ثالثا: الوعي بالعلم، والإيمان بأنه ركن لا يصلح شيء دونه، وأن الأمة تكتسب من عناصر القوة ومصادرها بقدر ما تكتسب من العلم. وأنه إذا كان الله -تبارك وتعالى-قد فرض بالدليل القطعي من القرآن على الأمة الأخذ بسائر أسباب القوة المادية والمعنوية بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ} (الأنفال: 60) ؛ فإن ذلك فريضة محكمة وقانون إلهي وكوني لا يمكن للإنسان أن يتدين به ويطبقه من دون العلم، فإن الخطاب القرآني العالمي يتعامل مع كل عصر بحسب سقفه المعرفي، والوسائل والتقنيات التي تتحكم بحركة كل عصر وسائل تختلف.
وهنا أود أن أنبه إلى أن خروج المسلمين من عهدة الفرض الإلهي في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ} لا تتحقق بشراء واستيراد الأسلحة الجاهزة منهم. بل هو ذنب آخر يبوء به المسلمون المستوردون لتلك الأسلحة. كما أن الاعتماد على الغير، ومن ذلك الغير تلك المنظمات المسخ التي لا يعتد بها إلا الضعفاء، ونسبة الوهم الآخر الذي يسمونه بـ"الشرعية الدولية"!! وطلب النصرة منها فقط اعتمادا على غير الله، وطلب للنصر من سواه، فلا بد أن ينسب النصر ويحصر بالله تعالى خالق الكون والإنسان والحياة، وواضع السنن والقوانين، وهو القادر على تحقيق نتائج القوانين والسنن، وترتيب المسببات على تلك الأسباب.
رابعا: الوعي بأهمية المال والدور الخطير الذي يؤديه في بناء أسباب القوة للأمم، ولذلك اشتد اهتمام القرآن به وبتنظيم عوامل الحصول عليه، وتوظيف سائر قوانين التسخير للكون والخلق للحصول عليه، وتنظيم وإنماء عوامل ووسائل الإنتاج. وتناول القرآن المجيد وسائل التوزيع ووسائل استعمال الفائض إن وجد، ونهى عن وضع ذلك بأيدي السفهاء، وهو وصف في غاية الخطورة، فقد وصف به المنافقون، قال الله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (النساء:5) ويقول في المنافقين: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} (البقرة:13) ذلك يعني أن المال مصدر من أهم مصادر بناء الأمم وتشييد قوتها.
وهنا لا بد لحمَلة ألوية التجديد والإصلاح في الأمة من الوعي بخطورة كبائر تمكين أعداء الأمة من أموالها ومواردها، سواء بالهبة أو الإيداع، أو خفض الأثمان. ورهن مصادر أموال الأمة لدى أعدائها بطريق القروض والرهون وما إليها من وسائل معاصرة لتبديد أموال الأمة.
خامسا: الوعي بأهمية الإنسان عقلا ونفسا وجسما، وهنا يتم تشغيل مجموعات هائلة من القواعد القرآنية والسيرة النبوية العطرة والسنن الثابتة لبناء الإنسان السوي الذي يصلح أن يكون لبنة صالحة سليمة قوية في بناء الأمة.
ورصد القرآن سائر السلبيات التي شلت إنسان هذه الأمة ونزلت به عن مستوى النموذج الذي رسمه القرآن بقوله تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (النحل:75، 76) .
فمن هو المؤمن القوي الذي فضله رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- على المؤمن الضعيف، إنه القوي الأمين الغني القادر على أن يسد احتياجاته وينفق على نفسه وسواه سرا وجهرا. إنه الهادي المهتدي الذي يعرف كيف يكون على صراط مستقيم حين تلتبس بالناس السبل، ويعرف كيف يأمر بالعدل ويحققه، ويجعله مع القيم الأخرى واقعا تستظل البشرية بظلاله الوارفة. إنه المؤمن الذي يدرك كيف يكتسب كل أنواع العلوم والمعارف والخبرات ويستفيد من التجارب، ويوظف سائر قواه وطاقاته العقلية والنفسية والجسمية أحسن توظيف. وفي مقدمتها قوى وعيه الثلاث"السمع، والبصر، والفؤاد".. ذلك هو المؤمن القوي. وذلك هو العنصر الصالح لأن يكون عضوا في هذه الأمة.
سادسا: فإذا اجتمعت كل تلك العناصر فلا بد من الكشف عن كل قوانين التأليف بين هذه العناصر وسائر القوانين المضادة لتلك القوانين. والقرآن المجيد لم يغادر شيئا من هذه القوانين إلا وتناوله، وكل المطلوب نهوض أهل الذكر بأعباء الفهم والتحليل والعمل على تفعيل هذه القوانين بعد استيفاء ما تقدم لبناء القوة الفريدة"الأمة".
إن الأمة حين تقوم بالوعي بكل ما تقدم وتحسن مراجعته، تكون قد قامت بالمراجعة واستوفت شروط الاستعداد للتجدد ولممارسة الأدوار المنوطة بها بشكل لا يخالطه أي شك ببلوغها أهدافها إن شاء الله تعالى.
إننا نأمل أن تكون وقائع القرنين الماضيين وبدايات هذا القرن قد أفرزت وشكلت دوافع، لا نقول كافية، بل زائدة عن الحد لحمل أبناء أمتنا على القيام بالمراجعة والوقوف على طريق التجديد بعون الله تعالى وفضله وعزته ونصره {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق: 37) .
وحين بنى الله -تبارك وتعالى- هذه الأمة الشاهدة أوضح بما لا يدع مجالا للنقاش أن الباني لهذه الأمة وواضع أسس بنائها هو الله -جل شأنه- وأن من كلف برفع قواعد هذا البناء -الأمة- هو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- متبعا في ذلك ما أوحي إليه من ربه. إذ إن الأمة هي خليفته من بعده في مهمة الشهادة على البشرية، والحضور الدائم بينها حتى قيام الساعة {وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} (الحج:78) .
والله -عز وجل- تكفل بعصمة رسول الله من الناس {والله يعصمك من الناس} (المائدة:67) فما نال منه أحد. وتكفل بحفظ القرآن {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر:9) فلم يستطع أحد النيل منه، لا في عصر نزوله ولا فيما تلاه، وسيبقى محفوظا بحفظ الله -تعالى- إلى يوم الدين.
والأمة المسلمة تكفل الله -بذاته العليا- بالتأليف بين قلوبها مشروطا دوامه وبقاؤه باعتصامها بحبل الله. فإذا أرخى المؤمنون أيديهم عن التمسك بحبل الله -تعالى- سقطت حالة التأليف، وعادت حالة العداء. ولقائل أن يقول: ولِمَ لم يكن الأمر قدرا حتما كما كان الحال في"عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم"وحفظ القرآن؟ والجواب: أن الإنسان حُمل أمانة الاختيار، فباختياره يعتصم بحبل الله، أو يفرط فيه، وللاعتصام شروطه ودرجاته، وللتفريط دركاته.
والله -تبارك وتعالى- هو الذي يعلم من الأمة استيفاءها لشروط التأليف، فيؤلف بينها {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} (الأنفال:63) أو عدم استيفائها لتلك الشروط، وآنذاك لن تجتمع على شيء، ولن يستطيع أحد جمع كلمتها.