وتسمية قطاعنا الحضاري العربي الإسلامي بالشرق الأوسط هو تفريغ نفسي مادي تاريخي من كل مضامينه . وهو من ثم إلغاء تلقائي لمقتضى كل ذلك وبلا أدني ريب . فهو (( إخلاء ) )وإذا تم الإخلاء بحكم الحيثيات غير الأوروبية وغير الغربية فقد جاز إجراء منطق التمليك لهذا (( الخلاء ) ). وهذا ما تسعي الإمبريالية الصهيوصليبية لبسطه وتسويده وبصورة عملية .
وإضافة إلي هذا فإن تسويد مصطلح الشرق الأوسط هو نصر ضمني لإسرائيل . فأنت إذا قلت العالم العربي أو العالم الإسلامي فذلك يعني نفيًا تلقائيًا وإسقاطا عمليًا لإسرائيل إذ أن كلتا الصفتين ( عربية / إسلامية ) مما لا يتيح لها سبيل وجود أو ظهور . وأما الشرق الأوسط فهو تضمين بالضرورة لإسرائيل فضلًا عن تهويمه وإيهامه لتاريخ وهوية وحضارة المنطقة فما عادت إسلامية عربية وإنما شرق أوسطية .
ومثال ثاني هو مصطلح (( الإرهاب ) )والذي نال ذيوعًا وسيرورة منقطعة النظير . وقد نعلم أن الغرب ومنذ الثورة الإسلامية في إيران عكف علي قولبة الإسلام وإنسانه في قالب الإرهاب ومشتقاته ومع الإنسياح الكثير للإعلام الغربي من مقروء ومسموع ومنظور تخلق لدي القطاع الأعظم من بني الإنسان أن (( الإرهاب ) )هو الاسم الآخر للإسلام .
فالتأمين علي مصطلح من هذا القبيل والإذاعة له في أوساطنا ودون بذل أي جهد للتحليل والتمحيص هو دمغ لأنفسنا بأنفسنا بجريمة نحن منها براء . وهو تبرع تلقائي لا بتجريم النفس فقط وإنما القبيل والقطاع كله .
وأسوأ ما يبرر به الناس مثل هذه السقطات السهو وعدم التعمد وهو العذر الأكثر قبحًا . فنحن في عالم لا يرحم وهو تجاه قطاعنا سابق دومًا إلي التجريم والإدانة . وحرصه علي إفنائنا وتقويضنا مما لا يحتاج إلي دليل .
وقريب من ذلك تشويه العمليات الفدائية وإطلاق الصفة الانتحارية عليها . بدلًا من الاستشهادية . وما يراد من وراء ذلك من تزهيد في الروح الجهادى الفدائي والتشويه لمدرك الشهادة من خلال دمغه بالانتحار .
هذه أمثلة للتحيز للمصطلحات وأما التحيز للمفاهيم فنكتفي بمفهوم حقوق الإنسان وجعله مدركًا مطلقًا . مع أنه مدرك غربي احتكاري يسعي لجعل كل غربي إنساني عالمي .
وكان حريًا بنا أن نقول: حقوق الإنسان الغربي كنوع من التمييز إذ أن سير وسيرة المفهوم علي ما نعاصره الآن بلغ درجات من المركزية الغربية تجعلنا نشمئز من المسايرة المطلقة لهم فيه والتسليم الضمني بأنه حقوق مطلقة لبني الإنسان بعد أن صار المفهوم فريسة لفئات من المترفين والمترفات من الشاذين والشاذات . وإذا بنا ودون أن ندري نجد أن اللواط والسحاق حقوقٌ يجب أن تراعي لهذا الإنسان الغربي ولا تقتصر علي مجرد الاعتراف والإقرار لها في القطاع الغربي وإنما أن تكون مسلمات يدين لها قطاعنا الإنساني الحضاري كله بالطاعة والإذعان التام . وأن نتخلص عن كل موروثاتنا بل أصولنا الفكرية التشريعية فنتخلص من مدركنا للمعروف والمنكر فننكر معروفنا ونعرّف منكرنا لا لشيء إلا إذعانًا للسيد الغربي في أخس نزواته وأحط شهواته .
والمتابع لصيرورة المفهوم في أوساطنا العربية المسلمة في العقد الأخير يري أن مسمي حقوق الإنسان صار مدركًا موازيًا ومضادًا لتطبيقات الشريعة الإسلامية وهذا من إستراتيجيات الابتزاز والاستنزاف الفكري النفسي التي لم نحط بها علمًا بعد وهو مما لا يتسع له هذا الحيز للإبانة والتفصيل .
وخلاصة ما يقال أن التحيز التلقائي للمصطلحات والمفاهيم هو من الأذرع المهمة في آليات الإجهاز والإبادة والتقويض لإنساننا وقطاعه وما يمت إليهما بسبب . ولعل من أقل الجهد الذي ينبغي علي الإعلاميين بذله أن يحصوا هذه المصطلحات والمفاهيم وأن يقوموا بعملية تفكيك وتشريح مفصل لها . وأن لا يستسلموا للعجز فيزعموا عدم وجود بديل إحلالي لها .
ثالثًا: التحيز للنهج الإخباري: -
العجز في المجال الإخباري نابع عن الاحتكار الغربي شبه المطلق لوكالات الأنباء والتي هي غربية في سوادها الأعظم . وهذه الوكالات جعلت مقاييسها ملزمة لنا وبصورة تلقائية . بدءًا باختيارها لنوعية الأخبار مرورًا بترتيب أهميتها وما يعنينا منها . انتهاء إلي الانطباعات المختلفة عنها .
ولعل الأمثلة الواضحة تعين علي الإيضاح أكثر من الوصف المجرد . فقبل أعوام قلائل وفي حادث حركة ذهبت ضحيته الأميرة ديانا مطلقة ولي عهد إنجلترا . وجدنا أنفسنا ملزمين بمتابعة ذلك الخبر وكل التفصيلات المتصلة به . ولو طالعت المواد التلفازية والإذاعية والصحفية لعالمنا العربي الإسلامي أيام ذلك الحدث بل وبعده بزمان لوجدته مجرد صدي لما يعتمل في الآلة الإعلامية الغربية .
وقد شوهت مفاهيمنا الأخلاقية ومعاييرنا القيمية مما انجرفت فيه بعض من وسائطنا الإعلامية في تحيزها المنجرف للرسالة الإعلامية الغربية . فوجدنا من يبرر لسقطات ديانا الأخلاقية بل من يقلبها إلي سلوكيات (( قديسة ) )لا تستحق الشجب وإنما تلزم بالتفهم والتعاطف بل وإضفاء صفات السمو والروعة عليها !
وما من ريب أنه كانت في أوساط عالمنا الإسلامي عشرات بل مئات من المآسي الموجعة التي غطي عليها ذلك التحيز وقبرها في التراب وطواها في عالم النسيان . كانت هناك مأساة فلسطين المتجددة وكانت هناك حيثيات مفزعة موجعة لما أصاب كرائم المسلمات في البوسنة والهرسك علي أيدي الصرب من اغتصاب وتقتيل . وكان هناك أنين الأطفال والأرامل في العراق وغيره وغيره .
كل هذا الواقع المرير الذي يستحق توفرًا خاصًا ومعالجة رسالية تحليلية مواكبة له أولًا بأول تأتي تحيزات النهج الاخباري الغربي المتبناة في إعلامنا للقضاء عليها وقبرها في عالم النسيان والمثال الذي اجتزأته من موت ديانا هو مجرد شاهد ولكن غيره كثير مما يطوي معالم قضايانا في قبور النسيان .
وفي مثل هذه التحيزات الخبرية تحدث نتائج عرضية لا تقل خطورة وفداحة علي قطاعنا الحضاري وإنسانه . ومن ذلك مثلًا مسخ صورة البطولة وانحصارها من خلال الترداد الإعلامي المستمر في شكل ممثلة أو مغني أو لاعب كرة في أحسن الأفعال .
إن في هذه الصيرورة لمدرك البطولة والنجومية في قطاعنا خطر أيما خطر فهو وأد للبطولة الحق من ناحية وهو ترويج لأمثلة زائفة مضللة لا تنتفع بها في شيء وهو في بعض الحالات وأد للمروءة والفضيلة من خلال الإعلاء لشأن ساقطة أو ساقط . وكل هذا من المناقضات لمقتضى ما نحتاجه وما نريد . ففي مجتمعات محاطة بمخاطر المشروع الإمبريالي والصهيوني وفي قطاعات تتخلف فيها التنمية يومًا بعد يوم وتزداد فيها نسب الفقر والعوز ساعة بعد ساعة يكون التسويغ والترويج لهذه النماذج المزيفة من البطولة جريمة لا تقل عن المذابح الجماعية بحال .
التحيز للأشكال والوسائط:
أتيحت لي الفرصة قبل شهور للاستماع لورقة إعلامية لفت انتباهي فيها سيطرة الأسطورة الدرامية علي صاحبها كمقوم أول وركن ركين في العمل التلفازي بوجه أخص . ولو اكتفي صاحبنا بذلك لكان الأمر مفهومًا ولكنه أبان في لحظة صدق عن شغله الشاغل وهو بحثه عن فتوى تجيز له تعرية الأنثى بصورة أخص لأن ذلك صار من مقومات الأداء الدرامي الهادف والذي سيضمن القبول والرواج لرسالتنا الإعلامية !!