فهرس الكتاب

الصفحة 2519 من 3028

و لو أخذنا مصطلحا آخر (القومية) الذي انتشر حديثا في بلادنا، وأصبح يدل على مذهب واتجاه، ويحمل مفهوما فكريا، هذا المصطلح لا وجود له في تاريخنا وثقافتنا، وإن كانت كلمة (( قوم ) )موجدة في ثقافتنا وتراثنا، ولكنها لا تعني أكثر من مجموعة من الناس يرجعون إلى أصل واحد، ويعيشون حياة مشتركة، و (القومية) كمفهوم لم تظهر إلا مؤخرا وقد ظهرت في ألمانيا أولا وأخذت طابعا عرقيا معينا متميزا، عن بقية الأجناس البشرية، وصنفت القومية الألمانية القوميات الأخرى ووضعت لها سلما يتميز الناس على هذا الأساس العرقي، ثم انتشرت في أنحاء العالم، ويلاحظ بأن هذه الدعوة تركز على العرق والجنس دون العقيدة والاتجاه ومن هنا لا نجد لهذه الدعوة مجالا في الإسلام، وإنما نجد جذورها التاريخية تعود إلى الشيطان الذي امتنع من السجود لآدم لأنه خلق من طين بينما خلق هو من نار {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} وإذا كانت دعوى الشيطان صحيحة في الخلق دون الخيرية فدعوة هؤلاء ليست صحيحة في الخيرية ولا في الخلق لأن الناس خلقوا من أب واحد وأم واحدة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ، وكونهم شعوبا وقبائل لا يغير من الواقع شيئا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وهكذا يبرز ميزان التفاضل الذي يقوم على التقوى والعمل الصالح، ويكون اختلاف الناس شعوبا وقبائل سبيل لتعارف والتقارب، ولا شك أن التميز العنصري الذي يسود العالم اليوم إنما هو نتيجة من نتائج الدعوات القومية، غير أن (القومية) في ذاتها لا تحمل مضمونا فكريا حقيقيا ولا مذهبا اجتماعيا معينا، وإنما هو وعاء فارغ يمكن ملأه بأي فكرة أخرى، ومن هنا نرى أن مصطلح (القومية العربية) الآن أصبح وعاءً للاشتراكية، ومازال بعض المسلمين والمحسوبون على الفكر الإسلامي يستعملون هذا المصطلح ويريدون أن يقولوا: إن محتواه هو الإسلام،ويظنون أن المصطلح مازال فارغا ويمكن ملؤه بالفكرة الإسلامية،وهؤلاء ولا شك واهمون لأنهم يستعملون (القومية) بمعنها اللغوي، بينما يستعملها الآخرون بمفهومها الغربي الذي يناقض الإسلام مناقضة كلية، والعوام الذين أصبحت الكلمة على أفواههم وفي متناول ألسنتهم لا يفرقون بين المدلولين، ويسقوهم (الطابور) الخامس الفكري لخدمة القومية العنصرية ومحتواها الاشتراكي، وهم يظنون أنهم ينصرون الإسلام ويجاهدون في سبيل الله، ويزيدهم خداعًا وتضليلًا موقف هؤلاء المحسوبين على الفكر الإسلامي، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لوجدنا أن هذا التقسيم القومي لا أساس له، وأن القرآن قسّم الناس إلى قسمين على أساس العقيدة لا أساس الجنس فهناك (الذين آمنوا) (والذين كفروا) وهناك (المسلمون) و (الكافرون) وتحت كل من النوعين يمكن أن يكون أقوام وأجناس مختلفة، ولكن العقيدة هي التي تجمعهم في كل الحالتين، وهكذا بدأت هذه الاصطلاحات تختفي من مجتمعنا بعد أن نعق غراب القومية في دار الإسلامي، وكان من نتائج هذه الدعوة الخبيثة أن تفتت دار الإسلام إلى قوميات متصارعة يقتل فيها المسلمون بعضهم بعضا خدمة للجاهلية وانتصارا للعصبية المنتنة.

ويتفرع عن هذه الدعوة إلى القومية دعوة إلى الوحدة، وقد أصبحت الوحدة شعارا رائجا في حياتنا المعاصرة، ولو رجعنا إلى ثقافتنا وتراثنا لم نجد مثل هذه الدعوة، وإنما هي بضاعة استوردناها مع مفهوم القومية الغربي، وبما أن الوحدة عندهم كانت تابعة لمفهوم القومية، فهكذا صارت عندنا وأصبحنا ندور في فلك الفكر الغربي حيث نستعمل اصطلاحاته وننتظر أن تحل بنا حتمياته وحتى لكأن خط التاريخ الغربي هو الخط الذي لابد أن تسلكه كل أمة وليس لها من دونه بديل! ويلاحظ أن شعار الوحدة أضحى شعارا خاليا من مضمون الإسلام بل أصبح يحمل محتوى القومية لأن الوحدة المقصودة إنما هي الوحدة القومية العربية، ولما كان مفهوم القومية بطبيعته فارغا فقد ملأه بالاشتراكية مما اضطرهم في النهاية إلى القول بوحدة الهدف بدلا من وحدة الصف، وهكذا سلكوا هذا الطريق الوعر الشاق لإبعاد مفهوم الإسلام بحجة الطائفية والأقليات والوطنية والقومية لينتهوا أخيرا إلى مفهوم فكري مستورد بديل من المفهوم الإسلامي، ولو رجعنا إلى القرآن الكريم لم نجد دعوة للوحدة العربية ولا لغيرها، وإنما نجد دعوة إلى الاعتصام بحبل الله والاستمساك بعروته الوثقى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} و لا شك أن مفهوم هذه الآية يحقق الوحدة الإسلامية التي لا يمكن أبدا أن تتحقق بالجهد البشري. وهكذا كانت الدعوة إلى الوحدة دعوة إلى الفرقة أثارت النعرات والعصبيات والصراع الطبقي والقومي الذي مهد لإسرائيل أن تضرب ضربتها في الوقت المناسب دون أن تلقى مقاومة تذكر. بينما كانت الدعوة إلى الإسلام في الظاهر دعوة إلى تفريق القوم الواحد إلى قسمين مؤمنين وكافرين، كما كانوا يتحدثون عن القرآن فيقولون: (سحر يؤثر، يفرق بين المرء وأهله ومواليه) ، ولكنها في الحقيقة كانت دعوة للاستمساك والاعتصام بحبل الله والتي نتج عنها أعظم وحدة حقيقية عرفها التاريخ لأنها كانت وحدة قلوب قبل أن تكون وحدة بلاد ووحدة قرآن قبل أن تكون وحدة معلقات!! ووحدة إسلام قبل أن تكون وحدة جاهلية، وصدق الله العظيم إذ يصف هذه الوحدة {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} ، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} .

قيادة متلاشية:

إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدا من القيم يسمح له بالقيادة.

المعالم: سيد قطب

1 المقصود بالغرب هنا ليس الاصطلاح السياسي الذي يشمل دول أوروبا الغربية وإنما المقصود به المصطلح الحضاري الذي يشمل الكتلة الشرقية والغربية باعتبار أن الفكر الاشتراكي غربي في أصوله وجذوره وأن الشيوعية لم يكن إلا رد فعل للرأسمالية الغربية وكلاهما تسيران في خط تاريخي واحد.

2 انظر في هذا كتاب (برناردلويس) : الغرب والشرق والأوسط الفصل الرابع ص 105-146

كتاب أسرار الباطنية (2)

بقلم محمد بن مالك اليماني

وقد رأيت أيها الناس وفقنا الله وإياكم للصواب وجنبنا وإياكم طرق الكفر والارتياب أن أذكر أحبال هذه الدعوة الملعونة لئلا يميل إلى مذهبهم مائل ولا يصيبو إلى مقالتهم لبيب عاقل ويكون في هذا القدر من الكلام في هذا الكتاب إنذار لمن نظره، وأعذار لمن وقف عليه واعتبره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت