وحبنا للتاريخ، وانتصارنا له، لا يجوز أن يجعلنا نتجاوز هذه الحقيقة .. وكم ستكون الخطورة كبيرة إذا لم نضبط التاريخ، ونحكم عليه بالقيم، من التفسيرات والإسقاطات التاريخية، التي يحاول أعداء الإسلام توظيف التاريخ لها اليوم، وكم ستكون الخطورة أكبر، إذا أصبح التاريخ دينًا، وتفسيره ملزمًا، واعتبر النص والفعل التاريخي، كالنص الإلهي.
وقد يكون الدافع لذلك كله، غياب روح النقد، والخوف من الاعتراف بالخطأ، الذي لا يزال يشكّل المناخ العقلي المغشوش لكثير منا، ذلك أن هذا المناخ هو السبب وراء سقوطنا في الفخاخ المنصوبة لعقولنا، بأيد ماهرة من المستشرقين، الذين أدركوا ذلك فأتقنوا فن المديح والإشادة بحضارتنا وتاريخنا، الأمر الذي حرك مكامن الفخر فينا، وساهم بحالة الاسترخاء، والسبات العام، والاكتفاء بإنجاز الآباء والأجداد، وأدى إلى شلل الأجهزة الفكرية، عن معالجة الحاضر، واستشراف المستقبل، فأصبح حالنا، كما يقول الأستاذ 'مالك بن نبي' رحمه الله: شبيه بحال ذلك الفقير الذي لا يجد ما يسد به الرمق اليوم، عندما نتحدث له عن الثروة الطائلة التي كانت لآبائه وأجداده، إننا بذلك الحديث نأتيه بنصيب من التسلية عن متاعبه بوسيلة مخدر، يعزل فكره مؤقتًا، وضميره عن الشعور بها، إننا قطعًا لا نشفيها، فكذلك لا تشفى أمراض مجتمع بذكر أمجاد ماضيه.
كان هذا حال المستشرقين المداحين الذي قصوا علينا تلك النشوات التي تخامر عقولنا، حتى تتعلق عيوننا على صورة سامرة لماضٍ مترف.
ونستطيع القول بأن الحملات الاستشراقية بعامة، لم تتمكن من القضاء على ثقافتنا، وإن ألحقت بها بعض الإصابات، التي يمكن اعتبارها من قبيل الأذى {لَن يضُرُّوكُمْ إلاَّ أَذىً} [سورة آل عمران/111] ، وأن معظمها كان إلى حدٍ بعيدًا أشبه بالمنبهات الحضارية .. ورب ضارة نافعة.
إن عمليات الاستشراق والتغريب، لم تستسلم، ولم تلقِ السلاح، لكن لمّا أعياها السعي، فبدل أن تقر بفساد نظرياتها، وطروحاتها، وعدم إمكانية القبول لها في العام الإسلامي، تحاول اليوم أن تعتبر، أن المشكلة والعلة في بنية العقل المسلم أصلًا، لتأتي على البنيان الإسلامي من القواعد، وترسِّب في النفوس أن السبب في التخلف والعجز والتخاذل الثقافي وعدم القدرة على الإبداع وقبول الفكر الغربي، هو في بنية هذا العقل، وتكوينه، وميراثه الثقافي.
فهو عقل مولع بالجزئية، وعاجز عن النظرة الكلية للأشياء، وهو عاطفي يحب الإثارة والانفعال، ويعجز عن الفعل، وهو محكوم أيضًا بموروث ثقافي، لا يستطيع الفكاك منه، فهو لا يفكّر بطلاقه، وحرية؛ لأنه محكوم بوحي مسبق، وهو يقوم على منهج التفكير الاستنتاجي، ويعجز عن التفكير الاستقرائي، وهو معجب بالمنهج البياني، وعاجز عن المنهج البرهاني، وهو يخلط بين الواقع المعاش، والمثال الخيالي، وصاحبه يحب الثأر، ويغرق في الملذات!
وإن الإسلام الذي يكوّن هذا العقل، هو دين أمر ونهي، وزجر وكبت للحرية، وإلغاء للاجتهاد، الأمر الذي أدى به إلى التقليد وفقدان الشخصية، والقدرة على الإبداع، وإن العنصر العربي - مادة الإسلام الأولى - عنصر متخلف بفطرته، وطبيعته الجنسية، والمناخية، وإن دور العلماء المسلمين تاريخيًا، اقتصر على النقل لميراث الحضارات الأخرى، وإن علاج الأمة المسلمة، سوف لا يتحقق، إلا بإعادة بنية العقل العربي وفق الأنموذج الغربي.
لذلك رأينا الكثير من الدراسات اليوم لخريجي المدرسة الاستشراقية تتجه إلى طروحات، من مثل: بنية العقل العربي، ونقد العقل العربي، وخطاب إلى العقل العربي ... إلخ، وإن أول ما نلاحظ أن منهج النقد يتم طبقًا لآليات ومعايير وطروحات الفكر الغربي، وينطلق غالبًا من الترسبات التي تركها الاستشراق في ضحاياه، لذلك نراها تتخبط كثيرًا في الخلط بين العقل كآلة للتفكير، وبين الإنتاج الفكري لذلك العقل.
وقد تلفت انتباهنا أحيانًا بعض القضايا التي يطرحونها؛ لأنها لا نلبث أن نطلع عليها في مصادرها الاستشراقية، فنتأكد من جديد أن هؤلاء التلامذة لا تخرج مهمتهم عن الشحن من هناك، والتفريغ هنا ... لذلك نراهم يخطئون في أبسط القضايا، إنهم يخطئون حتى في الأسماء العربية الواضحة، لأنهم يقرءونها قراءة أعجمية استشراقية، ولا نرى هنا أننا بحاجة إلى إيراد الأمثلة.
وخلاصة القول في هذا الأمر: إن مناهجنا في المعالجة لا يزال يعوزها الكثير من التأصيل، والتخطيط، والتقويم، ودراسة الجدوى، وطبيعة التناول، ومساحته، والتنبه إلى مخاطر المستشرقين الذين يمدحون الإسلام، ويحركون غرائز الزهو والافتخار عند المسلمين تجاه الماضي، ليتسللوا من خلالها، وهذا هو الأخطر لأنهم يساهمون بحالة الخدر العام، من أولئك المستفزين، الذين يستثيرون فينا غرائز الدفاع عن النفس، وحماية الذات، ذلك أن المديح إنما يكون في كثير من الأحيان تحويلًا إلى الماضي، والاستغراق فيه على حساب مشكلات الحاضر، واستشراف آفاق المستقبل.
وحتى نكون في مستوى الحوار الفكري، والتبادل المعرفي، ونوقف فعلًا الغزو الفكري، والإغراق الاستشراقي، لابد لنا بدل البكاء على الإطلال، والاكتفاء بجرعات الفخر والاعتزاز بالماضي، أن نكون أيضًا قادرين على امتلاك الشوكة الفكرية .. أن نكون قادرين على الإنتاج الفعلي، لمواد ثقافية تمثل ثقافتنا، وتأتي استجابة لها، وتغري الناس بها، وبذلك وحده نكون في مستوى الحوار، والتبادل المعرفي ..
إن المواجهة لا تكون بإدانة الآخرين، والنظر إلى الخارج دائمًا، وإنما تبدأ حقيقة من النظر إلى الداخل .. أولًا لملء الفراغ، بعمل بنائي مستمر، وتحصين الذات، وتسليحها بالمقاييس الثقافية السليمة، وإنتاج مناهج، وآليات للفهم، تأتي وليدًا شرعيًّا لثقافتنا.
ذلك أن المناهج وآليات الفهم - التي تحكم الكثير من جامعاتنا ومعاهدنا - لا تزال من صناعة الفكر الغربي، انتهت إلينا بسبب التخاذل الفكري الذي نعيشه .. وتلك المناهج هي ثمرة لتشكيل ثقافي معين، تصنعه وتُصْنَع به، غير منفكة عنه .. لذلك فمن الصعب نقلها واستخدامها في إنتاج ثقافي آخر، والاطمئنان عندها إلى نتائج الفكر.
في النهاية ..
نوجز ما نريد قوله فيما يلي:
1.من الخطأ تهوين العظماء لخطأ ما هنا أو هناك, وتجاوز ما فعلوه من إنجازات طيبة .. وفى مقابل ذلك يتم تصدير نماذج بينها وبين الرمزية بون بعيد.
2.ومن الخطأ التغني بالماضي دون الالتفات إلى الحاضر بعمل بناء وإيجابي وفعال ومستمر.
3.ومن الخطأ أنه حين نتحمس لتاريخنا الإسلامي نغض الطرف عن الأخطاء الواردة والمتضمنة فيه والدفاع عنها باعتبارها تمثل الإسلام.
4.التاريخ الإسلامي ليس هو الإسلام.
5.ومن الخطأ الانضغاط لمدح الآخرين 'المستشرقين' في تاريخنا لتثبيط همة العاملين إن كان ثمة عمل منظم.
وأخيرًا .. أسأل الله أن ينفعنا جميعًا.
السبت 10 ربيع الأول 1427 هـ - 8 أبريل 2006 م
محمد سيد بركة
مفكرة الإسلام: الأمة التي تنسى تاريخها محكوم عليها أن تبدأه من جديد. ونقصد بالنسيان الاغتراب الفكري والتغافل عن ربط الماضي بالحاضر وثقافة الأمم هي تاريخها.