هذه الحقيقة ملموسة رغم أنها تغيب عن كثير منّا، وقد اعترف بها غير واحد من باحثيهم، على سبيل المثال: (هانتنجتون) ، و (أرنولد توينبي) الذي توقع قدوم الإسلام، لعمق شعوره بأزمة الحضارة الغربية؛ حيث قال: (هناك مناسبتان تاريخيتان، أثبت الإسلام فيهما، أنه يستطيع أن يقود العالم: الأولى: على أيام النبي(صلى الله عليه وسلم) والخلافة الراشدة، والثانية: في الحروب الصليبية، عندما قام صلاح الدين بقيادة الأمة على أساس الإسلام)، وله نبوءة مستقبلية إذا حدث تغيرٌ على المسرح العالمي، فيقول: (سيعود الإسلام ليؤدي دوره من جديد، وأرجو ألا أرى ذلك اليوم) لذلك لا نعجب من إعلان حلف شمال الأطلسي: أن الخطر القادم هو الإسلام، ومن هنا يتضح أن الأمة مستهدفة لذاتها ولدينها.
أ/جمال سلطان:
الأمة الإسلامية هي التي تمتلك البديل الحضاري المتكامل والمتميز: ذات عقيدة صحيحة متوافقة مع الفطرة والكون.. كتاب محفوظ، وهي خصيصة لا مثيل لها عبر الزمان والمكان، وهي بالغة الأهمية، لدينا عمق حضاري بصورة مدهشة، والعجيب أن الأوربيين يدركون أكثر منا قدرالإمكانيات الحضارية للتراث الإسلامي!
د/جمال عبد الهادي:
بالنسبة للحضارة فأرى أن (الحضارة الإسلامية) هي التي يمكن أن نطلق عليها مصطلح: (الحضارة) ، بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح؛ لأن الحضارة الغربية لا تُعتبر كذلك، وإنما نطلق عليها هذا اللفظ تجوّزًا؛ لما لديها من تقدم صناعي وتقني حديث، وإلا فإن مفهوم الحضارة يرمي إلى ما هو أبعد من التقدم التقني، يرمي إلى القيم التي تحكم الإنسان.
وإذا ما نظرنا إلى المشروع الغربي، وما ينبني عليه من تصوره لـ (حقائق الكون) ، و (الحياة) ، و (نظرته إلى الغير) ، بل وإلى (تعريفه لنفسه) وما يتفرع عن هذا التصور من قيم وأخلاق، فلا يمكن بحال أن نعتبر هذا المسخ الإنساني حضارة، وهم هناك يدركون مدى ما هم فيه من أزمة.
أ/جمال سلطان:
الجانب الحضاري له أهمية خاصة ومؤكدة في الحفاظ على الهوية؛ لأن العدو استطاع من خلال غزوه الحضاري لبلادنا أن يوجد نخبة ذات تبعية أمكن عن طريقها تعبيد النفوس لكل ما يقول، ابتداءً بالدين، وانتهاءً بمظهر اللباس وأسلوب الطعام والشراب، بعد أن نجح في تأهيله نفسيًا في أن يتقبل منه كل ما يقول.
ومن التجارب الواقعية البارزة في الدلالة على أهمية الجانب الحضاري لتنشيط هويتنا والانتماء إليها، ما حدث في البوسنة والهرسك والشيشان في فترة الحرب؛ إذ كان أفضل أسلوب يعمق الانتماء، هو إحياء الشعور بالانتماء الحضاري لأمة الإسلام، وكان هذا مدخلًا جيدًا لتصحيح العقيدة والسلوك والعبادات، لذلك فإن أهمية هذا الجانب تزداد الحاجة إليه بإلحاح في أطراف الجسد الإسلامي؛ لأنها أكثر تعرضًا للغزو.
وعليه فنقول: إذا كانت قضية مرجعية الكتاب والسنة تحظى بأولوية في الخطاب الدعوي في بلادنا العربية الإسلامية؛ كمصر أو اليمن أو الأردن ـ مثلًا ـ، فإن الجانب الحضاري لا بد أن يطرح بإلحاح على قائمة الخطاب الدعوي في أطراف الجسد الإسلامي.
? يدعي البعض أن جميع موروثاتنا الثقافية تعد جزءًا من هويتنا، وفي هذا الادعاء مغالطة مقصودة في بعض الأحيان، ومغبشٌ بها على البعض في أحيان كثيرة.
نرجو بيان ذلك من جهة الثقافة والتاريخ.
أ/ جمال:
مخطئ من يقرن بين إعادة نشر تراثنا الإسلامي الأصيل، وبين إعادة نشر الكتابات المنحرفة في التراث، من أجل إحيائها من جديد، على اعتبار أنها جزء من تراثنا، وجزء من هويتنا.
لأن هذه الكتابات جهد بشري، والجهد البشري فيه المنحرف والقويم، والمنحرف لا يعوّل عليه ولا يملك قداسة، بل هو مهدرٌ؛ لأنه مخالف لمرجعيتنا ومقاييسنا الثابتة، ونحن بحمد الله نملك وحدنا ثوابتنا القياسية التي يمكن من خلالها التفريق بين الأمور، التي تتمثل في أصول شريعتنا، والتي إن عزلناها فإن الأمور تبدو كلها نسبية.
أما التاريخ ـ باعتباره أيضًا من مقومات هويتنا ـ فهو مصبوغ بالكتاب والسنة، وكذا الثقافة والمعرفة، وهذا لا يعني عدم الاستفادة من باقي الثقافات؛ إذ يمكننا وفق أصولنا أن نستفيد منها بما لا يتعارض مع شرعنا؛ لأننا إذا كررنا فقلنا: إن خبرات الشعوب وتراثها هي المرجعية للهويات؛ ففي الحالة الإسلامية يمكن أن نعتبر أن هذه الخبرات مؤسسة على الكتاب والسنة هي مرجعيتنا في الهوية.
? ويدعي البعض أيضًا أن الحضارة الإسلامية حضارة متجمدة؛ لأنها مقيدة بالنصوص.
ولا شك أن هذه شبهة مدحوضة لكن الأمر يحتاج إلى تفصيل.
أ/ جمال سلطان:
نتيجة لأن التغريب قد حوّل الثقافة العربية إلى نوع من التقليد والمحاكاة، والترويج للتيارات الوافدة، فلا عجب أن تظهر مثل هذه الدعاوى، وأن يُسوّق لها تسويقًا فذًّا، ولكن الحقيقة على خلاف ذلك، فحضارتنا ثرة معطاء، تتميز بما رموها به، من وجود مرجعية ثابتة متمثلة في الوحي، وهذه المرجعية تصنع جوانب الحضارة كلها دون استثناء، وتطلق الطاقات، وتشجع على الإبداع، في حدود صلاح الناس على الأرض، فنجد على سبيل المثال أن الفن الإسلامي قد أبدع في الزخرفة التي تعتمد على المنحنيات وتتحاشى الأشكال المستقيمة للبعد عن الأشكال الموحية بالصلبان، كما ابتعدت عن رسم ذوات الأرواح.
والمتأمل في تاريخ الحضارة الإسلامية، يرى كيف أن الشريعة أوجدت الإبداع والإضافة والتطوير حتى قدّمت لنا بديلًا مبهرًا للأوروبيين الذين يعانون من الفراغ الشديد، والذين يصورون لنا ـ مثلًا ـ بعض الوثنيات الإفريقية أو الهندية على أنها فن وحضارة، وهم يدركون جيدًا أن الإسلام وأمته هما اللذان يشكلان بديلًا حضاريًا يمكن أن يجتذب ويحتوي القطاع الأوسع من البشر؛ لأنه أقرب إلى الفطرة والعقل والإدراك، إلى جانب القوة الضخمة التي يتيحها له الميراث الحضاري.
د/جمال عبد الهادي:
لماذا يريدون لنا أن نُقصي الدين عن كل شيء؟ إن مسألة الدين قد أصبحت مسألة جوهرية للغاية في تشكيل وصياغة هويات الشعوب اليوم، وهذا ما يعترف به الغرب نفسه، والقضية تاريخية قديمة، ولكن الغرب لم يدركها في وقت كما أدركها اليوم، يقول (هنري بيرانجيه) : (إن مسألة الدين أهم ما يشغل العالم المتدين اليوم؛ لأن مستقبل الأمم المتحضرة يتوقف على حلها) ، ولكن الواضح أن الذي أصبح يواجه الحل الإسلامي اليوم ليسوا هم وحدهم، وإنما أناس من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا؛ سواء في تركيا أو في الجزائر أو في غيرهما.
د/مصطفى حلمي:
يخشى الغرب مما يسميه الحركات الأصولية، التي تمثل بعثًا جديدًا للهوية الإسلامية؛ إذ إنها في حالة صعود مقلق بالنسبة لهم؛ بل يعترفون أن الجماهير العربية التي أثرت فيها الحركات الإسلامية الشائعة اليوم، كانت ناصرية أو بعثية منذ عشرين سنة، وتخلت عن هويتها المصطنعة من التراث والحداثة بعد أن شعرت بضعفها، وعادت إلى هويتها الأصيلة من جديد.
وهذا يمثل خيبة أمل غربية من جراء نجاح هذه الحركات في إفساد جهد السنين من محاولات التغريب الكامل للمجتمعات المسلمة، وهذا لا يعني أننا متملكون من الأمر، أو أننا لا نواجه أخطارًا جسامًا، فالأخطار ما زالت محدقة ذات أفنان، ونحن أقدر على تجاوزها بعون الله بشرط التمسك بهويتنا، كما قال ـ تعالى ـ: (( ...وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) [آل عمران: 120] .
نقاط على الطريق..
? هذا يجعلنا نعود إلى قضية البعث الإسلامي الحضاري الجديد والحديث عنه.
د/مصطفى حلمي: