لقد اقترن مصطلح المركزية الأوروبية بمصطلح الاستشراق . فأوروبا موجودة كي تنتج عالمًا جديدًا تقوده هي و من ثم أتت الولايات المتحدة الأمريكية بعدها لتلعب هذا الدور . و قد تكونت في أوروبا كل الذرائع من أجل نشوء وعي جديد بها ووعي بالآخر.
حتى أصبح العالم كله متحاميًا بأوروبا , ووفق الدراسات البنيوية فإن أوروبا هي التي أنتجت الاستشراق و مع ذلك علينا ألا ننظر إلى أوروبا على أنها بنية ذات نسق واحد و هو الخطأ الذي وقع فيه كثير من المفكرين كالمستشرق ( إدوار سعيد ) , و كيبلينغ الذي قال: ( الشرق شرق و الغرب غرب و لا يلتقيان ) .
و يضيف د. تيزيني بأن هذا الوضع أدى إلى ظهور نزعة عربية سميت ( الاستغراب ) بدأ بها إدوار سعيد و جاء بعده الأستاذ حسن حنفي حيث يرى أنه يجب علينا أن نستعيد البضاعة التي أخذت منا .
و بالنتيجة فإن الاستشراق و الاستغراب كلاهما يفضي إلى الآخر و هما خطابان إيديولوجيان لم يتأسسا على المعرفة .
وحديثًا هناك مستشرقون كرسوا فكرة نهاية الاستشراق مثل رودنسون الذي يرى أن الاستشراق لم يعد له وجود و إنما هناك أنظمة علمية تشتغل على المعارف لذلك نشأت مراكز البحوث كبديل عن الاستشراق و هي تعول على إنتاج المعارف .
كما أكد د. عبد الرحمن البيطار على أن الاستشراق مصطلح إشكالي يحتمل كثيرًا من التفسيرات و القراءات , و ذكر العديد من المؤلفات و المراجع التي تحدثت عن علاقة الشرق بالغرب.
وقال بأن ما ساهم في نشوء الاستشراق هو وقوع أمتنا تحت السيطرة الأجنبية و حالة التجزئة التي عاشتها وقد اكتمل هذا الوضع و تحقق بشكل تام في نهاية الحرب العالمية الثانية . و كان للاستشراق الدور الأكبر و الأهم في وقوع كل عواصم التاريخ العربي الاسلامي تحت الاحتلال الذي فرض سيطرته و ساهم في خلق حالة من التجزئة , و عرف الغرب بالشرق فعمد المستشرقون المغرضون إلى تشويه صورتنا في أعين المفكرين الغربيين و العرب على حد سواء . فيقولون: الغرب هو الذي أتى بالحضارة فلماذا لا نتبعه في كل الأمور الأخرى .
وقد اهتم المستشرقون بدراسة جميع مراحل تاريخنا العربي و اهتموا بما سبقه من تاريخ الرومان و اليونان , و فسروا التاريخ بما جاء في التوراة .
يقول صلاح الدين المنجد: ( إن المستشرقين طرقوا كل ناحية من النواحي الثقافية و نبشوا المئات من كتبنا , فكان هناك قسم لم يملك اللغة فأخطأ وقسم أثرّ فيه التعصب , و قسم أنجز دراسات مميزة لضلوعه في التاريخ ) وقدصدر كتاب ( الشرق الأدنى ) عام 1948 لمؤلفه بويلر يونغ , يتطرق إلى المشكلات المعاصرة لشعوب الشرق الأدنى ,و هو يعطي صورة واضحة عما يحدث الآن , و هناك كتاب صدر عام 0 191 بعنوان ( الغارة على العالم الاسلامي ) المؤلف فرنسي يرى أن على فرنسا أن تعمل في بلاد الشرق عملًا مبنيًا على قواعد التربية العقلية .
وهناك كتاب ( يقظة العالم الاسلامي) للمؤلف برن الصادر عام 1954 و المترجم عام 1956 حيث يتطرق لدراسة التار يخ الحديث و يظهر خوفه و خوف السياسة الغربية من عودة الوحدة للأمة العربية كما ذكر د . البيطار الكثير من الكتب التي تتحدث عن علاقة الشرق بالغرب .
27 / 06 / 2007 ... أ / خالد أبو الفتوح
نشرت جريدة الأسبوع القاهرية في شهر يناير الماضي تفصيلات خطط أمريكية لما أطلقت عليه: (أمركة الخطاب الديني للمسلمين) ، وجاء فيما نشرته الصحيفة أن أمر تطوير الخطاب الديني كان جزءًا من الحملة الأمريكية الأولى على ما وصفته بالإرهاب... وفي تفصيلات الخطط الأمريكية التي أوردتها الصحيفة: أن وزارة الخارجية الأمريكية شكلت لجنة تعرف باسم: (لجنة تطوير الخطاب الديني في الدول العربية والإسلامية) وأن هذه اللجنة انتهت ـ على حد قول الصحيفة ـ من توصياتها فعلًا وأنه سوف يتم تبليغ الدول بها، مع توضيح أن استمرار المعونات الأمريكية مرهون بتنفيذ هذه الخطط.
وتتمثل التوصيات الأمريكية في:
? تهميش الدين في الحياة الاجتماعية للناس؛ وذلك عبر إغراق الشعوب العربية والإسلامية بأنماط مختلفة من الحياة العصرية الغربية وحيازة التكنولوجيا الحديثة (التكنولوجيا ذات الطابع الترفيهي) .
? التقريب بين الديانات الثلاث اليهودية والنصرانية والإسلام عن طريق تكوين لجنة عليا من المحمديين (أي المسلمين) والمسيحيين واليهود؛ لتبصير كل شعوب العالم بالتقارب بين الأديان الثلاثة - كما تتحدث الخطة ـ وتقترح ضمن ما تقترحه بشأن هذه اللجنة أن تعمم هذه اللجنة توصيات ملزمةً لكل الدعاة في العالم العربي والإسلامي بحيث لا يخرجون عن هذه التوصيات.
? تحويل المسجد إلى مؤسسة اجتماعية تتضمن حدائق للأطفال والسيدات (فقدان المسجد لهيبته وخصوصيته) ، وأن تتولى الإشراف عليه شخصية غير دينية ناجحة.
? خضوع خطبة الجمعة والخطباء تحت رقابة أجهزة الأمن في الدولة، وأن يتم البعد عن تسييس الخطبة، أو تعرضها للجانب الحياتي أو المجتمعي بمعنى (علمنة الخطبة) ، أي منع الحديث عن الأمريكان أو اليهود، أو الحديث عن الجهاد وبني إسرائيل.
وتهدف الخطط الأمريكية إلى أن تصبح خطبة الجمعة حلقةً نقاشيةً للجميع لا ينفرد بها الخطيب وحده؛ حيث ستكون الخطبة بذلك أكثر ديمقراطيةً ـ في نظرهم ـ، كما تهدف أن تشارك المرأة في خطبة الجمعة، حيث رأوا أنه لا توجد نصوص دينية تمنع المرأة من ذلك.
? وأن يكفل للمرأة سبل الاختلاط مع الرجال والمشاركة في التدريب على الانتخابات لتعليم المرأة الديمقراطية.
? إلغاء مادة التربية الدينية الإسلامية، مع تخصيص يوم كامل للقيم الأخلاقية والمبادئ بدلًا منها، والعمل على اكتساب الطلاب مهارات التسامح، والتحرر من اعتقاد المسلمين أنهم خير أمة أخرجت للناس!، وأن يعلم الجميع أن العقائد والأديان هي نتاج التنشئة الاجتماعية والأفكار المسبقة، وأن الانتماء للإنسانية هو الجامع لهم، أما المعتقدات فهم أحرار فيها.
? ماذا وراء الجعجعة:
الحديث عن ضرورة أن يراجع المسلمون قيمهم وتصوراتهم ويعدلونها بما يوافق التغيرات العالمية ليس جديدًا، فقد ظهر بعد انتهاء الحرب الغربية الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، ثم نشط بشدة بعد أحداث سبتمبر 2001م، ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن ما نشرته الصحيفة جاء عقب مبادرة باول المسماه (مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط) وما تلاها من أنشطة وإجراءات على المستويات المحلية مست مناهج التعليم و (الخطاب الديني) .