فهرس الكتاب

الصفحة 996 من 3028

فالإبادة التي مارسها أبطال عصر الأنوار (فاتحة النهضة الأوربية) في إبادة الهنود الحمر في الأمريكيتين، أو في سوْق الأفارقة عبيدًا إلى أمريكا الشمالية، وعمليات النهب والإفقار التي مارسها المغامرون الأوروبيون الأوائل، مرورًا بالاستعمار المنظم من خلال الدولة، وانتهاء بالإمبريالية، واليوم بالعولمة، وما يجري الآن من فرض أنظمة عولمية على شعوب العالم الثالث؛ مما سيزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا، بل ما سيعرِّض عشرات الملايين إلى الإبادة ومئات الملايين إلى الفقر المدقع، والبيئة إلى الدمار -إن كل هذا يثبت أن ما لدى الغرب من بضاعة ثقافية وعلمية وإنسانية وحقوقية ومقلات ديمقراطية لم تستطع - طوال خمسمائة عام - أن تؤنسن علاقات الغرب بالشعوب الأخرى التي تمثل الأغلبية الساحقة من البشر، وهي اليوم مع الشركات متعددة الجنسيات متعدية الحدود أشد عجزًا عن فعل ذلك.

ولهذا فليس من حق الإسلام وعلمائه ومفكريه وقادة شعوبه وصحوته أن يوالوا فكرة أنسنة العلاقات بين البشر، ففي مخزون الإسلام الكثير والكثير ليقدمه؛ ليس في هذا المجال فحسب، بل في كل مجال يهمّ البشرية.. وليس لصالح الناقدين للعولمة والحداثة وما بعد الحداثة من علماء الغرب ومفكريه وشبابه الذين أدانوا العولمة وتظاهروا ضدها فحسب، وإنما أيضًا لحق كل شعوب العالم خارج الغرب التي من حقها أن تكون لها كلمتها في أنسنة العلاقات بين البشر.

معتز سلامة**

بابا الفاتيكان

جاءت تصريحات البابا بيندكت السادس عشر لتلقي بالكنيسة خلف السياسة ولتغلف أجواء من الماضي عمل الجانبان الإسلامي والمسيحي طويلا على تلافيها والتخلص من أعبائها التاريخية الثقيلة. فهل جاء تصريح البابا عن جهل بالآخر، أم جاء ليؤرخ لحقبة جديدة من علاقة الكنيسة بالدولة في الغرب وعلاقة الغرب بالعالم الإسلامي؟.

فقد ألقت تصريحات البابا بيندكت السادس حول الإسلام بالضوء على الخلفية العلمية والتوجهات المحافظة المنغلقة للبابا بيندكت السادس عشر؛ فليس هذا التصريح إلا قمة جبل الثلج التي تخفي تحتها قناعات شخصية خاصة بالبابا وعلماء اللاهوت والمتخصصين الأكاديميين في المعاقل الدينية في الغرب، بشأن القرآن والإسلام، كما أنها ليست أول ملاحظة سلبية يبديها البابا حول الإسلام.

فقد روى الأب جوزيف د.فسيو تفاصيل الحلقة الدراسية التي حضرها مع البابا بيندكت في سبتمبر 2005 حول الإسلام. حيث قال البابا -كما روى الأب جوزيف-: إنه في العرف الإسلامي أعطى الله كلمته إلى محمد، لكن هذه الكلمة أبدية، وهي ليست كلمة محمد، فهي موجودة إلى الأبد مثلما نزلت من دون تغيير ولا مجال لتعديلها أو تفسيرها، وهو -كما يرى البابا- جوهر الخلاف بين الإسلام والمسيحية واليهودية. وطبقا للأب د. فسيو فإن بيندكت يفهم القرآن على أنه"شيء سقط من السماء ولا يمكن تعديله أو تطبيقه"، وهو نوع من الجمود.

قناعات مفارقة ورؤية منغلقة

ويتضح من رواية د. فسيو أن البابا بيندكت ليس من طائفة الباباوات المنفتحين، مثل البابا السابق يوحنا بولس الثاني، وإنما هو من طائفة الباباوات المحافظين المنغلقين على معارفهم بالآخر من خلال تفاعلاتهم الذاتية والمعرفة المتوارثة من الكتب التي تضمنت أسوأ خبرات الاحتكاك بين الحضارتين وليس المعرفة المرتبطة بالعصر والتي تتراكم من خلال الاحتكاك المعاصر بالآخر.

وهذه القناعات الخاصة بالبابا تمثل مفارقة تامة مع القناعات التي أرساها البابا السابق، فبينما نأت الكنيسة الكاثوليكية بنفسها عن السياسة وتمكن البابا يوحنا بولس الثاني من رسم معالم هذه السياسة وتجذيرها على امتداد عقود بابويته، فإن البابا الجديد يضع بتصريحاته ورؤاه المحافظة العلاقة بين الكنيسة والدولة على محك قد يجعل الكنيسة خادمة للسياسات الغربية أو الأمريكية المحافظة تحديدا.

وعلى مستوى علاقة الكنيسة بالدولة في الغرب، فإن هذه التصريحات تأتي في ظل الإدارة الأمريكية الراهنة التي يتحكم بها المحافظون الجدد، وصحيح أنه ليس وراء السياسات الأمريكية توجيهات كنسية مباشرة، إلا أنه من الملاحظ اتجاه عدد من السياسيين الأمريكيين -وعلى رأسهم الرئيس بوش نفسه- إلى إقحام المصطلح الديني على قاموس العلاقات الدولية. وتكثيف رؤية الآخر -وتحديدا العالم الإسلامي- من منظور معين يحصره في معاني: التأخر، والتخلف والإرهاب ومحدودية العقل، ويسلط الضوء على لقطة من أسوأ لقطات التماس بين الإسلام والمسيحية في العصور الوسطى، وهي لقطة مشوهة أيضا في علاقة الكنيسة بالدولة والسلطة الروحية بالسلطة الزمنية في الغرب.

تصريحات بيندكت والسياسة الأمريكية

وعلى مستوى السياسة الأمريكية، فإن هذه التصريحات تأتي في ظل تكرار أكثر من تجربة غزو واحتلال لبلد عربي إسلامي، وقد حرصت الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا السابق على النأي بنفسها عن كل ذلك. وفي يوم ما حينما كانت الطائرات الأمريكية تقصف كابول وبغداد، لم يحمل أي شخص عاقل في العالم الإسلامي البابا السابق أي ذنب في احتلال أي بلد عربي أو إسلامي، وكان الجميع باستطاعتهم التفريق بين سلوك إدارة بوش والبابا المعتدل يوحنا.

وفقط المهووسون بالصراع الديني وبالعداء للآخر هم الذين كانوا يتحدثون عن مؤامرة تبشيرية. لكن من شأن تصريحات البابا الجديد أن تقذف بالكنيسة في قلب الصراع الجاري بين السياسة الأمريكية والعالم الإسلامي. وذلك قد يعمل على تقريب الكنيسة في صورة العقل الإسلامي أكثر بسياسة أمريكا في المنطقة العربية والإسلامية وتوجهات المحافظين الجدد بشأن تقسيم المنطقة علي أسس محض طائفية ومذهبية، بدلا من كونها في قلب الغرب الأوروبي الذي عقلنته خبرات الصراع والتجارب مع العالم الإسلامي.

وعلى مستوى حوار الحضارات، فإن تصريح البابا الجديد، قد يوجه ضربة لما بذل من جهود في مجال حوار الحضارات، وقد يفسح المجال لبروز أطروحات الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية على نحو خاص، ومن ثم يؤدي لتكريس أطروحة صامويل هانتنجتون حول صدام الحضارات.

ولقد كانت تجربة حوار الحضارات مفيدة جدا لكلا الجانبين، فبرزت معاقل فكرية ومسارات أكاديمية وبرامج بحثية تحت مسمى حوار الحضارات يتم دعمها من الجهات المعنية ومن الحكومات، وهي برامج ومعاهد استوعبت في إطارها كل المخاوف السابقة التي كانت تدور حول الغزو الفكري أو الغزو الثقافي، حيث أصبحت كل الأفكار تطرح وتناقش من دون خوف وفي إطار من الشعور بالندية وعلى قدم وساق. ولولا هذه البرامج المتعقلة التي تم تأسيسها منذ سنين قليلة لربما كانت نتائج تصريحات البابا أكثر اتساعا في تداعياتها السلبية، لذلك كان من اللافت أن الأطروحة الغالبة في العالم الإسلامي -كرد على تصريحات البابا الأخيرة- كانت أطروحة الاعتدال وليس أطروحة التطرف.

وقد كان على رأس تلك الدعوات من دعا إلى مزيد من الحوار بين الحضارات لمعرفة الآخر، ومن ألقى باللوم على الذات لقصور التوجه إلى الآخر، وعلى الجانب المسيحي هناك من انتقد البابا بشكل أكثر وأشد من انتقادات بعض المسلمين له على أنه لا يعرف التاريخ جيدا ولا يعرف علاقة المسيحيين والمسلمين في الشرق، وليس على دراية بعلم الأديان المقارنة، وحصر نفسه في دراسة اللاهوت.

تكريس"الدورة الخبيثة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت