فهرس الكتاب

الصفحة 2092 من 3028

مجلة البيان - (ج 191 / ص 38)

نظرة في السياق العربي

( 2 ـ 2 )

إعداد: وائل عبد الغني

* ضيوف الندوة:

أ . د . إبراهيم الخولي: أستاذ الأدب والنقد بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر .

أ . د . مصطفى حلمي: أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة .

د . علاء عبد العزيز: المدرس بمعهد التمثيل بالقاهرة .

أ . محمد إبراهيم مبروك: الكاتب الإسلامي المعروف .

* مقدمة:

جاءت الحلقة الأولى بحثًا في السياق الغربي وتطوراته التي أنتجت الحداثة ،

كيف تطورت الأفكار وسارت الأمور ، وماذا خلفت من سلوك اجتماعي ، وخلصنا

إلى أن الحداثة خصوصية ثقافية متصلة بالسياق الغربي .. وفي هذه الحلقة نبحث

في الحتمية التي يحاول بعض الحداثيين أن يدعيها لتطبيق أو فرض الحداثة على

العالم الإسلامي والعربي ، ونقلب النظر في واقع الحداثة العربية وأهم ما تحمله من

قضايا وأفكار ، ونستهل هذه الحلقة بتساؤل يطرح نفسه:

البيان: هل يمكن تصور حداثة عربية كما يقول بعضهم ؟

-د . إبراهيم الخولي: ليس هناك ما يمكن أن نسميه حداثة عربية على

التحقيق .. بل ولا يوجد حداثيون عرب ، لدينا دعاة حداثة عرب ، ونسبتهم إلى

الحداثة نسبة المقلد لا المنتج أو المبدع ، فهؤلاء لم يقدموا فكرًا مستقلًا ، وإنما نقلوا

عن الغرب دون أن يراعوا خصوصية مجتمعاتهم ، فهؤلاء ليس لهم جهد فكري

مستقل في هذا الباب .

-أ . محمد مبروك: الحداثة تطور عن العلمانية الغربية التي تقتصر على

العقل الإنساني وتجتنب القداسة بترك المسيحية ، وإذا كانت قد تعايشت مع

المسيحية فلا يمكن هذا مع الإسلام ؛ لأن الإسلام منهج كامل غير قابل للتجزيء .

الإسلام والعلمانية نقيضان ، ومما وقع عليه الاتفاق بين العلماء والمفكرين

العرب أن العلمانية كفر ، وما أجمل الإشارة في هذه النقطة إلى قول الدكتور محمد

البهي وكان وزيرًا للأوقاف في كتاب له: « العلمانية أخذ بعض الدين وترك بعضه ؛

فهي كفر » ، وهذا يعدُّ موقفًا رسميًا في الدولة ، ومما يزيد الأمر حجية على

العلمانيين عندنا أن هذا المؤلِف إلى جانب منصبه الرسمي حائز على دكتوراه

الفلسفة من ألمانيا ؛ بمعنى أنه محيط بهذه القضية من الناحية الشرعية ومن الناحية

الفلسفية .

البيان: وماذا عن قول بعضهم إن العقل الحداثي العربي قد تحول من

استهلاك الحداثة الغربية في الثمانينيات إلى بناء نموذج عربي مستقل في

التسعينيات ؟

-د . علاء عبد العزيز: هذا كلام غير معقول ؛ لأن الحداثة مبدئيًا تعني

القطيعة مع التراث ؛ فكيف ستتطور عنه وهي في قطيعة كلية معه ، ثم كيف

ستكون عربية وهي لم تتحرر من النظريات والمصطلحات والأفكار التي ولّدها

السياق الغربي ، وجميع ما يردد في المحافل الحداثية مستورد ليس إلا ، نحن لا

نطعن في توليد نموذج عربي ، بل نطعن في وجود ما يمكن أن يسمى حداثة عربية

مستقلة ؛ لأن ما أحدث القطيعة المعرفية مع التراث في الغرب غير موجود في

تاريخ العالم الإسلامي .. في المجتمع الإسلامي تشيع حالات من التراحم والتكافل ،

جنبته ويلات الصراع الطبقي الموجود في الغرب ، ولهذا فإن ماركس لم يستطع أن

يطرد نظريته على العالم الإسلامي ، وتهرب بتسميته نمط إنتاج آسيوي .

الأوقاف على سبيل المثال ، وهي جزء من نظام عام للتكافل الاجتماعي في

الإسلام ، كان لها دور مهم للغاية في تجنيب العالم الإسلامي ما حدث في الغرب من

صراع ، وقد ذكر بعض الباحثين أن ثلاثة أرباع أراضي الدولة العثمانية كانت

أراضي أوقاف وليست ملكًا للدولة ؛ إذن هناك مجموعة من المكونات هي التي

أوجدت القطيعة والتمرد على التراث ورفض الدين في الغرب ، هذه المكونات ليس

لنا بها أدنى صلة لا تاريخيًا ولا دينيًا ولا حضاريًا ، ومن ثم فمن غير المنطقي أن

تطبق نظريات الحداثة على مجتمعات خالية من الظرف التاريخي الذي ولّد الحداثة .

-أ . محمد مبروك: العالم الإسلامي في هذه المرحلة يفتقد وجود مفكرين

وفلاسفة يتطورون لكي يأتوا بفكر جديد يناسب المرحلة ، أما ما يحدث ففي

تصوري أن هناك مجموعة من المتمردين على الدين لا يحبون الله ، يريدون أن

يصنعوا لأنفسهم إطارًا موضوعيًا يحتمون به ، لذلك قاموا باستيراد فكرة الحداثة من

الغرب ، وأخذوا منها ما يتناسب مع مشروعهم الانتهازي في تدمير النسيج

الإسلامي القوي وترويج وجودهم الإلحادي .. في الماضي كان المتمردون والزنادقة

قلة ، ونتيجة لتمكن الدين كان يتم اجتثاثهم سريعًا سواء بالعقل أو بغير العقل ..

ولكن بالنسبة للعصر الحديث ، فهناك قوى كبرى في الغرب يحتمون بها ، ومن هنا

كان من طبيعة الأشياء أن يميل هؤلاء إلى الحضارة الغربية ، ويشعرون بالانتماء

إليها لأنها هي التي تناسب مسلكهم ، فيجب أن يلتحقوا بها ، ومن ثم جاء الموقف

متسقًا مع ما يعتقدونه ؛ لأن من لا يؤمن بالله سيبحث ولا بد عن النسق الفلسفي

الذي يمكن أن يتطور فيه ، فهم انساقوا وراء النسق الفلسفي الغربي ، واعتبروا كل

ما يتطور إليه النسق الفلسفي الغربي يمثل التطور الفلسفي للعالم ، فالقضية ليست

غربًا وشرقًا ، ولكن ما يمثل أقصى تطور للفكر الإنساني يرون تعميمه على العالم

كله ، فهم كانوا متسقين مع أنفسهم حين أرادوا أن يصنعوا إطارًا موضوعيًا

لإلحادهم وعلمانيتهم ، فالتجؤوا لآخر موضة موجودة في الغرب والتي تسمى

الحداثة ، هل هم أخذوا الحداثة كتطور للمجتمع عندنا ؟ هذا غير صحيح مطلقًا ،

ولكن لأنهم يؤمنون أن ما ينتج عن المجتمع الغربي يمثل الإنسانية جمعاء اعتبروا

أن الحداثة تمثل فكرهم ، فاستوردوها ، هذا من الناحية الموضوعية .. أما من الناحية

الأخلاقية فالذي حدث هو أنهم تمسحوا بها ، وأخذوا ما يتناسب مع مشروعهم

الانتهازي في تدمير النسيج الإسلامي القوي ، وتسويغ وجودهم الإلحادي .

-د . إبراهيم الخولي: ما يسمى الحداثة العربية أو نقل الحداثة الغربية إلى

المجتمع الإسلامي ؛ هو بمثابة نقل أعضاء لجسم هو يرفضها ولا يمكن أن يتقبلها ،

فالسياق التاريخي والفكري والاجتماعي مختلف ، ولمثل هذا النقل أمثلة في تاريخنا ،

مثل كتاب ( نقد الشعر ) الذي ترجمه « قدامة بن جعفر » ، وكتاب ( الشعر )

لأرسطو الذي ترجمه « متى بن يونس » ، وكان ذلك في وضع قوة الدولة

الإسلامية التي كانت تستقبل استقبال الناقد المتفحص الذي يأخذ ويرمي وينقي

ويترك ، ثم يهضم ، ثم يضيف فيخرج للبشرية ما لا قِبَل لها بأخذه في البداية ،

ولذلك رفض المجتمع كتاب ( نقد الشعر ) لتأثره بالفكر الأرسطي ، ولننظر كيف

الغرق في الهزيمة الفكرية ، هذا إذا لم نذهب إلى أبعد من ذلك ، وكم هو البون

بينهم وبين « السيرافي » شارح كتاب سيبويه حين ناظر « متى بن يونس » لمَّا

تفاخر بالمنطق اليوناني ، وأن العرب لم ينتجوا منطقًا كالمنطق اليوناني ، رد عليه

السيرافي وقال: جهلتَ .. فليس المنطق إلا نحوًا إلا أنه مسلوخ من العقل ، وليس

النحو إلا منطقًا إلا أنه مسلوخ من اللغة ، وسأسألك عن حرف الواو ، وأدلك على

أسراره واستخداماته ... إلى آخر كلامه ، فأين منطق ( أرسطو ) من النحو العربي .

فالحداثيون يجهلون التراث الإسلامي العظيم ؛ لذلك فهم يعادونه لأن الإنسان

عدو ما يجهل ، فأنا لا أخشى من دعوتهم فهي ستزول كما زال السابقون ، أما حداثة

الغرب فهل تستحق من المجتمع الإسلامي كل هذه الجلبة والضجة التي يثيرها

الحداثيون العرب ؟ لقد ماتت في بيئتها ودخلت المتحف لا لتحيا فيه وإنما لتتحلل

وتبيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت