وعلى هذا، فعلى عناصر الأمة المفرقة الممزقة أن تسعى لاستيفاء شروط التأليف في كل عصر بحسبه، ثم تتعرض لنفحات الله -تبارك وتعالى- ليمن عليها بالتأليف بينها، وإعادة وحدتها وكيانها.
فتنة حديث"افتراق الأمة"
إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب بعد أن ضرب الإسلام فيها ونزل قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة:3) ، كما يئس من اجتيال الأمة -كلها- عن دينها. ورضي من دون ذلك بما يحقر الناس من أعمال. ولم يستطع إبليس اللعين بكل ما أجلب على القرآن من خيل ورجال وكهانة وسحر ومحاولة معارضة وتشويش أن يخترق هذا القرآن، الذي حال الله -تبارك وتعالى- بينه وبين اختراقه وحفظه وحرسه بنسفه، فعمد اللعين إلى فتنة التفسير والتأويل وفتنة الأحاديث.
أما فتنة التفسير فقد استطاع اللعين وأنصاره أن يحملوا على القرآن المجيد فيه كل التراث الزائف المريض الذي حفل به تراث الأمم السالفة -مستغلين تماثلا موهوما بين بعض موضوعات ومحاور القرآن، وتراث تلك الأمم في قضايا الخلق وقصص الأنبياء والأحداث الكبرى كالطوفان وما إليه. وشتان بين ما أورده القرآن في هذه الأمور، وما جاء في التراث المريض الموبوء، فالقرآن في كل ذلك جاء بالصدق وصدق به. أما ذلك التراث فقد زيف الصادق، وحرف الكلم عن مواضعه، وكان الكذبة -والويل لهم- {يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (آل عمران: 78) .
وأما التأويل فقد أسرفوا فيه، وبالغوا، بل أتوا فيه بالعجائب.
وأما فتنة الأحاديث فقد كانت فتنة عمياء مضلة، حيث قامت حركة وضع وفبركة وأكاذيب تداعى لها الوضاعون ومحترفو الكذب، فنسبوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الألوف من الأحاديث الموضوعة التي نزه الله لسان نبيه الشريف عن قول شيء منها. ونسبوا إلى الصحابة من الآثار ما لم يقل أحد منهم شيئا منها.
ومع أن جهابذة علماء الأمة قد أسسوا علوم الإسناد وعلوم الرجال، وجعلوها من الدين وبذلوا فيها من الجهود ما لم تقم أمة بمثل جزء منه. بيد أن أعدادا محدودة من تلك الآلاف الكثيرة قد نفذ من معايير ضوابط الأسانيد، وضوابط نقد المتون فوصل إلى عقول الناس واشتهر على ألسنتهم، وشاع بين القصاصين والواعظين والراغبين في نقل وتناقل الغرائب، فتوهم الناس أنه صحيح، فتمسكوا به، وعملوا بمقتضاه، فولد ثقافة مريضة، وأفكارا معطوبة، وسلوكيات منحرفة أورثت الأمة فرقة وضعفا وانحرافات غاية في الخطورة.
وبعض علماء الفرق والمذاهب والطوائف وجدوا في بعض هذه الأحاديث ما يستطيعون دعم بعض آرائهم ومواقفهم به إذا اتخذوه شاهدا أو دليلا، فابتكروا دعوى"التواتر المعنوي"لما عز عليهم أن يجدوا له سند صحة فضلا عن دليل تواتر. وأضافوا إلى تلك الدعوى دعوى غامضة أخرى لا تندرج تحت أية قاعدة منهجية، وهي:"تلقته الأمة بالقبول".
وكلتا الدعويين"التواتر المعنوي"، و"تلقته الأمة بالقبول"دعاوى غامضة لا تلتقي مع المناهج التي وضعها المحدثون أنفسهم، ومع ذلك فقد استعملت في تصحيح وتعزيز أحاديث تعلقت بموضوعات في غاية الأهمية. والحديث الذي يهمنا تناوله من بين تلك الأحاديث في بحثنا هذا حديث"تفرق الأمة"وهو نموذج من أخطر النماذج التي تسللت إلى عقل الأمة تحت ستاري"التواتر المعنوي"و"تلقته الأمة بالقبول".
وهذا الحديث بألفاظه المختلفة قد أحدث في بناء الأمة شروخا ما تزال تعاني منها إلى اليوم. ولا ندري متى تتمكن الأمة من الانعتاق منه ومنها. بعد أن تأسست علوم صارت تشكل أقساما دراسية في جامعاتنا وكلياتنا المعاصرة وحوزاتنا العلمية. فعلم"الفرق والملل والنحل"قد قام على أساس من هذا الحديث.
إن حديث"افتراق الأمة"جاء بألفاظ كثيرة تتجاوز العشرين لفظا، من طرق عديدة، منها: طريق علي -رضي الله عنه- وأبي هريرة، وأنس بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم. وقد أخرج الترمذي وأبو داود وأحمد وابن عبد البر وابن وهب في جامعه، وروايته أغرب الروايات حيث زاد في عدد الفرق زيادة لم نجدها في روايات غيره، حيث أورده بلفظ:"إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وثمانين ملة، وستفترق أمتي على اثنتين وثمانين ملة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة". وقد اختلفت ألفاظه اختلافا شديدا، فلم نجد لفظين منها قد اتفقا. كما أن أسانيده -كلها- لم يخل واحد منها من راو أو أكثر ضعيف، أو مجهول، أو مخطئ، أو مختلف فيه أو صاحب بدعة أو منكر الحديث.
وقد جمع المحدث الكبير الشيخ محمد يحيى سالم عِزّان روايات حديث"افتراق الأمة"فوجد كما وجدنا أن ألفاظه شديدة الاختلاف، وأن تلك الاختلافات في نقل ألفاظه كانت ذات تأثير كبير في اختلاف معانيه.
وحين نستعرض ما جمع من روايات الحديث يُلاحظ أن الروايات التي حظيت بتصحيح بعض المحدثين وتخريجهم جاءت بألفاظ تخبر بأن هذه الأمة سوف تتعرض إلى (داء الاختلاف) كما عرض ذلك الداء لأمم خلت من قبلها. ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حين يحدث الأمة بمثل هذا الحديث فإنه يعظها، ويقوم بعمليات تحذير مسبقة لتحصينها من ممارسة ما قد يؤدي بها إلى الفرقة والاختلاف المدمرين لكيانات الأمم. فهو ليس كما فهم الكثيرون بأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يخبر بذلك باعتباره نبوءة أو كما سموا مثله (أعلام النبوة) فيكون بمثابة قدر مقدور لا حيلة للأمة بدفعه ولا بد من وقوعه. بل هو وعظ وتحذير من الوقوع في مستنقع الاختلاف.
فإذا وقع الاختلاف بالرغم من جميع الاحتياطات التي اتخذتها الأمة، فهنا لا بد من الوقوف في وجه الباغي حتى يثوب إلى رشده، إذ إن هذا الحديث بذلك -وحده- يصبح منسجما مع قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات:9) .
وبذلك تكون الأحاديث الصحيحة واردة أساسا على تحذير المؤمنين ووعظهم أن يسقطوا في براثن الاختلاف؛ فإن حدث ووقع ذلك بينهم فالمخرج منه ما ذكره الله -تبارك وتعالى- من الاحتكام إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في حياته، وبعد وفاته إلى الكتاب الكريم وبيانه من السنة.
أما ذلك الفهم الذي أدى إلى قيام"علم الملل والنحل والفرق"فإنه نظر إلى هذه الأحاديث على أنها إخبار من الصادق الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم- بوقوع ذلك الافتراق حتما. ونظرا إلى وجوب تصديق رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في كل ما يخبر به، فقد اعتبروا أن الافتراق والاختلاف والتنازع قدر حتم لا راد له، وما علينا إلا أن نستسلم له ونرضخ ونتنازع من هي الفرقة الناجية والهالكة. وهذا ما لا يمكن أن يكون مراد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يتفق مع ظاهر القرآن في التوكيد على التأليف بين المؤمنين، وجمع كلمتهم ونبذ ما يفرق بينهم، والعمل على احتوائه والتقليل من آثاره عندما يحدث.
إشكالية الفرقة الناجية