فلو أننا عمدنا إلى مصطلح قرآني، لنطلقه على الحالة الأولى التي بدأت في العصر العباسي، وهي دعوة الناس إلى إيثار الآخرة على الدنيا، وتحذيرهم من الترف والنعيم، لم نصل إلى ما وصلنا إليه من نتائج وآثار، ما نزال نعاني منها حتى يومنا هذا.. ولو فتشنا في القرآن الكريم عن مصطلح لمثل هذه الحالة لوجدنا - مثلا - كلمة (الإحسان) يمكن أن تؤدي هذا المدلول، دون أن تدخل تلك الأفكار الغربية التي دخلت تحت كلمة (تصوف) .. ذلك أن الكلمات القرآنية يحدد معناها اللغة ويعطيها مفهومها القرآن، فلا مجال في ذلك للزيادة والنقصان، ولو حاولنا أن نتبيَّن مفهوم القرآن لهذا المصطلح (الإحسان) لوجدناه كما يلي:
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ..} كما فسره الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل، حين سئل عن الإحسان فقال:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك".
وفي مواجهة المصطلحات الغربية الوافدة، لابد لنا من أن نعيد طرح مصطلحاتنا القرآنية بقوة - والتي تمتاز بالإضافة لما قدمنا - بأنها تحمل طابع العقيدة دائما، حيث تعطيها الأولوية في كل شيء مما يجعلها منسجمة مع نظرتنا العامة إلى الحياة، والتي نستمدها من القرآن نفسه، فلا نقع في تناقض بين عقيدتنا ومصطلحاتنا - كما هو حادث اليوم بعد فشو المصطلحات الغربية - حيث نشاهد الاضطراب الذي يعم المسلمين جميعا بعد أن أصبحت هذه المصطلحات بدهيات مسلمة، وحقائق مقررة، عند العوام والخوص، مما حدا ببعض المفكرين إلى استعمال هذه المصطلحات، وإعطائها مفهوم إسلاميا، وقطعها عن جذورها التاريخية والفكرية، إرضاء لهذه الجماهير التي سحرتها هذه المصطلحات والشعارات، وبدلا من أن تكون هذه المصطلحات جسرا يعبره المنادون بها إلى الإسلام - كما كان يظن - غدت جسرا يعبره المسلمون إلى تلك الأفكار والقيم التي تمثلها هذه الشعارات، لأن الجسر الذي يكون صالحا للذهاب، فهو صالح للإياب أيضا، خاصة وقد جاءت هذه الدعوة في ظروف غير مناسبة، حيث كانت تلك الشعارات والمصطلحات قد وصلت إلى الحكم وأخذت طريقها للتنفيذ، وعبرت بالمسلمين ذلك الجسر إلى الجاهلية.
وبعد خفت حدة المعركة قليلا، بانتصار موقوت للمصطلحات الجاهلية الحديثة، فعلى رجال الفكر الإسلامي أن يراجعوا أنفسهم، وينظروا فيما قدموا، ويتأملوا كثيرا فيما حدث ويدفعوا بالمصطلحات القرآنية للناس من جديد، محددة واضحة متميزة، مقارنة مع مصطلحات الجاهلية مع بيان الفروق الكبيرة، وتحطيم الجسور المقامة، ووضع الناس أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما الإسلام وإما الجاهلية، {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} و من ثم.. تستبين سبيل المؤمنين.
وإذا ما حاولنا تبيّن بعض هذه المصطلحات التي اقتحمت علينا أسوارنا وغدت مدار حياتنا وحاولنا تفهمها وإدراكها، وعقدنا مقارنة بينها وبين مصطلحاتنا القرآنية، فإننا نجد الفروق الشاسعة التي ليست هي في الواقع إلا فروقا بين ثقافتين ودينين، وحضارتين أي بين إسلام وجاهلية.
مصطلح الوطنية:
نأخذ على سبيل المثال: مصطلح (الوطنية) و ( الوطن) و (المواطن) و (الوطني) ، والذي لم يفطن له أحد فيما أعلم.
هذا المصطلح لم يكن معروفا في تاريخنا، وكلمة (مواطن) لا مدلول لها في المعجم الإسلامي، لأن الولاء في الإسلام للعقيدة، لا للأرض ولا للقوم، ولا لغيرها من الاعتبارات الأخرى التي دخلت ثقافتنا حديثا بتأثير الغزو الفكري الأوروبي حيث استلهمت من أوروبا الغربية خصوصا فرنسا وإنكلترا [2] ولو أننا رجعنا إلى القرآن الكريم لاستخلاص المصطلح الإسلامي لم نجد ذكرا للوطن ولا للمواطن، وإنما يستعمل القرآن كلمة أخرى وهي (الدار) - معرفة بالألف واللام تارة، وبالإضافة تارة أخرى - فمن الأول قوله تعالى في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في معرض حديثه عن الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} . ومن الثاني حدثه عن المهاجرين حيث يقول: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ...} ومن ذلك قوله مخاطبا بني إسرائيل: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} ..
فالعقيدة في الإسلام قبل (الوطن) أو (الدار) وفي حالة التعارض على المسلم أن يهاجر من بلده ويترك داره {الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا..} ومن هنا كان المصطلح الإسلامي (دار الإسلام) مصطلحا قرآنيا - بالمعنى لا باللفظ - تبرز فيه العقيدة قبل الأرض، وتستمد الأرض فيه قيمتها من العقيدة التي فوقها، والناس في دار الإسلام لا ينسبون إلى الأرض (مواطنون) وإنما ينسبون إلى عقائدهم (مسلمون) .
وكذلك الأمر بالنسبة إلى غير دار الإسلام، فهناك دار العهد، ودار الحرب؛ ودار العهد هي التي ترتبط بدار الإسلام بمعاهدة أو ميثاق، ودار الحرب هي التي لا ترتبط بدار الإسلام بعهد ولا ميثاق، ورعايا هذه الدُّور يسمون معاهدين أو محاربين..
و هكذا نجد المصطلح الإسلامي مصطلحا محددا يرتبط بالعقيدة، ويمنع من اختلاط المفاهيم الجديدة التي جاءتنا بها المصطلحات الجاهلية، ويحدد سلوك المسلم على أساس العقيدة لا على أساس الوطن، الذي يطلب منه في بعض الأحيان أن يتخلى عن عقيدته لمصلحة وطنية!! وخوفا من أن يؤدي ذلك تفرقة طائفية!! بين أبناء الوطن الواحد.. حيث أصبحت الدعوة إلى الإسلام في دار الإسلام أمرا مستنكرا.. والمناداة بالعودة إلى الإسلام الذي يشكل أبناءه 99% من سكان العالم العربي.. دعوة طائفية!! تحارب بكل وسيلة وذلك لأن هناك 1% من غير المسلمين يسكنون العالم العربي، وعلى المسلمين إذن أن يتخلوا عن عقيدتهم وشريعتهم وأخلاقهم وحضارتهم إرضاء لهذا الواحد بالمائة من غير المسلمين!! وهذا هو آخر ما وصلت إليه النظم والنظريات الديمقراطية الحديثة التي تقوم على أساس حكم الأكثرية!!.
مصطلح القومية: