فهرس الكتاب

الصفحة 2556 من 3028

ربما خفيت على البعض تبديات العلمانية الشاملة من خلال هذا البرنامج والعلمانية الشاملة تعني الانفصال البائن بين القيم الأخلاقية الدينية والممارسات الحياتية اليومية بما يتجاوز العلمانية الجزئية الواقفة عند فصل الدين عن الدولة.

وأخطر آثار العلمانية الشاملة عدم الإحساس بالتناقض بين متطلبات شرعنا وحقيقة ما نتبناه ونمارسه وندعو إليه. لقد لفت نظري مقدمة البرنامج الملتزمة بالحجاب وهي تمارس نواقضه بإدارة حوار يتبنى الرؤى التفكيكية لإنساننا ومجتمعاتنا دون أدنى شعور بالذنب! ناسية أو متناسية أنّ الحجاب تصورات ومفاهيم وقيم هي الأركان الركينة لعالمه قبل أن يكون لباسًا. إنه عالم مفاهيمي متكامل ضابط لحركاتنا وسكناتنا وخلجاتنا وأفكارنا وتصوراتنا وتوجهاتنا وسلوكياتنا بل وكلماتنا في مقام أول! إنّ حجابًا لا يراعي ذلك هو حجاب لا خير فيه وربما كان وزرًا على صاحبته! وأي نفع يعود على المجتمع الإسلامي إذا أدارت"محجباته"حوارات تنتهي إلى تقويض مفهوم الأبوة ونقض مدرك البر عمومًا وبر الوالدين على وجه الخصوص؟! وأي خير يعود على ذلك المجتمع إذا تبنت إعلامياته"المحجبات"تقديم هذه"النماذج"و"القدوات"من الفرق النسائية الموسيقية والمغنيات على أساس أنهن"نجوم"و"عبقريات"وفي وسط وواقع هو القاع في كل التفاصيل المتصلة بعالم الإنجاز!! وإذا لم يكن ذلك تشويهًا وتضليلًا للمتلقين من المشاهدين- وفيهن مراهقات كثر- فكيف يكون التشويه والتضليل؟!

لقد عرفنا في أصول شرعنا أنّ الصلاة الحقيقة هي ما نهت عن الفحشاء والمنكر. وأنّ مقتضى الصيام أن تدع قول الزور والعمل به وإلا فليس لله حاجة في أن تدع طعامك وشرابك- بنص الحديث النبوي- وأنّ الحج المبرور الذي يكون ثوابه الجنة إنما يتمثل في"فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج". وكل العبادات الإسلامية بمقاصدها التي إن لم تتحقق أحبطت العمل وجعلته هباءً منثورًا. والحجاب ليس استثناءً من ذلك إن لم يكن في مقدمة ذلك.

إنّ هذا طور من الأطوار الخطيرة للعلمانية الشاملة حيث ينتفي لدينا الإحساس بخطورة ما نمارس من مناقضات ومقوضات شرعنا بطرحنا وتبنينا لمفاهيم لا ندري حقيقة ما انطوت عليه من حيث هدمها ودكها لمنظومتنا الاجتماعية حيث تغتال مؤسسة الأبوة أولًا وتزحف من بعد على صنوتها- الأمومة- مبددة لمعانيها مزهدة في أساسها مهمشة لوظيفتها إلى أن تفضي بنا إلى تبني السحاق- نعم هو- كصيغة مثلى للعلاقات"الزوجية"!!

إنّ تجاوز هذه الأضداد لا من خلال أشخاص مختلفين متعددين وإنما من خلال شخص واحد مثل ابنتنا الإعلامية المحجبة هذه... والتي لا ترى غضاضة من دعوة مباشرة إلى ما يؤدي إلى تفكيك مجتمعنا وفي وقت تتحرج فيه أشد الحرج من كشف جزء من شعرها أو نحرها ليس هو من العجائب وإنما معلم لتبديدات العلمانية الشاملة والتغريب التطوعي التلقائي للنفس والمجتمع مما نقترفه ولا نحس به وهو المقوض نهاية لديننا في كل مناحيه شريعة أم عقيدة ولو بعد حين!

وا ضيعة الأعمار:

وبعد: فلمن يعرف إمام الأدب العربي في النصف الأول من القرن العشرين: مصطفى صادق الرافعي بشهادة أكبر نقاد ذلك العصر: أحمد حسن الزيات. وأيضًا لمن لا يعرفهما أقول: إنني وأثناء مشاهدتي لهذه الفرقة الموسيقية النسائية والحوار الذي دار حولها. أيقنت وتحققت أنّ رهطًا عزيزًا من فتياتنا قد وقع في الأسر الغربي الفكري المماثل والمقابل لسجن"أبوغريب"أو هكذا تراءى لي! استغرقني المشهد ووجدتني منتابًا بنفس المشاعر التي انتابت أديبنا الكبير الرافعي- وقبل سبعين عامًا- وقد طوقه الهم وأغرقته الحسرة فجاشت نفسه بمروعات الأحاسيس والمشاعر وهو يرى رهطًا من"المسلمات"بلباس البحر- أو"لا"لباسه بالأحرى- على أحد شواطئ الاسكندرية فأناب قلمه عنه بالتفجع والبكاء. وإذ أجد نفسي إزاء متتالية ذلك العالم المفاهيمي بقضائه وأحكامه"المقدسة"غير القابلة للنقض مما يشكل دينًا وطقوس عبادة للغرب الصهيوصليبي في نفر عزيز من أمتنا- رجالًا أم نساءًا- لا يرى في حيثيات الأحكام الغربية مجالًا لإعمال العقل أو المراجعة على الاطلاق!

فبهذه السطور الآسرة التي نُزِفت كلمات على يراع الرافعي فيما أسماه: قصيدة مترجمة عن الشيطان: {لحوم البحر} أجد ختامًا شافيًا لي على أقل تقدير!!

يا لحوم البحر! سلخك جزار من ثيابك

جزار لا يذبح بألم ولكن بلذة...

ولا يحِز بالسكين ولكن بالعاطفة...

ولا يميت الحي إلا موتًا أدبيًا...

إلى الهيجاء يا أبطال معركة الرجال والنساء

فهنا تلتحم نواميس الطبيعة ونواميس الأخلاق.

للطبيعة أسلحة العرى والمخالطة والنظر والأنس

والتضاحك ونزوع المعنى إلى المعنى...

وللأخلاق المهزومة سلاح من الدين قد صدئ، وسلاح من الحياء المكسور!

يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار...

ويقول في آخرها:

كان جدال المسلمين في السفور، فأصبح الآن في العرى فإذا تطور، فماذا بقي من تقليد أروبا إلا الجدال في شرعية جمع المرأة بين الزوج وشبه الزوج؟

ليت شعري من يبلغ الرافعي عني أنّ الجدال الوشيك الآن عن"الزواج المثلي"... سحاقًا كان أم لواطًا...!!

محمد عبد الله الغبشاوي*

التحيز الاعلامي مصطلح ( التحيز ) من منحوتات المفكر الكبير البروفسير عبد الوهاب المسيري صاحب (( موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ) (( إشكالية التحيز ) )الذي أشرف علي تحريره وصدر في مجلدين عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي .

ومصطلح التحيز يعني الانحياز والتعصب مطلقًا ولكن فيما نعنيه في هذه المعالجة التسليم المطلق بالمقولات والمفاهيم والمناهج الغربية والانسياق الأعمى في محاكاتها وكأنها قد أنزلت منزلة الأمر المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

وجدير بنا التنبيه إلي أن (( التحيز ) )بهذا التعريف لا يقتصر في أوساطنا علي الإعلام ووسائطه المختلفة وإنما هو أمر قد طال جميع أوجه حياتنا وسائر مناشطنا وتوجهاتنا . ففي تشريعنا واقتصادنا ومناهج تربيتنا وصور تعليمنا بل وفي سلوكياتنا ولغة حديثنا اليومي شواهد عديدة لا تخطئها عين عاقل علي هذا (( التحيز ) )الذي أقام علينا حجرًا نفسيًا عقليًا وسلطانًا أدبيًا معنويًا قد ننكر أصله ونغالط في حقيقته ولكن آثاره وتراكماته هي الشاهد والبرهان عليه .

ومن هنا فقد نخلص إلي القول بأن أداءنا الفكري الإبداعي لا يعدو أن يكون مجرد محاكاة وترديد للأداء الغربي ولكن بأصوات عربية وليس بلغة عربية وشتان بين الاثنين .

ومن هنا فالتحيز في الخطاب الإعلامي هو جزء من أداء عام صار هو النمط المعتاد لإنساننا في الحيز العربي الإسلامي وما كان للخطاب الإعلامي أن يفلت وحده من هذا الأداء فذلك مما يتنافي وطبائع الأشياء . ولكن التنبيه الزائد إليه في هذه الورقة يأتي بدافعين: أولاهما

أن الإعلام ووسائطه هو القلب والمركز لهذا الأداء التحيزي العام الذي يطبع حياتنا . وثانيهما: أن المراجعة لأداء القلب والمركز في المنظومة حري بأن يدعو إلي مراجعة أداء المنظومة كلها . فإلي حد كبير إذا صح الأداء الإعلامي . فسينساب التصحيح في بقية أجزاء المنظومة وقد تستقيم خطواتنا علي الطريق الصحيح لإقامة بنائنا من جديد .

عقبتان كأداوان: -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت