فهرس الكتاب

الصفحة 2557 من 3028

وكلتا العقبتين نفسيتان أما أولاهما فتتصل بالشيوع والسيرورة للمنتجات الحضارية الغربية أدبية كانت أو مادية . فبحكم السيادة شبه المطلقة للحضارة الغربية ويحكم الفعالية الاستثنائية لأنماط ووسائط إنفاذها وبالسرعة الفذة المتصاعدة لوسائل الاتصال امتلكت الحضارة الغربية حاكمية تلقائية لم تسبق إليها في الحاكميات الحضارية التاريخية السابقة عليها .

وهذه الحاكمية الحضارية الاستثنائية سوّلت للغرب دمغ جل منتجاته الفكرية الأدبية بخاتم (( العالمية ) (( الإنسانية ) ). ولم تملك القطاعات المستضعفة المستكينة إلا التأمين علي ذلك وخصوصًا من خلال نخبتها - وإن صادم ذلك وتضاد مع المسلمات و اليقينيات الأم في تلك المجتمعات .

ومجموع ما أشرنا إليه ساهم أيما مساهمة في تضخيم الشيوع والسيرورة للنماذج الغربية وخصوصًا في المجالات الإعلامية . فصار الخارج علي أنماطها يشعر شعورًا مكثفًا بالغربة والعزلة بل والشذوذ التام عما سوّد - نفسيًا ومعنويًا - بأنه الأنموذج الذي ينبغي أن ينسج علي منواله ويسير الجميع في ركابه .

وأما العقبة الثانية فهو أن القطاعات المنتمية إلي حضارات ذابلة أو كامنة تقل في تابعيها روح المغامرة والجسارة والإقدام . وتسود فيها وتنتشر روح التسليم بالأمر الواقع ومن هنا يخفت فيها روح الشعور بالتغيير وخصوصًا في الجوانب الإيجابية لواذًا بأمان مزيف من خلال الالتزام بما التزم به جمهور الناس ونأيًا عن مغامرة مودية مهلكة وفقًا للمعيار السائد

وإضافة إلي هذا فإن الإعلام خادم تلقائي للتيارات الفكرية السائدة في قطاع ما . وإذ أن التيارات الفكرية في قطاعنا يغلب عليها التقليد والالتزام التام بالمعتمل في الغرب فليس غريبًا أن يكون الإعلام مرتهنًا بذلك أيضًا .

أنماط التحيز في الخطاب الإعلامي: -

بصورة مجملة يمكن حصر بعض أنماط التحيز في خطابنا الإعلامي في الآتي:

التحيز للرسالة الإعلامية الغربية .

التحيز للمصطلحات والمفاهيم .

التحيز للأشكال والوسائط .

التحيز للنهج الإخباري .

وفيما يلي نتعرف بإيجاز غير مخل لهذه التحيزات الأساسية .

أولًا: التحيز للرسالة الإعلامية الغربية .

الرسالة الإعلامية تكون مترجمة دوما للرؤية المعرفية الكونية الإنسانية للثقافة والحضارة التي انبثقت منها تلك الرسالة وتفتقت عنها .

وبالضرورة أن تتقمص الرسالة الإعلامية الغربية روح ثقافتها وحضارتها الأم ولا نريد أن نخوض في مجالات الوسم والوصم بهذا الخاتم أو ذاك فيما يتصل بمكونات ودعائم النظرة المعرفية الغربية ودرجات الإيجاب والسلب في كل ذلك فهذا لا يعنينا كثيرًا ونحن بصدد هذه المعالجة . وإنما يهمنا الإشارة إلي حقيقتين متصلتين بما نعكف عليه الآن:

أولاهما: أن النظرة المعرفية الكونية الإنسانية الخاصة بنا مخالفة ومفارقة لرصيفتها الغربية كثيرًا سواء في منطلقاتها الأساسية أو تفصيلاتها الداخلية . ومن هنا يتضح بأن تبني الرسالة الإعلامية الغربية وتقمص روحها والتحيز لها هو تقويض داخلي تلقائي لقطاعنا وإنساننا طالما أقررنا بالمخالفة والمفارقة في النظرية المعرفية الأم .

ثم إن هناك خصوصية جزئية متصلة بهذا تستحق الانتباه والتنويه هو أن الثقافة والفكر الغربيين لا يتخذان موقف الحيدة والموضوعية العلمية تجاه قطاعنا وإنساننا . فهناك مركب (( كراهية ثقافية ) )- كما أشار المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد - تجاه إنساننا وقطاعه الحضاري بكل مكوناته . وهناك ما يشبه الطابع الإبادي الاستئصالي في التمدد الحضاري الغربي في قطاعنا .

ومن هنا فالتحيز للرسالة الإعلامية الغربية هو بالضرورة حامل لكل ذلك ومتأثر منفعل به وحلول رسالة إعلامية بهذه المواصفات في قطاعنا هو نحر وانتحار .

ثانيهما: إضافة إلي فرضية صدور الرسالة الإعلامية عن منطلقاتنا المعرفية الأم فيما يتصل بالنظرة الكونية الإنسانية يجب أيضًا استيعاب الظروف والملابسات الخاصة التي تحيط بإنساننا وقطاعه واستصحاب الظرف التاريخي والمخاض الحضاري الخاص الذي يخيم علي أمتنا بكل مكوناته وتفاصيله .

فنحن أمة في أدني درجات أدائها الحضاري الفاعل سواء كان بالقياس عليها في

دورات تاريخها السالفة أو كان بالقياس علي غيرها في حاضرنا وهذه الحقيقة تلزم برسالة إعلامية ذات مواصفات تعالج بالضرورة هذه الحالة وتحرص علي نقلها إلي درجات إيجابية أكبر .

ثم إننا مستهدفون من مشروعين خطيرين أحدهما المشروع الإمبريالي الصليبي الغربي الذي ما استنفد أغراضه بعد في قطاعنا وانساننا و الذي لا يدل أداؤه الحالي عن نيته علي تركنا وشأننا .

والمشروع الثاني وإن كان وليدًا للأول إلا أن له ملامحه الثأرية والانتقامية الخاصة وأعني بذلك المشروع الصهيوني من خلال إسرائيل وأجندتها التفصيلية في صياغة جديدة لإنساننا وقطاعنا بما يؤمن سلامة وجودها ويضمن الرفاهية لها والتفوق الدائم لإنسانها .

ومجابهة مشروعين إباديين استئصاليين بمثل هذه المواصفات التي نحسها ونلمسها فعلًا وممارسة وسلوكًا - وليس مجرد شعار أو لافتة- يلزم أهل الرسالة الإعلامية الإعداد لهما بقدرهما وتفاصيلهما . وهو ما نفتقد معالمه وحقائقه في الرسالة الإعلامية السائدة التي تخلو إلا قليلًا من النهج البنائي التعبوي الواعي ذي الروح المفعم بالأمل والخالي من الإحباط والانكسار والمتسلح في نفس الوقت بالعلمية المنهجية الدقيقة في تعامله مع كل ما يحيط به .

ثانيًا: التحيز للمصطلحات والمفاهيم:-

في خطابنا الإعلامي هناك تحيز للمصطلحات في بعض الأحيان وهناك تحيز مباشر للمفاهيم في أحيان أخري وناتج عن ذلك بالضرورة تحيز متداخل للمفاهيم والمصطلحات .

وسنستعين ببعض الإيضاحات المعينة علي إثبات دعوانا . فمن المصطلحات السيارة في إعلامنا والتي نصحو عليها صباح مساء مصطلح قضية الشرق الأوسط أو مصطلح الشرق الأوسط مجردًا . وكلا المصطلحين مترجم لرسالة إعلامية مستهدفة لتصفية كياننا وإنساننا وغني عن الذكر أن هذه المصطلحات عينها هي من الأذرع المهمة في ذلك الاستهداف وتلك التصفية .

فبادئ ذي بدء مصطلح مثل قضية الشرق الأوسط تبدو في معالمه الأولي حيثيات التفريغ والإفراغ من ناحية وحيثيات الإبدال والإحلال من ناحية أخري . وتكمن في ذيوعه وسيرورته تحقق الأماني الإمبريالية الصهيوصليبية برمتها وما بلغته في هذا الطور من تاريخنا وما تنبئ به المقدمات من نتائج تسوقها ولو بعد حين .

ومعلوم أن هذا المصطلح ليس من منحوتاتنا اللفظية ولا مصطلحاتنا الأم وإنما هو مصطلح وليد للإستراتيجيات الإمبريالية الصهيوصليبية . وهو ترجمة عملية لنظرية تاريخية إمبريالية شهيرة هي نظرية الأرض التي لا مالك لها التي اخترعتها الأدمغة الفلسفية الغربية الإمبريالية أثناء صراع الممالك الأوروبية علي البقاع الإنسانية غير الغربية . فالإنسان الغربي لا يعترف بإنسانية غير أوروبية - كما تترجم ممارساته وسلوكياته - وفي حمي ذلك الصراع الإمبريالي علي أفريقيا وآسيا وغيرهما لم يكن هناك اعتراف بإنسان تلك الأمكنة أو أنظمتها والاعتبار إنما كان (( لمالك ) )أوروبي حلّ بها فإن كان وإلا فهي أرض بوار لا مالك لها وإن عجت وزخرت بالمئين من ملايين الأنفس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت