مبادرة باول أعلنت يوم 12/12/2002م أمام مؤسسة التراث بواشنطن (مؤسسة يمينية أمريكية) ، وتركز ـ كما أوضح باول نفسه ونائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والمسؤولة الرئيسية في الوزارة عن المبادرة ـ على أربعة ميادين مختلفة: الإصلاحات الاقتصادية، الإصلاحات السياسية، الإصلاحات التعليمية، وتمكين المرأة.. وهذه الوصفة ليست إلا جزءًا من استراتيجية شاملة يراد تطبيقها في المنطقة، وكما يقول مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وليام بيرنز في مؤتمر (مركز دراسة الإسلام والديمقراطية) الذي انعقد في واشنطن يوم 16/5/2003م: «إن التحول إلى الديمقراطية يعني تغيرًا تدرجيًا وإن كان حقيقيًا شاملًا، وإن هذا التغير يتضمن أكثر من مجرد إجراء انتخابات، إنه يشمل عملية بناء المؤسسات السليمة وحكم القانون والمجتمعات المدنية النابضة بالحياة والنشاط برمتها، وهي عملية مؤلمة صعبة متدرجة متطورة، وأحيانًا محفوفة بالمخاطر"، ثم يتابع: «.. ولا يمكننا أن ننظر إلى هذا وكأنه قائمة طعام في مطعم يمكننا اختيار بعض الأطباق فقط منها، فنسعى إلى تحقيق هدف ما ونهمل الأهداف الأخرى، فكما أوضح الرئيس بوش في خطابه المهم في جامعة ساوث كارولينا في التاسع من مايو: إن الولايات المتحدة مصممة على أن تقود بنشاط جهود السعي إلى تحقيق جميع هذه الأهداف، بمشاركة قيادات وزعامات المنطقة» ."
? شنشنة قديمة نعرفها:
والآن لننظر نظرة متأنية إلى دوافع وأهداف هذه الحملة الجديدة على ثقافتنا وقيمنا، لنجد أن هناك دوافع مباشرة تجلت في الرغبة في: الحفاظ على الأمن الأمريكي القومي الذي تهدد بقوة بأحداث سبتمبر وتداعياتها، وتحقيق المطامع الأمريكية في منطقتنا، وهذا ما سنوضحه أكثر فيما بعد.
وهناك أيضًا أهداف قديمة (استراتيجية وثابتة) لا يفتأ الغرب (النصراني) عن محاولة تحقيقها والوصول إلى أكبر قدر ممكن من المكاسب فيها على أرض المسلمين؛ ومن أبرز المحطات وأكثرها أثرًا في هذه المحاولات ما قام به الاحتلال الإنجليزي في مصر والهند من جهود لمسخ الإسلام في عقول المسلمين ونفوسهم، وتذويبهم في (حضارة عالمية) ؛ فقد لاحظ المعتمد الإنجليزي في مصر كرومر «وجود هذا الخلاف بين المسلمين وبين المستعمر الغربي في العقائد وفي القيم، وفي التقاليد والعادات، وفي اللغة، وفي الفن، وفي الموسيقى» .
لاحظ كرومر في هذا الفصل أن هذه الخلافات هي السبب في انعدام ثقة المسلم بالمستعمر الأوروبي وسوء ظنه به، وهي السبب في وجود هُوَّة واسعة تفصل بينهما، وتجعل مهمة المستعمر محفوفة بالمتاعب، ودعا من أجل ذلك إلى العمل بمختلف الوسائل على بناء قنطرة فوق هذه الهوة.
وقد اتخذت هذه الوسائل: طريقين: أحدهما هو تربية جيل من المصريين العصريين، الذين ينشَّؤون تنشئة خاصة تقربهم من الأوروبيين ـ ومن الإنجليز على وجه الخصوص ـ في طرائق السلوك والتفكير؛ ومن أجل ذلك أنشأ كرومر (كلية فكتوريا) ، التي قصد بها تربية جيل من أبناء الحكام والزعماء والوجهاء في محيط إنجليزي، ليكونوا من بَعْدُ هُم أدوات المستعمر الغربي في إدارة شؤون المسلمين، وليكونوا في الوقت نفسه مع مضي الوقت أدواته في التقريب بين المسلمين وبين المستعمر الأوروبي، وفي نشر غثاء الحضارة الغربية.
أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود، وعمل على تنفيذها، فهي أبطأ ثمارًا من الوسيلة الأولى، ولكنها أبقى آثارًا… وهي تتلخص في تطوير الإسلام نفسه وإعادة تفسيره، بحيث يبدو متفقًا مع الحضارة الغربية، أو قريبًا منها وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدوًا لها معارضًا لقيمها وأساليبها …» (1) .
وهذا ما أكد عليه مؤتمر (الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة) المنعقد في برنستون عام 1953م حيث جاء في كتاب أبحاثه: أن «.. هذه المشاكلة لا تقوم إلا بتقارب القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهذه القيم لا تتقارب ما دامت الشعوب الإسلامية تعيش على قيم ثابتة تخالف قيم الغرب، وهي قيم الإسلام. فلا بد إذن من أحد حلين:
-إما أن يمحى هذا الإسلام بتشكيك الناس فيه، وفي قيمه، وفي الأسس التي يستند إليها، ويحاصر بحيث لا يتجاوز نفوذه المسجد، وبحيث يفقد سيطرته على مسلك الأفراد وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وذلك عن طريق إقناع الناس بأن الدين شيء ومشاكل الحياة شيء آخر.
-وإما أن يخضع هذا الإسلام للتطوير بحيث يصبح أداة لتسويغ القيم الغربية، ولتقريب ما بين الشعوب الإسلامية وبين الغرب.
وهذا الطريق الأخير يكشف عن قوة هائلة لا يغني غَناءَها شيءٌ، إذا أمكن استخدامها كأداة لتحقيق الأهداف الاستعمارية في إقامة علاقة ثابتة من الود والتفاهم، ذلك هو ما ينبه له جوستاف فون جرونباوم أستاذ اللغة العربية في جامعة شيكاغو، حيث يقول: (إن الدين الجديد - ويقصد به التأويلات الإسلامية العصرية ـ سيدخل أو يسمح بإدخال أسئلة جديدة تتطلب أجوبة مناسبة، وسيقترح أجوبة جديدة لأسئلة قديمة، أو يخلع صفة الشرعية على أجوبة كانت في النظام المعدول عنه تعتبر أسئلة هدامة أو غير مقبولة) ص 192» (2) .
والوسيلتان اللتان استخدمهما كرومر والحلان اللذان اقترحهما المؤتمر أحدثوا بالفعل ـ وما زالوا ـ أثرًا لا يستهان به في عقول المسلمين وسلوكياتهم. وهنا نستطيع وضع المخطط الذي ذُكر أول المقال في مكانه الطبيعي: حلقة غير منفصلة في جهود دؤوبة ومتواصلة أخبر عنها ربنا ـ عز وجل ـ: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109] ، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] .
الوزير باول ـ في معرض ذكره لمسوغات مبادرته للمنطقة ـ أعلن أنه «قد جسد ـ الرئيس بوش ـ تطلعات الشعوب في كل مكان، عندما قال في خطابه في وست بوينت: إنه عندما يتعلق الأمر بالحقوق والحاجات المشتركة للرجال والنساء، ليس هناك تصادم حضارات؛ فمتطلبات الحرية تنطبق كليًا على أفريقيا وأميركا اللاتينية وكامل العالم الإسلامي» ، وهذا ما بلورته صراحة إليزابيث تشيني (ابنة نائب الرئيس الأمريكي) ، نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والمسؤولة الرئيسية في الوزارة عن المبادرة، حيث ذكرت أمام مؤتمر المنتدى الاقتصادي الأمريكي العربي، المنعقد نهاية شهر سبتمبر الماضي أن: الولايات المتحدة لا تريد أن تفرض قيمها على دول المنطقة عبر هذه المبادرة بقدر ما تريد أن تساعد في ترسيخ هذه القيم التي قالت إنها قيم عالمية، وليست أمريكية.. أي إن هذا هو الدين العالمي الجديد الذي ينبغي أن نذوب فيه؛ لأن على جميع الشعوب أن تدخل فيه أفواجًا، وهو الزعم الذي يذكرنا بطرح وثيقة المثقفين الأمريكيين التي سوغوا بها حرب أمريكا ضد ما أسمته الإرهاب (3) .
ولكن التجارب أثبتت أن شعوب هذه المنطقة ليست من النوع سريع الذوبان؛ فما العمل؟
? عندما تتكلم المصالح:
أما الدوافع المباشرة فقد ألمح إليها الوزير باول في خطابه أمام مؤسسة التراث، عندما قال: «... مزارعونا يزرعون القمح، وعمالنا يصنعون طائرات، وأجهزة كمبيوتر، ومنتجات أخرى عديدة نبيعها لدول المنطقة، بينما الأموال تتدفق من مستثمرين في الشرق الأوسط إلى بلدنا.