فهرس الكتاب

الصفحة 2559 من 3028

ولا أريد أن أعلق كثيرًا علي هذا لأنه سينحرف بي عن مسار المعالجة وإنما أجتزئ منه ما يتصل بورقتي هذه وهو التحيز المطلق للأشكال والوسائط الغربية . وسيطرة ذلك علي ذهن رجال إعلامنا بحيث تحجب عنهم كل المساحات الإبداعية الحقيقة التي يمكن أن يجلوها ويبصروا بها . فنحن في الحقيقة إزاء حالة غير سوية وبكل المقاييس .

إن أشكال التعبير الإعلامي التلفازي لا يمكن اختزالها في الأداء الدرامي فقط والأداء الدرامي لا يمكن حصره في العاري منه فقط بأي حال من الأحوال ! هذه الأسطورة خلفها العجز النامي عن التحيز المفرّغ لإنساننا من كل مقومات ومقدرات الاجتهاد .

وقريب من هذا التحيز الغريب للكم الموسيقي الهائل - بكلمات أو بدونها - والذي يكاد يمسخ أهداف بعض البرامج . وزحف النسق الموسيقي الغربي حتى علي المدائح النبوية ومن المدهش لدي ألا يثير ذلك دهشة أحد . ولا أدري كم يتبقى من تراثنا - بمنطق الفولكلور الغربي نفسه - إذا استمرأت فئات من شبابنا الفارغ هذا النهج من المسخ والتشويه وبإقرار تام من الأجهزة الرسمية وغيرها .

ما أخفاه التحيز من المضامين في إعلامنا:

قد نعيد ونكرر أن قطاعنا الحضاري مليء متخم بهمومه ومشاكله الخاصة . وأنه قطاع مستهدف بالإلهاء عن تلك الهموم والمشاكل ، فواضح أن نهضته رهينة بحل وتجاوز تلك الهموم والمشاكل و التي لن يستطيع معها أن يقوم بدوره ورسالته في هذا الوجود .

ومن هنا فالإلهاء عن تلك الهموم والمشاكل شرط أول في الإبقاء علي إنساننا علي حالته من التخلف والعوز والعجز إن لم يضاعف منها ويزاد عليها . وأظن أن المكونات الأولي للرسالة الإعلامية ما يتصل بإعلاء الحس والوعي بتلك الهموم والمشكلات التي نوهنا بها لا في إطار التعريف فقط وإنما في المعالجة وكيفية القضاء والاستئصال لها .

إننا نسمع عن الإعلام التنموي ونريد أن نضيف إليه الإعلام التعبوي . ولا نعني به التعبئة بمعني الحشد للجهد العسكري كما يتبادر إلي الأذهان . وإنما نعني به الحشد لتخليق عقدة إيجابية - اسميها - في إنساننا ! لا بد من تعريف إنساننا في قطاعنا الحضاري عمومًا وفي قطاعنا السوداني بوجه أخص بأنه في أدني درجات السلم في عالم الإنجاز والتحقق الحضاري! وتكون تلك (( العقدة ) )إيجابية إذا ما رفدت بتعليمه كيفية تجاوز ذلك إلي نماء وإسهام حقيقي في نهضته ونهضة قطاعه .

وكل ما ننادي به موؤود بالضرورة بالتحيز للرسالة الإعلامية الغربية ومضامينها . إننا مثلًا في حاجة إلي التبصير بالهموم القومية المشتركة داخل الإطار السوداني . مشكلة مثل مشكلة العطش ينبغي أن يكثف الإحساس بها بحيث تغدو همًا خاصًا لكل فرد من أفراد الأمة وبجعلها قاسمًا مشتركًا للكبير والصغير والغني والفقير . إن الذيوع والسيرورة لمشكلة كهذه قمين بأن يكثف الإحساس بضرورة الإسهام في حلها والقضاء عليها وسيحمل الضمير الجمعي ذلك وسيصتصحبه في نومه ويقظته وحله وترحاله وذلك الألم سيتحول إلي أمل ! أمل في القضاء علي ذلك الألم وتراكمات هذه المشاعر وأنواع الوعي المكتنزة والمحتشدة هنا وهناك قمينة بحل مشكلة المياه وانفراج أزمتها يومًا ومع انفراجها ستنفرج شدائد أخري كثيرة .

ومضمون إيجابي آخر خذله التحيز للمضامين الغربية في إعلامنا فنحن نعاني من تآكل الروح التكافلي في مجتمعنا ومن تنامي مارد الذاتية والانكفاء الزائد علي النفس . وقدر كبير من وزر ذلك تتحمله الرسائل الإعلامية المتحيزة للمضامين الغربية أصالة أو وكالة أعني إما عبر نماذج إعلامية غربية مباشرة أو غير مباشرة فيما يسمي بالمسلسلات العربية مثلًا .

إن التفريغ المتزايد للريف والهجرة المتزايدة إلي المدينة تدين في كثير منها إلي المضامين المتحيزة في رسالتنا الإعلامية التي صورت المدينة جنة علي الأرض ووصمت الريف بكل سلبي مثبط . فساهم ذلك ضمن أسباب أخري في ألوان المعاناة التي صار يصطلي بها الريف والحضر في آن معًا .

إن أزمة المضامين المغيبة في إعلامنا لن تواجه إلا بإعادة النظر والتمحيص للرسالة الإعلامية المتحيزة السائدة في أوساطنا ووضع خارطتها علي مائدة يجتمع إليها نفر مستقل في عقله وضميره ومشاعره يعيد تشكيل معالمها بالحقيق المهم من قضايا الأمة المصيرية في عاجلها وآجالها ويعيد إنسانها إلي حلبة التاريخ من جديد .

كي لا يكون الإعلاميون مجرد جماعة وظيفية للحلف الصهيوصليبي في قطاعنا: -

الأداء السائد للرسالة الإعلامية في أوساطنا يفتقر في جله إلي المضامين الإيجابية البناءة التي يرجي لإنساننا أن يتشربها ويحسن تفهمها والانفعال بها وتساعده علي التفهم لدوره ورسالته في الوجود واحتشاده المرتجي لأداء ذلك الدور وتلك الرسالة .

وتصحيح كل ذلك مربوط بانفكاك الإعلاميين من الربقة الغربية والانفلات من التحيز الأعمى لتلك الرسالة الإعلامية الغربية والتي يعني التمادي في الانحياز لها إطباق الحصار علي إنساننا من المشروعين الإمبريالي الصليبي والإسرائيلي الصهيوني فضلًا عن تغييب وعيه وتصعيد تقهقره وعجزه وضعفه .

إن بعضًا من الرؤى المغيّبة قد انجلى وانكشف في الآونة الأخيرة وبعض من أهمه متصل بالمعالجة التي نتوفر عليها الآن . وملخص تلك الرؤى أنه ومع تزايد العولمة الأمريكية وازدياد نهمها وتنامي ازدرائها لإنساننا وما يمثله وما ينتمي إليه برزت لديها حاجات عديدة تصب كلها في مصالحها الإستراتيجية والتي صارت العولمة آليتها الأولي والأهم في تحقيقها .

إن مسألة تفكيك الدولة والأمة والهوية صار من المتطلبات الأولي لهذه العولمة الأمريكية وفيما يتصل بمسألة تفكيك الأمة والهوية هذه لم تفلح الآلة الإعلامية الغربية في تحقيق ذلك مع ضخامتها وقوة بطشها .

ومن هنا فالمعوّل هو علي الآلة الإعلامية المحلية بحكم إجادتها للسان ولغة التخاطب وانتفاء النفور والاشمئزاز في حقها . وتوفر التآلف والأنس بها .

ومن هنا فالبادي للعيان أن المعوّل الأول سيكون علي هذا ولعل في طلائع بعض الفضائيات وما تضطلع بها من رسالة تفريغية تفكيكية دليل أيما دليل علي الدور المنوط بإعلامنا في ظلال العولمة الأمريكية هذه .

ومعلوم أن الغرب عمومًا وأمريكا علي وجه الخصوص تعوّل علي ما يسمي بالجماعات الوظيفية في تحقيق ما تريد في قطاعنا في مقام أول . والجماعات الوظيفية هي التي تنجز مهامًا بالوكالة مدفوعة الأجر تعجز الجهات الأم عن القيام بها والأداء لها بنفس الإتقان والبراعة وخبرة الاحتراف المتأتية لتلك الجماعات المنوّه بها .

لقد قيل عن انتهاء دور الدولة في قطاعنا وتقلص دورها السيادي فيما بعد الحادي عشر من سبتمبر وأن ذلك سيتقلص رويدًا رويدًا إلي مجرد دور أمني لا للحفاظ علي أمن إنسان المنطقة وإنما الحفاظ علي الأمن الأمريكي في المنطقة . وموجز ذلك أن الدولة في قطاعنا ستتحول - أو هذا ما يراد لها - إلي دولة وظيفية موكول لها الحفاظ علي المصالح الإمبريالية الصهيوصليبية في قطاعنا وبقوة الحديد والنار !!

وكل دولة وظيفية - علي هذا السياق - تتطلب جماعات وظيفية ضابطة لأدائها موجهة لطاقاتها بما يتوافق والهوي الإمبريالي الصهيوصليبي .

وإن الحاجز الواقي دون كل ذلك درجات من الوعي والفكر مبصرة بأبعاد ذلك بل وقافزة فوقه إلي قلب ميدان التحقق والشهود الحضاري وكل ذلك لا يتأتي دون رسالة إعلامية هادفة تبثها فئات منفعلة بقضية أمتها حريصة متفانية في السهر علي حفظ فكرها ووعيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت