ويرجع هذا الاختلاف إلى عاملين أساسيين هما شخصية البابا شنودة القوية، واختلاف الظرف السياسي والاجتماعي المصري والعربي والدولي في فترة حكم البابا شنودة، فقد شهدت تلك الفترة تطورا داخليا مصريا، باتجاه الانفتاح الاقتصادي ثم التحالف المصري الأمريكي، وتوقيع اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني عام 1978 والصدام مع الدول العربية، ثم نهاية عصر السادات وصعود الرئيس مبارك للسلطة، ثم تتابع انفراط الصمود العربي باتجاه التطبيع السري أو العلني مع الكيان الصهيوني، وسقوط الاتحاد السوفيتي السابق، وانفراد أمريكا بالهيمنة على العالم.
وترجمة ذلك بالنسبة للأرثوذكس في مصر هو تغيير الوضع الاقتصادي والاجتماعي الداخلي وضعف قبضة الدولة وخاصة في المجال الفكري ومن ثم أصبحت هناك أفكار تعادى سياسة الدولة أو لا ترتبط بها.
ومن ثم وجود ولاءات دينية او طائفية عابرة للدولة، وكذا تقلص مساحة الطبقة الوسطى المصرية، ووجود عامل خارجي يمكن له أن يلعب على الوتر الطائفي، أو يمكن للقوى الطائفية أن تستفيد به في تعظيم قيمتها ومكاسبها داخليا ويمكن أن نقول أن هناك عددا من التميزات ارتبطت بالبابا شنودة وفترة رئاسته للكنيسة على النحو التالي:
ـ زيادة ارتباط المسيحيين الأرثوذكس بالكنيسة، لغياب أو ضعف الدور السياسي للدولة، أو لشخصية البابا نفسه أو لوجود ظروف دولية تدفع في هذا الاتجاه.
ـ ظهور أحداث فتنة طائفية متكررة، بل يمكن أن نقول إن الفتنة الطائفية تحولت من ظاهرة عابرة إلى أزمة بنيوية.
ـ تدخل البابا شنودة شخصيا في الشأن السياسي العام والخاص، بمعنى أن البابا خالف تقاليد الكنيسة المصرية التاريخية والتي تميز بها بصورة خاصة البابا كيرلس في عدم التدخل في السياسة، والاهتمام فقط بالشأن الروحي المسيحي الأرثوذكسي.
وكان لذلك آثار كبيرة على الشأن المصري حيث اصبح المراقبون ينظرون إلى الكنيسة كحزب سياسي يضم كل الأرثوذكس بقيادة البابا شنودة.
ـ زيادة نفوذ ما يسمى بأقباط المهجر، نظرًا لاتساع أهمية الإعلام والتداخل الدولي وكون العالم اصبح قرية إلكترونية صغيرة وكذا نظرا للنفوذ المالي لهؤلاء، وأيضا لتلقيهم الدعم المباشر وغير المباشر من المنظمات أمريكية وأوروبية وأحيانا صهيونية.
وهكذا فنحن أمام شخصية قوية، حكمت الكنيسة لمدة طويلة ـ حتى الآن 35 عاما ـ أحدثت تغييرات قوية في البنيان الكنسى التقليدي، و شهدت تغييرات درامية على الصعيد المصري والعربي والعالمي.
ومن ثم فان غياب مثل هذه الشخصية سوف يكون له تأثير كبير على الواقع الكنسى المصري وربما الواقع الاجتماعي والسياسي المصري، وبديهي أن الشخصيات القوية عندما تحكم مؤسسات معينة لمدة طويلة، فان غيابها يحدث نوعا من الهزة و أحيانا التفكيك في تلك المؤسسة، وهذه حقيقة يعترف بها علم الاجتماع السياسي، ولكن لكل حقيقة بالطبع استثناءات.
وعلى كل حال فان من المتوقع حدوث هزة كبيرة في الكنيسة المصرية بغياب البابا شنودة، لأنه من الصعب أولا أن يخلف البابا شخصية قوية قادرة على فرض طاعتها السرية والعلنية على كل اتباع الكنيسة مثل البابا شنودة، وثانيا لأن هناك قوى وتيارات وأحوالا استجدت وكلها تتربص بتلك اللحظة للامساك بأكبر قدر من خيوط الأمور ومن ثم الاستفادة بها.
** ثلاثة اتجاهات تتطلع إلي قيادة الكنيسة
يبلغ المسيحيون المصريون عموما حوالي 6% من سكان مصر وفقا للإحصاءات الرسمية، ولكن هناك من يقول أن النسبة اقل من ذلك، آخرون يقولون ـ خاصة داخل أوساط الكنيسة- - أن النسبة تبلغ 10% ولكن على كل حال فان النظرة العلمية تقول إن النسبة الرسمية المعلنة من أجهزة الإحصاء المصرية صحيحة إلى حد كبير، لان التعدادات السابقة حتى في عصر الاحتلال الإنجليزي كانت تقترب من ذلك.
وبديهي أن النسبة تقل باطراد لأسباب الهجرة، وأسباب تتصل بارتفاع سن الزواج عند المسيحيين وعدم وجود تعدد زوجات.. الخ. ويبلغ الأرثوذكس من مجموع المسيحيين النسبة الأكبر"حوالي 90% من المسيحيين المصريين"وتبلغ عدد الكنائس في مصر 1683 كنيسة رسمية بالإضافة إلى 717 كنيسة جارى حصولها على التراخيص أي أن العدد الكلى حوالي 2400 كنيسة.
ووفقا لتقاليد الكنيسة المصرية فان انتخاب البابا يكون عن طريق القانون الصادر عام 1975 والذي تم على أساسه انتخاب البابوين الأخيرين"كيرلس ـ شنودة"وتنص لائحة ذلك القانون على أن يصوت على المرشحين للمنصب أعضاء المجمع المقدس المكون من الأساقفة في الداخل والمهجر، وكذا وجهاء الأقباط في كل مدينة تقع فيها مطرانية.
ويقدر البعض عدد من لهم حق التصويت على البابا حاليا بحوالي 2000 شخص.
ويتم اختيار أعلى ثلاثة من المرشحين حصولًا على الأصوات، ثم يكتب اسمهم في أوراق ثم توضع في صندوق صغير، في غرفة مظلمة، ثم يقوم أحد الأطفال بسحب ورقة واحدة من الصندوق، ومن يخرج اسمه في هذه الورقة يكون هو البابا، ويصدر رئيس الجمهورية قرارا بترسيمه"بابا"للكنيسة، ولا يحق له عزله بعد ذلك.
ويمكننا أن نرصد ثلاثة اتجاهات تتصارع للفوز بمنصب البابوية وبديهي أن هناك تداخلات وتقاطعات داخل هذه الاتجاهات وبعيدا عن الخوض في أسماء من يمثلون تلك الاتجاهات أو من سيقع عليه الاختيار داخل كل اتجاه لدفعه للترشيح لمنصب البابوية، فان تلك الاتجاهات تتمثل في: مرشح مجموعة البابا نفسه، وبديهي ان تلك المجموعة تمتلك الكثير من الصلاحيات والأصوات بحكم سيطرتها على الكرسي لمدة طويلة، وهناك اتجاه يتمثل في التيار المنفتح على أمريكا والمهجر. وهذا يتمتع بنفوذ كبير أيضا نظرًا للدعم المالي والسياسي الذي يتلقاه من المهجر،
وهذا الاتجاه سيدفع الكنيسة بالطبع في اتجاه العولمة والأمركة وعدم معارضة إسرائيل، وهو اتجاه خطير بالطبع ولكنه حتى الآن لا يملك فرصة للنجاح اللهم إلا إذا تم ضخ أموال وإحداث نوع من الاختراق لأصحاب الأصوات التي من حقها التصويت على المرشحين.
وهناك اتجاه ثالث يرى ضرورة عودة الكنيسة إلى سابق عهدها في الاقتصار على الأمور الروحية وعدم ممارسة السياسة، وان سلوك البابا شنودة السياسي قاد الكنيسة والمسيحيين الأرثوذكس الى مجموعة من الأزمات بلا داع ولا ضرورة.
وان من الخطر المراهنة على المشروع الأمريكي بل يجب الانحياز إلى المشروع الوطني والانفتاح على القوى السياسية المصرية ـ حكومة ومعارضة ـ وهذا الاتجاه بالطبع يحظى برضا المؤسسات السيادية المصرية،
وهذه بلا شك لاتملك أصواتا داخل المجمع الانتخابي الأرثوذكسي، ولكنها تملك نفوذا غير منظور يمكن أن يؤثر تأثيرا كبيرا على العملية الانتخابية.
ويمكننا آن نتوقع صراعا ساخنا، علنيا ومستترا بين تلك التيارات والاتجاهات، وبين اتجاهات أخري قد تبرز لإحداث نوع من التوازن أو حدوث انشقا قات أو تغير طبيعة المعركة من معركة بين اتجاهات سياسية وفكرية إلى اتجاهات تمثل جهات أو مناطق أو أجيالا داخل الكنيسة.
وعلى نتيجة ذلك الصراع سوف تتحدد الكثير من الأمور والقضايا، وسوف يكون لها تأثير كبير على مستقبل الكنيسة المصرية، وعلى شكل الحياة السياسية في مصر لفترة غير قصيرة قادمة.
*راجع ( كتاب لعنة الأمة القبطية) وفيه يتضح إنتماء شنودة إلي جماعة الأمة القبطية المجرمة..محمد المصري.
في غزو المشرق الإسلامي