إن مراجعة تفاصيل تراث المراحل الثلاث ضرورة لا بد منها، ولا بد أن يتم ذلك وفقا لمقاييس صارمة مطردة منعكسة لا تحابي أحدا ولا تجامل فرقة ناجية أو هالكة.
وهذه المقاييس المقترحة للمراجعة يمكن تحديدها إذا طرحنا على كل معنيٍّ بجانب من جوانب المراجعة الأسئلة التالية لعلها تعيد بناء وترميم حاسة المراجعة لدى هؤلاء، وهي:
الأول: كيف بنى الله -جل شأنه- هذه الأمة، وكيف صنعها على عينه؟ وما هي دعائم ذلك البناء، وما هي الخصائص الذاتية التي أودعها الله ذلك الكتاب وأناط بها بقاءه واستمرار تقدمه ودوامه، أو غرس فيها قابليات التجدد وقابليات الانهيار، واستعدادات الاستقامة، وبذور الانحراف.
الثاني: بعد أن يجري تحديد ذلك بأقوى وأعلى ما يمكن من أوجه الدراسة المتعمقة، والتحليل الدقيق يطرح السؤال التالي:
كيف يمكن أن نصحح العقيدة والرؤية الكلية القائمة عليها بحيث نجعل منهما وسيلة ومنطلقا لإيجاد وعي عقيدي صادق يتسم بالحيوية والحياة والحركة، قادر على فهم التاريخ، وتحليل عناصره، واستيعاب دروسه، وتحويلها إلى رافد يرفد الوعي، ويزيد في حركيته، وعي يستطيع إدراك العلاقات المتينة بين سلامة العقيدة، وصحة الرؤية الكلية، وقوانين القوة والطاقة المادية والمعنوية، هذه القوانين التي بثها الله -تبارك وتعالى- في القرآن والإنسان والكون، وهي قوانين وسنن ثابتة لن تجد لها تحويلا ولا تبديلا، الإنسان مسئول مسئولية مباشرة عن اكتشافها، ومعرفة كيفية توظيفها بصرامة منهجية لا تقل عن ثبات السنن وصرامتها، وذلك لإحداث حالة"العلو"،"الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"وتجاوز حالة"الاستعلاء المفتعل". فبلوغ ذلك يمنح الأمة"حالة التفوق".
"والجمع بين القراءتين"الذي ننادي به ونصر عليه، هو السبيل للكشف عن تلك السنن وبلوغ تلك القوانين، وهو الذي يقود بدوره إلى:
الشرط الثالث: وهو مراجعة الحالة العقلية والنفسية للأمة مراجعة شاملة ودقيقة، من شأنها أن تمكن من الكشف عن سائر العناصر السلبية في فكر الأمة، وكيف نشأت، ومم نشأت، وما الذي أدت إليه، وكيف يمكن تطهير عقلية ونفسية الأمة من تلك الإصابات؟ وكيف يمكن إيجاد جهاز مناعة يمنع من إصابة العقلية والنفسية الإسلامية بهذه السلبيات في المستقبل؟.
ولا بد من الكشف عن مبادئ ووسائل تكوين آلية عقلية ونفسية تعمل على تشكيل طاقة فكرية سليمة ومعطاءة تؤدي إلى توليد ذاتي لعناصر المناعة والقوة، وإيجاد الأفكار السليمة باستمرار لئلا يكون هناك فراغ تمتد الأفكار السلبية فيه، وهذه الآلية هي التي تجعل العقل المسلم قادرا دائما على قراءة المعطيات الكونية وموجهات القرآن لفهم القوانين والسنن التي تجعله ممسكا على الدوام بعناصر القوة المعنوية والمادية في توازن تام.
الرابع: إدراك فعل الزمن وصيرورته في تغيير مستويات القوة والتفوق، وأثر ذلك في تغيير الوسائل والإمكانات التي تمكن من توظيف مؤشرات الوحي وقوانين الكون وسننه، والطاقات الإنسانية بشكل علمي منهجي مترابط قادر على توليد عناصر القوة المناسبة للمستويات المختلفة، فلا يحدث خلل أو فراغ أو تعطيل في أي جانب.
الخامس: إدراك العلاقات الجدلية القائمة بين الغيب والإنسان والكون. هذا الإدراك من دونه يتعذر أن يتمكن العقل المسلم من القيام بمتطلبات النقد والمراجعة التي تقود الإنسان المسلم إلى حالة التجدد والتجديد.
إن لأمريكا ولأوربا والصين وروسيا والدولة العبرية أهدافا محددة واضحة من بلوغ"حالة التفوق"، وهي باختصار: توجيه مقومات هذا التفوق بكل أنواعه لكسر إرادة الآخر، ودفعه إلى الاستسلام لإرادته أو القضاء على مصادر هذه الإرادة، وهي عقيدة ذلك الآخر ورؤيته الكلية، ونموذجه المعرفي والتنظيمي، وقدراته الإنتاجية. أو حمله على قبول مبدأ التبعية لتلك الذات، أو القضاء عليه ذاته، ولذلك تتنوع وتتعدد الوسائل المستعملة من قبل الذات ضد الآخر من وسائل سياسية إلى ثانية عسكرية، إلى اقتصادية وفكرية وثقافية وإعلامية وعلمية. وقد تستعمل -كلها- مرة واحدة، وذلك بحسب ما يراه الطرف المتمثل بالذات، وتقديره لمستوى إرادة الطرف الآخر وما ينبغي توجيهه ضده لتحقيق الهدف وكسر الإرادة.
ونستطيع القول: إن ما استُعمل ضد الشعوب العربية والإسلامية التي كانت تشكل"الأمة المسلمة"في تاريخنا الحديث كان شاملا لكل تلك الوسائل لم يستثن شيء منها، فقد أخضعت لضغوط عديدة تحت شعار"حماية الأقليات غير المسلمة"أو أي شعار آخر، وحين اكتشفوا ضعفها عن المقاومة، وذلك -كله- على خلاف ما اعتادوه منها في تاريخه البعيد، أخضعوا أهم حواضرها لقبول الاختراق التعليمي والتجاري والمالي والسياسي، ثم الغزو العسكري، والاحتلال المباشر لتفكيك منظوماتها العقيدية والفكرية والسياسية والقضائية والشرعية، وتفريغها وجعلها على استعداد لقبول البدائل الغربية، وذلك -كله- تمهيدا لإدماجها في تيار"العولمة الحداثي"أو ما بعد الحداثي.
وهذه هي المرحلة التي نحن فيها. مرحلة تفكيك سائر ما بقي من البنى وجميع أطلال المنظومات تمهيدا لإعادة تشكيل الأمة المسلمة وفقا للتصور الغربي الصهيوني.
إن ابتلاء الأمة بالمصائب والكوارث، ومنها كوارث الاحتلال، وهيمنة الأعداء يفترض فيه أن يدفع الأمة -غالبا- إلى عمليات المراجعة والنقد، إذ إن الصدمات التي تحدثها عالية جدا في طاقاتها بحيث تدفع بكل فصائل ذلك الشعب أو الأمة إلى وقفة مع النفس وبحث عن الأسباب، ومجموعة المشاعر التي تحدثها تلك الصدمات كفيلة بإخراج الناس من سائر مؤثرات الحالة الرتيبة والسلبيات التي تكتنفها إلى حالة مراجعة تحقق التجديد.
درس من التاريخ الأوربي
إن في فتك الكنيسة بالعلماء أمثال"جاليليو"في بداية عصر الأنوار دلالة واضحة على أمرين:
الأول: أن الكنيسة كانت ترفض أية مراجعة حتى للمسلمات الخاطئة حول الأرض، وعناصر الكون؛ لأن المراجعة سوف تهز القواعد العقيدية التي تمثل المرجعية لتوليد الرؤية الكلية، المولدة لأصول ومنطلقات القوة.
الثاني: أنها ترفض -في الوقت ذاته- أن تفتح الباب أمام اتخاذ أية مرجعية أخرى، ومنها مرجعية العلم؛ لأن ذلك يعني أن مرجعيتها في تقديم المضمون الفكري والعلمي للبشرية سوف تنتهي، أو في أحسن الأحوال سوف تتقلص، وبالتالي تنتهي هيمنتها على مصادر التكوين العقلي والنفسي وتوليد أصول القوة.
ولذلك فإن علينا أن ندرك أن لدينا قوى كثيرة ترفض المراجعة، والاعتراف بالقصور، وتمارس حالات استعلاء كاذب لا أساس له. وهذه القوى موزعة بين تياري التراث والحداثة معا. ولذلك فإن مهمتنا ستكون شديدة الصعوبة، ومعاركنا ضد هذه القوى الرافضة للمراجعة طويلة المدى، لكن الله معنا، وحركة التاريخ لصالحنا، فكيف نقوم بتسخيرها؟.
شروط الاستعداد للتجدد وممارسة الدور
من هنا فإن على المعنيين بقضية"الخلاص والإصلاح"في الأمة المسلمة أن يكونوا:
أولا: على وعي تام بقواعد وأسباب الحركة التاريخية، وأن يقودوا عمليات المراجعة لتاريخ الأمة وتراثها وحاضرها بعد الكشف عن تلك القواعد والوعي بها.
ثانيا: هم في حاجة ماسة إلى الوعي بالأبعاد العقيدية وأركان العقيدة وأصولها -كما يقول الكلاميون- وعلاقاتها بأصول القوة، وقوانين الحركة التاريخية.