إن هذا التوق لتحقيق الذات يحدث في العالم الواقعي الذي تتشابك عناصره وتتكاثف وتتكاتف، فيتأثر بها الوعي المباشر تأثرًا مباشرًا؛ ولذلك فإن صراع الاتصال والانفصال لا يدور في الثقافة بل يدور في الوعي. فالحديث عن ثقافة الهوية المتأزمة حديث فيه الكثير من التجاوز. والأدق الحديث عن وعي الهوية المتأزمة حديث فيه الكثير من التجاوز. والأدق الحديث عن وعي الهوية المتأزم، نتيجة الترتيبات غير الملائمة للعالم الواقعي. وهكذا فإن الحلول لتلك التأزمات إنما تلتمس أيضًا في مجال الوعي بالواقع، وليس في مجال الثقافة التاريخية التي يجري اللجوء إليها كثيرًا من أجل اجتراح الحلول.
يواجه الوعي العربي اليوم صراعا مزدوجا يحد كثيرًا من إمكانيات التطوير والتقدير. المستوى الأول للصراع يتم ضمن المجتمع والدولة. والمستوى الثاني بين المجتمعات والدول من جهة ثانية. وليس للأمريكيين الغزاة حلفاء حقيقيون في الداخل العربي. بيد أن الوعي العربي ممزق بين ضروريات التغيير، وضرورات التوحيد من أجل مجابهة تحديات الغزاة. والواقع أن كلا الأمرين لا يمكن تجاوزه أو إعطاؤه أرجحية وأسبقية. وعلة ذلك أن الغزاة لا يمكن مواجهتهم بجدية إلا بالتغيير المتجه لصوت الوجود والمصالح.
** مفكر لبناني
4-فهمي جدعان: أسس التقدم عند مفكري الإسلام، ص ص 95-184 ، ورضوان السيد: سياسيات الإسلام المعاصر، ص ص 157-70.
5-قارن بدراستي: كمسألة الحضارة، والعلاقات بين الحضارات، والدراسات الأخرى: الإسلاميون والعولمة، في كتابي: (الصراع على الإسلام) .
6-قارن بدراستي: الإسلاميون والعولمة، في (الصراع على الإسلام) .
7-قارن بدارستي: مسألة حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي المعاصر؛ بمجلة الأبحاث، الجامعة الأمريكية ببيروت، السنة السادسة والأربعين، 1998، ص ص 3 - 35.
8-صدرت عن (مقاصد الشريعة) عشرة كتب في الأعوام الأخيرة، بينها أربعة عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي. وانظر مراجعة بوثوري الصادرة عن دار الطليعة عام 3002. ومراجعتي عبد المجيد تركي وصلاح الدين الجورشي، بالعددين الثامن والتاسع من مجلة الاجتهاد. 1990.
9-قارن مثلًا بكتاب قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، المعهد العالمي، 1996، ونحو نظام معرفي إسلامي، 2000.
10-قارن بالفضل شلق: الوعي بالعالم، دار الكتاب العربي ببيروت 2000، ص ص 11 - 57.
11-ابن تيمية: الرد على المنطقيين، نشرة بومباي بالهند. 1949 وانظر عنه محمد حسني زيدان: متعلق ابن تيمية ومنهجه الفكري، 1979، ص ص 94 - 137، ووائل حلاق
د. طه جابر العلواني**
ما يهمني هو بيان كيف تحطم مفهوم"الأمة"وتم تفكيكه لصالح دعاة الطائفية السياسية والحزبية والمصالح والولاءات الضيقة؛ بحيث لم يَعُد عند أي من هؤلاء أي ولاء للأمة أو للملة، وذلك ليعلم من بقي من أبناء الأمة أننا في حاجة ماسة، بل في حالة اضطرار إلى العمل الجاد لتحقيق أمرين اثنين:
الأول: توحيد الله -تعالى- وإفراده بالألوهية والربوبية والصفات وتكريس ولائنا -كله- له وحده لا شريك له من حكومة أو طائفة أو حزب أو قبيلة أو سواها.
الثاني: العمل على إعادة بناء الأمة -مفاهيم وكيانا- لعل ذلك يساعد على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ضرورة المراجعة الشاملة
مقاييس مقترحة للمراجعة
درس من التاريخ الأوربي
شروط الاستعداد للتجدد وممارسة الدور
فتنة حديث"افتراق الأمة"
إشكالية الفرقة الناجية
ضرورة المراجعة الشاملة
وأهم ما نحتاجه لتكون البداية سليمة أن نقوم -جميعا- بعملية مراجعة جماعية على مستوى الأمة -"سابقا"- لتراثنا كله، منذ وفاة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والتحاقه بالرفيق الأعلى، وحتى الساعة التي نحن فيها.
وهذه المراجعة يجب أن تكون مراجعة منهجية تنهض بأعبائها الجسام جامعات متخصصة ومراكز بحوث تضم صفوة من علماء الأمة المتخصصين في كل فروع المعرفة. وهذه المراجعة ليست من قبيل الترف الفكري، بل هي مراجعة ضرورية يستحيل بناء مشروع يستهدف إعادة بناء"الأمة"من دونها.
فإننا في كثير من محاولات الإصلاح والتجديد السابقة كنا نهرع إلى المواجهات التي تُفرض علينا، أو نتصدى لها دون قيام بالمراجعة فنفرح بانتصار شكلي أو غلبة مؤقتة لا تلبث أن تتبخر في مواجهة أخرى، وهكذا. فبقيت سلبياتنا الفكرية تتراكم، وأخطاؤنا وانحرافاتنا تترسخ حتى بلغنا هذا الحضيض الذي نتردى فيه.
إننا في حاجة إلى المراجعات الشاملة لعلومنا وثقافاتنا ونظمنا وحركاتنا وتاريخنا -كله- ومهما أخذت هذه المراجعة من جهد ومال ووقت فإنها ضرورة لا بد منها، وشرط مسبق لا بد من تحقيقه، ولا يقبل -بحال- تجاوزه.
وقد يكون لي أن أقترح على إخواني المؤرخين تقسيم تاريخ الأمة إلى مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: هي المرحلة الممتدة من عصر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وحتى عصر التدوين.
المرحلة الثانية: من عصر التدوين حتى بداية مرحلة الاحتكاك بالغرب من موقع الضعف والفرقة والتمزق.
المرحلة الثالثة: وهي التي بدأت فيها الأمة محاولة اللحاق بالركب الغربي الأوربي، ولا ترى مانعا من تبني رؤيته وأفكاره ونظمه وعلومه لإحداث التجديد أو بلوغ الحداثة، ويمكن اعتبار نهاية المرحلة الثانية وبداية المرحلة الثالثة من عصر سليم الثاني، أو دخول نابليون مصر أو أي مفصل تاريخي مؤثر آخر.
وإذا كنا قد ذهبنا إلى اختيار هذا الفاصل؛ لأنه يمثل فاصلا حقيقيا في مجال الرؤية الكلية والمعرفة والثقافة والفكر والتشريع وأنماط السلوك والحياة، فهذه -كلها- في المرحلة الأولى كان المنطلق فيها من الإسلام؛ فهو المرجعية المطلقة والوحيدة فيه.
أما المرحلة الثانية فقد تغيرت المرجعية فيها فصارت مزدوجة تجرى فيها مقاربة معطيات مرجعية -من فلسفة وعلوم موروثة عن الأوائل وسواهم- بالإسلام.
وفي المرحلة الثالثة دخلت المرجعية الغربية إلى الساحة بالمقاربة ثم المقارنة، وهكذا حتى ألف المسلمون ذلك وهيمنت المرجعية الغربية على حياة المسلمين كلها؛ من النظام السياسي إلى نظام إدارة المساجد والمؤسسات الدينية. وأرزت المرجعية الإسلامية، وانكمشت لتحصر في دائرة ما عرف بـ"الأحوال الشخصية". وحتى هذه بقيت المرجعية الغربية تزحف عليها وتنقصها من أطرافها حتى لم يبق منها إلا القليل الذي تجرى الآن عملية إنهائه والتخلص منه.
مقاييس مقترحة للمراجعة
ولقائل أن يقول: وماذا عن"الصحوة الإسلامية"والبنوك الإسلامية والتعليم الإسلامي، بل والانقلابات الإسلامية، والحكومات الإسلامية، والحكومات التي انبثقت عنها، بل هناك"السياحة الدينية"بتكرار الحج والعمرة لدى فريق، وزيارة أضرحة الصالحين وشهداء آل البيت، ألا يدل ذلك على أن المسلمين ما يزالون بخير؟ فأقول:
إن هذه الممارسات -كلها- تنطلق من فكر المقاربات والمقارنات، ومن إحساس عميق بالهزيمة والإحباط، ورغبة شديدة في الغياب عن الشهود، فالشهود قاسٍ معذب مؤرق موجع، والكل يحب الغياب، ولكلٍّ وجهته في التخلص من عذاب الشهود بالغياب، أي غياب، لكن ذلك -كله- لا يغير من حقائق الواقع شيئا.