من أعجب ما قرأت في قضية الحضارات وبعثها تقسيم المؤرخ (أرنولد توينبي) الحضارات إلى حضارات (متحجرة) كاليهودية، و (نائمة) كالحضارة الإسلامية، ويقول: (لا بد للنائم أن يستيقظ) ولعل من المبشرات قيام إسرائيل؛ لأن قيام الحضارات يخضع لفكرة (التحدي والاستجابة) لأن الحضارة تقوم عندما توجد ظروف صعبة جدًا في مجتمع ما فيتحدى تلك الظروف لتقوم الحضارة وتنجح وتتغلب على المعوقات.
وهذا ما توصل إليه (توينبي) الذي حذر من قيام إسرائيل في وسط العالم الإسلامي، لا لحبه الإسلام، ولكن لخوفه من وجود خطر يوقظ (المارد النائم) ، بناءً على القانون الذي فسّر به قيام الحضارات، أي: (التحدي والاستجابة) ، أو بتعبير الشيخ (أبي الحسن الندوي) : (حركة المد والجذر الحضاري) ، خلافًا للغرب الذي يرى أن الحضارة تسير في خط مستقيم منطلق دون تعثر، وأن آخر مراحله هي النظام العالمي الجديد، أو ما يعرف بالعولمة.
ولا شك أن انتشار الإسلام وتمدده داخل ديارهم، ودخول عدد من الصفوة من أمثال (هوفمان) و (محمد أسد) ، يدل على قدرة الإسلام على الانتشار حتى في ظل الصعاب، والمستحضر لكمّ المؤامرات والمخططات التي مورست، وتمارس ضد المسلمين ودينهم، لا يشك لحظة ـ بمقاييس البشر ـ في زوال الإسلام، ولكن تلك طبيعة العقل الغربي الملحد الذي انزعج بشدة عندما استيقظت الأمة من جديد.
? نعود لقضية التعليم والإعلام لنرسم دورها في العلاج.
د/جمال عبد الهادي:
الهدف من التعليم والإعلام في الإسلام هو: تربية الشعوب وتثقيفها على أساس العقيدة والقيم التي تعتقدها، ونقل المعارف العلمية مجردة غير مشوبة بقيم الآخرين وأساليب حياتهم؛ لأن الله جعل لكل أمة شرعة ومنهاجًا، لذلك فإن المهمة الكبرى للتعليم والإعلام؛ هي (البناء) لا (الهدم) ، وتهذيب السلوك وليس إثارة الغرائز، أو مجاراة العادات والميول الفاسدة للناس وإن كانوا أغلبية.
إن منظومة التعليم والإعلام لا بد أن تكون منظومة قوية مؤثرة، وإلا فإن الناس سوف ينفضّون عنها؛ لأن هناك من الوسائل البديلة عنهما في الوقت الحاضر ما لا تعجز عن ابتكاره القرائح.
وقد يدفع الفضول معظم الناس إلى متابعة الغث مما يعرض عليه، ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى الحق أو يثوبوا إلى رشدهم؛ لأن الحق باقٍ لا يبطله شيء.
? قضية الهدي الظاهر باعتباره معبّرًا عن العقيدة ومظهرًا للانتماء، تحتاج إلى عناية خاصة من القائمين على أمر هذا الدين، والحريصين على الهوية الإسلامية، ولا شك أن قضية التغريب والحرب على الهوية الإسلامية قد صاحبتها دعوة إلى تقسيم الدين إلى مظهر وجوهر، بحيث يتخلى الناس عن المظهر بحجة أن الجوهر كافٍ، ولا شك أن هذه الدعوى لها مخاطرها.
الشيخ /محمد بن إسماعيل:
هذه الدعوة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها العذاب، وقد انطلت على كثير من السذج حتى صاروا يروّجون لها دون أن يدركوا أنها قناع نفاقي قبيح، وأنها من لحن قول العلمانيين الذين يتخذونها قنطرة يمرقون عليها من الالتزام بشرائع الإسلام دون أن يُخدَش انتماؤهم إليه.
وإذا كانت القضية تتوقف عند حَسَني النية من المسلمين المخلصين عند نبذ ما أسموه: (قشرًا) للتركيز على ما دعوه: (لبّا) ، ولكنها عند المنافقين الحريصين على اقتلاع شجرة الإسلام من جذورها مدخل لنبذ اللّب والقشر معًا، تمامًا كما يرفعون شعار الاهتمام بـ (روح النصوص) وعدم الجمود عند منطوقها.
ومع أن هذا كلام طيب إذا تعاطاه العلماء وطبقه الأسوياء؛ إلا أنه خطير إذا تبناه أصحاب العاهات الفكرية والنفسية والمشوهون عقديًا؛ إذ يكون مقصودهم حينئذ هو إزهاق روح النص بل اطّراح منطوقه ومفهومه، أو توظيفه بعد تحريفه عن مواضعه لخدمة أهدافهم الخبيثة.
إنهم يريدونه دينًا ممسوخًا كدين الكنيسة العاجزة المعزولة عن الحياة الذي يسمح لأتباعه بكل شيء مقابل أن يسمحوا له بالبقاء على هامش الحياة.
ولقد لفتنا سلفنا الصالح إلى أهمية التمايز الحضاري بالمحافظة على (قشرة) معينة تفترق بها أمتنا عن سائر الأمم، وهذه القشرة التي تحمي الهوية الإسلامية المتميزة هي ما أسماه علماؤنا رحمهم الله بـ: (الهدي الظاهر) ، وأفاضوا في بيان خطر ذوبان الشخصية المسلمة وتميعها.
فالقضية إذن قضية مبدأ وليست مجرد شكل ومظهر؛ فنحن كما نخاطب الكافرين: (لكم دينكم ولنا دين) نقول لهم أيضًا: (لكم قشرتكم ولنا قشرتنا) ، ولأننا بشر مأنوسون ولسنا أرواحًا لطيفة، فإن ذلك يقتضي أن يكون لنا مظهرٌ ماديٌ محسوس، هذا المظهر شديد الارتباط بالجوهر، وقد جعلت الشريعة الحنيفية تميز الأمة المسلمة في مظهرها عمن عداها من الأمم مقصدًا أساسيًا لها؛ بل إن أهل كل ملة ودين يحرصون على مظهرهم باعتباره معبّرًا عن خصائص هويتهم، وآية ذلك أنك ترى أتباع العقائد والديانات يجتهدون في التميز والاختصاص بهوية تميزهم عن غيرهم، وتترجم عن أفكارهم، وترمز إلى عقيدتهم.
وهذا أوضح ما يكون في عامة اليهود الذين يتميزون بصرامة بطاقيتهم، ولحاهم، وأزيائهم التقليدية، وفي المتدينين من النصارى الذين يعلقون الصليب، وفي السيخ والبوذيين وغيرهم.
أليس هذا كله تميزًا صادرًا عن عقيدة ومعبرًا عن الاعتزاز بالهوية؟!
وإذا كانت هذه المظاهر هي صبغة الشيطان، فكيف لا نتمسك نحن بصبغة الرحمن التي حبانا الله ـ عز وجل ـ (( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أََحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) ) [البقرة: 138] .
لماذا تقدس الحرية الدينية لكل من هب ودب، وفي نفس الوقت تشن (الحروب الاستراتيجية) على المظاهر الإسلامية كاللحية والحجاب، حتى إنه لتعقد من أجلها برلمانات، وتصدر قرارات، وتثور أزمات، وتجيّش الجيوش، وترابط القوات، هذا ونحن أصحاب الدار.
كل دارٍ أحق بالأهل إلا في رديء من المذاهب رجس
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس
أفكل هذا من أجل ما أسموه (قشورًا) لا! بل هم يدركون ما لهذه المظاهر من دلالة حضارية عميقة، ويدركون أنها رمز يتحدى محاولات التذويب والتمييع، ويصفع مؤامرة استلاب الهوية كمقدمة للإذلال والاستعباد.
إن من يتخلى عن (القشرة الإسلامية) سيتغطى ولا بد بقشرة دخيلة مغايرة لها، فلا بد لكل (لب) من (قشر) يصونه ويحميه، والسؤال الآن: لماذا يرفضون (قشرة الإسلام) ويرحبون بقشرة غيره؟ فيأكلون بالشمال، ويحلقون اللحى، ويُلبسون النساءَ أزياء من لا خلاق لهن، ويلبسون القبعة، ويدخنون (البايب) و (السيجار) ؟!
إن تقسيم الدين إلى قشر ولب غير مستساغ، بل هو محدَث ودخيل على الفهم الصحيح للكتاب والسنة، ولم يعرفه سلفنا الصالح الذين كل الخير في اتباعهم واقتفاء آثارهم، فضلًا عن أنه يؤثر في قلوب العوام أسوأ تأثير، ويورثهم الاستخفاف بالأحكام الظاهرة التي يعتبرونها قشورًا، فتخلو قلوبهم من أضعف الإيمان، ألا وهو: الإنكار القلبي.
? في الختام.. نرجو أن نكون قد وُفّقنا ـ لا نقول: في معالجة القضية، ولكن في طرحها والإشارة إلى أبرز نقاطها؛ لأن القضية ما زالت تحتاج إلى تفعيل على كافة المستويات، من رسم أدوار.. وبذل جهود.. وفضح مؤامرات.. وتصدّ لمكائد ومخططات.
جزى الله مشائخنا وأساتذتنا الذين شاركونا في الندوة خير الجزاء..
وأثابهم على جُهدهم هذا أضعافًا مضاعفة في الدنيا والآخرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،،
(1) أحمد (17939) .ب
(2) مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة (2922) ، أحمد (27502) .
مجلة البيان* العدد 131*رجب 1419هـ * نوفمبر 1998م