وهكذا تناوشوا قلب العالم الإسلامي وأطرافه، وعقدوا المؤتمرات الدولية لاقتسام الحصص، وكان المسلمون في هذه المؤتمرات كالأيتام على مائدة اللئام، فكان مؤتمر سايكس بيكو عام 1916 بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت الشعارات التي تفتقت عنها العبقرية الأوربية في المكر والدهاء والخبث، مثل شعار الحماية والوصاية وتقرير المصير، وكانت كلها حبرًا على ورق، وكانت من قبيل ذر الرماد في عيون الأمم المغلوبة التي لا تستطيع تقرير مصيرها إلا إذا قرر السيد القوي تقرير هذا المصير، وقد قرر العبودية للأمم المغلوبة، حتى ولو دخلت دين النصرانية نفسه!! فهذه أفريقيا دخلت بعض دولها في النصرانية ودخل بعض الفقراء منها في هذا الدين، فهل وجدوا العزة والغنى والتقدم؟! أم أن الاستغلال والاقتصاد هو الدين الأول لأوربا قبل أي دين؟!!.
ولعل المرء يتصور أن الأوربيين نظروا إلى الشعوب المستضعفة التي وقعت في شراك احتلالهم، وخاصة أمة الإسلام على أنها شعوب قاصرة، لم تبلغ سن الرشد بعد، وهي ـ بهذا ـ بحاجة إلى حماية عم أو ولي حميم، وكان هذا العم أو الولي، أوربا بكنيستها واستعمارها ورؤسائها المكرة!!.
وارجع إلى الفترة التي تم فيها ذلك الانتداب والحماية والوصاية، وانظر إلى حنان ذلك الولي ومسؤوليته إزاء الطفل القاصر، كيف كان التدجين له على أن يكتسب لسانًا جديدًا وعادات غير عاداته، ودينًا غير دينه، وكيف كانت عمليات التفسيخ والمسخ والإلحاق بحضارة الوصي، ودينه. وكيف كان العمل قائمًا على قدم وساق، ولكن بشكل غير كشوف في بعض الأحيان، من أجل أن يكون العالم الإسلامي كله تابعًا للمركز الأوربي سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا ..
وارجع ثانية إلى فترة الحماية والوصاية آنذاك وتأمل كيف كانت تدار الحكومة، أبالملك أو الرئيس، أم بالمستشار الإنجليزي الذي يحرك الملك والرئيس، كما تحرك اليد دمى القراقوز في لعبة خيال الظل أو لعب الأطفال؟!!.
مهما يكن فقد وقع العالم الإسلامي في كماشة الصليبية الجديدة، وحكم حكمًا عسكريًا مباشرًا أحيانًا وحكمًا غير مباشر على أيدي أناس أمناء على مصالح الاستعمار في أحيان أخرى، إلى أن جاءت المرحلة التي أخذت شعوب العالم تنتقض على هذا الكابوس الاستعماري لتتحرر منه فكان للعقل الأوربي الذي قطع شوطًا بعيدًا في ميادين العلم أن يوظف أدوات للعلم خارج المعامل والمختبرات حيث ميدان السياسة والعلاقات بين الأمم، فكانت له لعب وأساليب جديدة في التعامل مع الثورات ومع الشعوب المطالبة بالاستقلال، فصار يأخذ باليسار ما يعطيه باليمين بحيث أفرغ بعض الاستقلالات من محتواها، وعاد الاستعمار من جديد ولكن بأثواب جديدة، وبقيت الأغلال ترسف من جديد بالرقاب، ولكنها ربما تكون أغلالًا من ذهب!! كي يُمنّي العبد أو الأسير نفسه بما يرى، وأنى له ذلك التمني!!.
على أنه من الضروري الإشارة إلى ردود الفعل من لدن انسان المنطقة المسلم على وجه الخصوص، متمثلًا بقادته وعلمائه والمثقفين الأحرار منه. فلم تكن جيوش الاستعمار لتجد أرضًا خالية دون شعوب أو حضارات، بل ودت أمة كانت ـ في الحقبة السابقة من الزمن ـ معلمة للعالم ومنه أوربا نفسها، وكانت صاحبة حضارة تميزت بعقيدة ربانية وعلم نافع وتعامل مع الشعوب رحيم رؤوف، ولكن عوادي الزمن ـ ولأسباب كثيرة ـ جعلتها تضعف وتتخلى عن وظيفتها القيادية. ولكنها لم تستكن لجحافل الغزاة بل كانت تقاوم على قلة من السلاح وعدم تكافؤ في القوة. فكانت تقاوم الروس كما تقاوم الإنجليز والفرنسيين على السواء فكان أبطال المقاومة من أمثال الشيخ شامل في المناطق الإسلامية التي احتلها الروس، وعبدالكريم الخطابي في المغرب، وعبدالقادر الجزائري في الجزائر، وعمر المختار في ليبيا، وأحمد عرابي في مصر، ومحمد تقي الشيرازي، قائد ثورة العشرين في العراق، بالإضافة إلى أبطال المقاومة الآخرين في إيران، وفي الشام، وفي السودان.
ومثلما كان الأمر على مستوى المقاومة العسكرية، كانت هناك المقاومة الثقافية التي حاولت أن تحافظ على أصالة الأمة وحضارتها، وكان لهذا الميدان رجاله من العلماء والساسة والأدباء، ولكن كفة المحتل بما لديه من قوة وإغراء وسيطرة على مقاليد الحكم جعل الميزان يميل لصالح كفة المتغربين والراضين بـ (نعمة) الاحتلال، والداعين إلى الأخذ بحضارته، خيرها وشرها، حلوها ومرها، كما جاء على لسان واحد من دعاة التغريب.
* الثقافة الاسلامية بين التغريب والتأصيل
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة
تعاطى المؤلف في مقدمة الكتاب لغة (( الوعي الاسترجاعي ) )بحق ما يسميها (( الاستعادات المنهجية ) )التي برزت عند الغرب في فترة زمنية قياسية هي فترة ما بعد الحرب الباردة، والتي لا يراها أكثر من ممكنات غابرة ورجاءات خلاصية كان قد تم ابتكارها سابقًا في لحظات مماثلة أو في ظروف أخرى، فتم استحضارها وإعادة إنتاجها وتطوير خطابها وآليات نشرها وتوزيعها بما يتلاءم والظروف ـ ظروف الأزمة! المستجدة.
كل ذلك في محاولة منه لمحاكمة تلك التوليدات أو الاستفاقات الانطروبولوجية، التي يحصرها في أطروحات خلاصية أربعة ه: نهاية التاريخ لفوكوياما، وصدام الحضارات لهانتغتون، ومشروع العولمة (الكونية) .
والطريق الثالث الذي يبدو أنه محاولة تلفيقية بين اليسار واليمين في وقد اختلطت، في الغرب، وتشابكت الايديولوجيات الاشتراكية والرأسمالية حتى خفت الفواصل بينها وضاعت ملامحها، أو معظمها بالأقل، فصار اليميني في السلطة اشتراكيًا واليساري رأسماليًا.
وعلى أساس من هذا جاء هذا الكتاب محاولة لتكثيف عقد من البحث والمتابعة في موضوع الصراع الحضاري والعلاقات الصراعية أو التقاطعية أو التفاعلية بين المشروعين الحضاريين: المادي والإلهي، وذلك من خلال النظر إليهما بالمنهج الحضاري، الذي يتراءى للمؤلف أن استعادته في قراءة العمران البشري وظواهره أهم الاستعادات الأربع المتقدمة.
ـ الصراع الحضاري بين فوكوياما وهانتنغتون:
في بيئة مشحونة بالأفكار والمعلومات وتحولات تفوق عامل الزمن على عامل المكان وتقدم العلم على الجغرافيا، يتأكد الحديث عن العلاقات المفترضة بين الحضارات في هذا العالم، التي لا زالت تحتفظ لنفسها بمقومات البقاء والاستعداد للنمو والنهوض.
وتبدو وجاهة مثل هذا الحديث بعدما دأب مفكرو الغرب على استعادة طرح سؤال كبير مركب من أسئلة تفصيلية عقب كل تحول استراتيجي يبدو فيه العالم متجهًا نحو مرحلة جديدة. السؤال هو: ما هي طبيعة الصراع بين الأمم والشعوب؟
في هذا المناخ القلق ولشدة الغموض المحيط باحتمالات تطور العلاقات الدولية المقبلة وبالتالي بصيرورة العالم المضطرب، وقد خرج الإسلام من القمقم شاهرًا مشروعه في كل اتجاه وبلغات ممانعة متعددة، واستفاقت قوميات جريحة فبدت وكأنها تنطق بخطاب خُيّل إلى العالم أنه قد دفن تحت ركام الخصوصيات والفوارق التي اجتاحتها حمى الدعوات الكوسموبوليتية والعولمية .. في هذا المناخ يُسترجع ذلك السؤال الكبير بتداعياته المعقدة.