فهرس الكتاب

الصفحة 1843 من 3028

فإذا كان الهدف من هذا القرار هو الرقي بالمستوى المعرفي لدى الطلاب، فإن التدريس باللغة العربية لا يمنع من تحقيق ذلك ولا يحول دونه، فقد أجمع علماء اللغة والتربية وعلماء الاجتماع وعلماء التقنية أن من أهم مقومات"مجتمع المعرفة"هو"التفاعل المجتمعي"مع العلوم والتقنية وهذا لن يتحقق إلا عبر اللغة الأم. وقبل ثلاث سنوات تقريبًا اتفقت المملكة مع بعض دول مكتب التربية العربي لدول الخليج على تبني سلسلة من المناهج في العلوم الطبيعية والتطبيقية والرياضيات تصدرها دار نشر في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية وتعتبر تلك السلسلة من أجود ما صدر في تلك الميادين، وقد اشترط الخبراء الأجانب القائمون على تلك المناهج أن تتم ترجمتها إلى اللغة الأم أسوة بدول أخرى تبنتها وقالوا: إنه لا سبيل إلى النجاح في تبني تلك السلسة الممتازة إلا أن تعلم باللغة الأم"اللغة العربية".

هذا ما يؤكده خبراء التربية فكيف نتخلى عن التدريس بلغتنا ونطالب الطلاب بأن يكونوا متميزين في دراستهم؟.

وثمة محظور لا يقل أهمية عما سبقه لأنه لا يحقق الانسجام الفكري والنفسي في المجتمع، فهذه المناهج ستؤدي حتمًا إلى تباين ثقافي حاد بين الأقران وفقًا للغات والمناهج، قد تتعذر معه لغة الحوار الذي طالما حرصت الدولة على إطلاقه ورعايته بين كافة أطياف المواطنين.

فهل بعد هذا يوجد ما يسوغ بقاء هذا القرار قيد التنفيذ؟.

والعجيب أنه ورد ضمن الشروط التي اشترطتها وزارة التربية والتعليم لتطبيق البرامج الدولية والتدريس بغير اللغة العربية أن تكون هذه المدارس: ممتازة في مبانيها / وفي مختبراتها ومعاملها / ومركز مصادر المعلومات فيها / وأن تثبت نجاحها التعليمي وامتيازها في السنتين الماضيتين!!.

وهنا نتساءل: إذا كانت هذه المدارس قد أثبتت نجاحها وتفوق طلابها في المناهج الوطنية التي تدرس باللغة العربية فما هي الحاجة إذًا إلى استيراد مناهج تعليم أجنبية بحجة الرقي بالمستوى الدراسي؟.

ألا يعد هذا فتحًا لأوسع أبواب الغزو الفكري الذي يهدف إلى تربية أجيال على النمط الغربي ويشكل خطرًا على هويات الطلاب وشخصياتهم الذين لا نشك انه سيكون منهم قادةً وصناعًا للقرار، سيما وأن معظم رواد المدارس الأهلية هم من أبناء النخبة في المجتمع ويتوقع أن يديروا دفته في المستقبل. فكيف سيكون الحال عندئذٍ؟.

ختامًا: ليس فينا معصوم، ومن اجتهد فلم يصب الصواب الراجح والكمال المنشود فلا يطعن ذلك في فضله وعلمه ومنزلته ومكانته ولا نملك له إلا الدعاء بالسداد والتوفيق، المؤمنون نصحة والاختلاف لا يفسد للود قضية.

السبت 13 من ربيع الأول 1428 هـ 31 - 3 - 2007 م الساعة 04:47 م مكة المكرمة 01:47 م جرينتش

... شاب مسلم ...

شاب مسلم

د. علي عبد الباقي

مفكرة الإسلام: واقع مجتمعاتنا السياسي والثقافي، وعلاقة هذه المجتمعات بالثقافة الغربية المكتسحة والسماوات المفتوحة، كل ذلك يضغط بإلحاح من أجل النهوض بتطوير حركة الأفكار، وإقامة علاقات جديدة بين أنماطنا الفكرية، في محاولة لإعادة صياغة الفرد العربي والمسلم على أسس تتيح له التواصل مع ثقافات العالم والاستفادة منها، كما تتيح له أن يثق في ثقافته وأسسه المعرفية.

ولن يقوم بهذا الدور الخطير إلا مثقف رسالي، أي صاحب رسالة ودور، يتفانى في خدمة مجتمعه، ولا يجري وراء المنح والهبات، ولا وراء المناصب والإغراءات، ولا وراء الأموال والملذات، وإنما يكون نصب عينيه الصدق والأمانة في النصح لأمته ودينه، وتقديم أفكار أصيلة وشجاعة، وثقافة غير منافقة ولا مهادنة ولا موائمة.

أزمة في البيئة الثقافية

إن مشكلة المثقف العربي هي من أعقد وأشد المشاكل التي تعانيها مجتمعاتنا فهي من أعمق المشكلات التي تكشف عن أزمة تكوين المثقف، وأزمة تشكيل الفكر والثقافة والعقل في العالم العربي. وقد أظهرت هذه المشكلة غربة المثقف عن الشارع المتعطش للثقافة البناءة الحديثة بعد مرحلة من الغزو الضخم للثقافة الرأسمالية للشارع العربي، واستطاع الفكر والثقافة الرأسمالية أن يصلا للمواطن العربي على شكل الطعام والشراب والدواء وأدوات التسلية والترفيه فتشربها حتى ارتوى منها، وهي من أفدح ما أصابه في بنيته الفكرية والثقافية.

ومن أبرز أسباب غربة المثقف التي منعت تفاعل المواطن العربي معه أن الفرد العربي يعاني من عقدة الخوف من النظم السياسية القائمة، وخوفه المستمر شكّل له عقدة تبلورت داخل الأسرة العربية التي بدأت في نمط تربية غريب بدا في محاولة صد الفرد عن الاقتراب من الثقافة الحرة والفكر المخلص ولو كان جريئًا، وأبقته أسيرًا لثقافات دخيلة.

ولا يفوتنا ما تشربه وتعود عليه عقل المواطن العربي من ثقافة سياسية مهزومة داخل المناهج الدراسية التي يدرسها كل فرد عربي منذ بداية نشأته إلى أن يصبح مواطنًا فاعلًا في المجتمع، هذه الثقافة غير الصحيحة والمزيفة عن قصد وعمد، صارت أعرافًا وثقافات لا يجوز الخروج عنها، وصنعت مواطنًا مذعنًا للنظم السياسية وللخرافات والأساطير.

كما تشرّب المواطن العربي العديد من الثقافات الدخيلة عليه عبر طعامه وشرابه ولباسه وأساليب تسليته وترفيهه.

والثقافة المستوردة والمسمومة التي تدخل كل بيت عربي عبر الفضائيات ووسائل الإعلام زادت من التفكك الأسري والانحطاط الأخلاقي والفكري والثقافي، فمعدل القنوات الفضائية الثقافية الجادة إلى جانب القنوات التي تبث الثقافة الفاسدة يعدو 1% وربما أقل، وحتى إن وجدت محطة ثقافية نجدها موجهة بشكل يخدم طرف ما أو نظام ما.

وهناك أيضًا عدم ثقة المثقف العربي في أدبه وتراثه وفكره، وسوء انتقائه للثقافة أو سوء فهمها، وعدم قدرة البعض على التحليل الواعي والمنطقي وتبسيط الموضوعات الهادفة للجمهور الذي غدا يعيش اغتراب الفكر والثقافة، ويشتكي من صعوبتها وتقبلها مقارنة بالأفكار السوداوية التي تغزوه.

استبداد فكري أيضًا

وهناك أزمة أخرى في انعدام الحوار، على اعتبار أن إحدى أهم مسؤوليات المثقف هي قراءة واقع الأمة والمجتمع ووضع الخطط اللازمة لنقلها إلى حالات التطور والتقدم، ولا يأتي ذلك إلاّ عبر المزيد من المنتديات والحوارات والنقاشات الهادفة بين مختلف الأطراف والتيارات الواعية ومن يمثلها؛ إذ إن الاستبداد الفكري قرين الاستبداد السياسي، وهما معًا من نتائج التخلف، ومن أسبابه معًا، فلا بد من فتح باب (الحوار الفكري) مع الثقافات الأخرى، ولكن ليس بالطريقة الديكتاتورية التي فرضت على شعوبنا (الاغتراب) الذي أنتج الاستلاب الفكري والروحي والعقائدي وخلّف الدمار والعجز والتبعية.

نحن نطالب بالحوار الثقافي ـ مع الجميع وعلى أساس من الشعور بالعزة والاستقلال ـ وإلاّ فإن شعار الحوار يتحول إلى طريق ذي اتجاه واحد كما هو السائد الآن؛ إذ الغرب يملي، والشرق منبهر.

ونحن مع الحوار الثقافي ـ مع الجميع، وبشرط التمسك (بالثوابت الأساسية) التي تميز شخصيتنا وثقافتنا و خصوصيتنا الحضارية.

ونحن أيضًا مع الحوار الثقافي ـ مع الجميع وبشرط أن يتم في جو الحرية المتكافئة، لكي يملك العقل زمام المبادرة ويستطيع الانتقاء والاختيار، وإلا فإن الحوار سيتحول إلى مجرد شعار يُخفي تحته أبشع أنواع الخداع والتغرير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت