا هو أحد الشعراء يُخاطب الغرب قائلًا لهم ...
يا غرب نحن عرب من نسل قحطان تاريخنا يعلمك أحوال ماضينا ..
• إن الواقع الذي تَعيشه الأمة العربية اليوم هو واقع أليم ومأساوي يحيطه التدهور والانحطاط الفكري والأخلاقي وانحدار القيم والعادات والتقاليد الأصيلة ... ولم يَعد أحد يُذكرنا بتاريخ حمزة العربي وعمرو وخالد، والمعتصم عندما جَيش الجُيوش لنُصرة امرأة ... !!، الغَرب يَستهدف أبناءنا ويَعمل على تدمير فكرنا وتاريخنا ... كل هذا يحدث والأمة العربية في غفلة ووهم كبير ... !! إلى متى؟ ماذا دهانا؟ ... إلى متى هذا التراجع والتقهقر؟ إلى متى مسلسل الهزائم بحق فكر وتاريخ البلاد العربية والإسلامية؟ ..
أما التَدهور الذي تَعيشه أمتنا العربية اليَوم في كثير من المجالات أولها التَدهور الفكري والأخلاقي، والمتأمل في فضائياتنا العربية يستنتج الواقع الفكري الأليم لهذه الأمة، أما التَدهور الاقتصادي فهو كَبير ويُسيطر عليه التواكل الذي يجعل من بلادنا العربية مستهلكًا للمنتجات الغربية ... أما التكنولوجيا وصناعات العرب فيُسيطر عليها العمال الأجانب والخبراء الغرب ... ونحن مجرد عمال عندهم!!
متى نستيقظ من غفلتنا هذه ونعود إلى زماننا وتاريخنا ويعود بنا فكرنا القويم ونعود لامتطاء صهوة الجواد ونقود البلاد لنخرجها من الظلمات إلى النور؟
إننا بحاجة إلى إعادة التفكير في منظومة القيم والأخلاق العربية التي بدأت تتلاشى، فيما حَل محلها الأفكار والتقاليد الغربية ... فالحَرب كبيرة والهدف ضَرب العمق العربي والعمل على تدمير فكره وتاريخه البطولي ... كما أننا بحاجة إلى النظر في همومنا وواقعنا العربي الأليم، وتجديد العهد من أجل إعادة البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والصناعي في بلادنا كما إننا بحاجة إلى إعادة إحياء الأمة من جديد وبعث روح العمل والجد والعطاء في نفوس أبنائها ...
ولعل التاريخ يحدثنا عن مجد دولة العرب الإسلامية حينما كانت تحكم بمبدأ واحد سائر البلدان والولايات وحينما اتجهت في مراحلها الأولى إلى تقوية سواحلها ومنطقة بلاد الشام وتأمين حدودها من الغزو الخارجي، أما جيش أمة العرب آنذاك فكان كثير الرجال وقوي العتاد ويحسب له ألف حساب، وفتح هذا الجيش سائر البلدان.
* وحتى التاريخ يخجل على نفسه عندما يَتحدث عن حالة العرب في يومنا هذا وحالة التخاذل والتراجع الذي تحياه الأمة العربية ... ألا يغار العرب على أنفسهم؟ ... فالغرب أخذ خيراتهم ورجالهم وبنى لنفسه أساطير جذورها عربية خالصة، ونصب من نفسه حاكمًا يحكم الأرض.
* تأسرني دومًا الحسرة على تاريخ أمتنا العربية ومجدها المقدام ... وتبكي عيني دمعًا على قادة هذه الأمة وتضحياتهم الجسام من أجل السمو والرفعة لهذه الأمة.
هل التاريخ الإسلامي هو الإسلام؟!
الأحد 11 ربيع الأول 1427 هـ - 9 أبريل 2006 م
سيد يوسف
تمهيد:
مفكرة الإسلام: أمتنا الإسلامية تاريخها حي, إلا أن حاضرها ميت, لا تكاد تمر بها عاصفة حتى نلوذ إلى الماضي نستلهم منه ومن بعض رموزه الحلول, ولكن حين يتحول هذا التراث إلى ألحان عذبة تتغنى بها الشفاه وتطرب لها القلوب ولا تتحرك للاقتداء بها النفوس فإنه مما لا شك فيه أن هذه الأمة تكتب لنفسها شهادة وفاة بين الأمم التي تتحرك بوعي بصير نحو النهضة والتقدم.
في تاريخنا - القديم والوسيط والمعاصر - رموز تتعطر ألسنتنا حين نذكرهم، وفى تاريخنا شخصيات لها ما لها وعليها ما عليها، وفى تاريخنا شخصيات حين يكتب التاريخ بإنصاف فإن مزبلة التاريخ تنتظرهم .. ولم أرَ أمة مولعة بالنبش عن القصور في رموزها كبعض رجال أمتنا .. نراهم يغمطون العظيم عظمته لهنّة هنا أو هناك, ويغضون الطرف تمامًا عن رموز الغرب - تمامًا - ولو قيس هؤلاء بهؤلاء ما ساووا عند الإنصاف وزن ذبابة .. لكنه العمى!!
ولأمر ما لا يجهله الفاقهون نرى بعض أبناء جلدتنا يهوّنون عظماء رجال أمتنا وينبشون عن أخطاء يمكن تجاوزها لعظيم ما فعله هؤلاء .. ويصدّرون لنا نماذج بشرية عليها مآخذ كثيرة ولا ترقى عند المقارنة بغيرها أن تكون نماذج صالحة للاقتداء .. ويبالغون في ذلك ويذيعون آراءهم ليل نهار حتى يصدقها ويروج لها القاصرون .. ويشتد الخطب بتراجع الفاقهين عن التصدي لتلك السخافات .. وإن تقصير الفاقهين هاهنا لمعصية نرجو لها الاستغفار بتصحيح تلك الأخطاء.
ذلك أن تلك الأخطاء التي روّج لها الخبثاء صارت مادة لا للطعن في الأشخاص, ولكن للطعن في الإسلام نفسه وروّج لها بعض المستشرقين وصدّروها لبني جلدتهم ولبني جلدتنا حين ندرس العلم في جامعاتهم على أنها الدين .. وما التاريخ الإسلامي بالدين وما ينبغي له .. ولكنه العمى من جانبهم وتقصير الفاقهين من جانبنا.
وبعيدًا عن القول بأن التاريخ صار لمن يملك القوة والنفوذ أكثر ممن يملك الحق, ولا سيما في فترات الضعف والقصور والاستبداد .. وبعيدًا عن البكاء على أطلال أمتنا وتاريخها .. فإن النظر إلى موضوع التاريخ الإسلامي، واعتباره هو الإسلام، أمر محل نظر .. وفى ذلك الصدد فإن للدكتور عمر عبيد حسنة كلامًا طيبًا نسوقه هاهنا بإيجاز وتصرف وإضافة حسبما يقتضيه المقام:
المعروف أن مصدر التشريع في الإسلام هو القرآن الكريم، وبيانه السنة النبوية، وهو الحاكم على فعل البشر بالخطأ أو الصواب، وأن التاريخ الإسلامي لا يخرج عن اجتهادات بشرية في تنزيل القيم على الواقع، أو في تحويل القيم إلى فعل، قد تخطئ وقد تصيب، مثله مثل أي اجتهاد بشري فكري، أو فقهي آخر ..
فاعتبار التاريخ الإسلامي هو الدين، وهو مصدر التشريع والأحكام، فيه الكثير من المجازفة .. فالتاريخ الذي هو وعاء الحياة الإسلامية العملية، في استجابتها الواردة في الكتاب والسنة، هو محل العبرة والعظة والدرس، وفيه من السلبيات والإصابات، التي كان فيها عدول عن القيم، ما يجب تجنبه .. وفيه من الإنجازات العظيمة، المتسقة مع القيم، ما يجب الاهتداء والاعتزاز به .. وتبقى القيم هي الضابط، وهي الحاكم، على تصرفات البشر ومسالكهم ..