فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 3028

إن الأزمات التي واجهها وسيواجهها العمل الإسلامي يظل علاجها داخلًا في إطار الممكن والمشروع ، أمَّا ما ليس ممكنًا ولا مشروعًا من الأعمال ؛ فإنه يطيل أمد النوازل من جهة ، ويضيع الجهود ويفرق الصفوف ويقوي الأعداء من جهة أخرى ؛ ولهذا فإن المواءمة والموازنة بين الإمكانية والمشروعية في العمل الإسلامي ، وتصفية خلاصة إيجابية منها من بين ركام المشروعات المستحيلة وغير المشروعة ؛ تحتاج إلى وعاء يجمع خلاصة فقه وفكر وتجربة خلصاء هذه الأمة ، وهنا لا يحتاج الأمر فقط إلى معالجات فقهية لنوازلنا وإن كان الفقه مفتاح الحلول وإنما يحتاج إلى عمل مؤسسي بحثي شامل يتبناه الأثرياء ، ويشرف عليه العلماء يتخصص في رصد مشكلات الأمة ونوازلها ورصد أزمات العمل الإسلامي في التعامل معها ، وتحديد ضوابط سيره ، وتجديد الدماء في عروقه بمعرفة عوامل قوته وأسباب ضعفه ؛ فمن غير المعقول أن تعقم عقول أمة تقارب ربع سكان المعمورة عن حل مشكلات حاضر غير مستقر ، بانتظار مشكلات مستقبل غير واضح ، في زمن لا يمهل المهمل حتى ينشط ، ولا المتأخر حتى يتقدم ، صحيح أن المشوار طويل ، ولكن نهايته محسومة لصالح ديننا الأغر ، وحضارته الباقية بلا دولة في مواجهة دولة الباطل القائمة بلا حضارة [ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْض ] (الرعد: 17) .

د.عبدالعزيز بن مصطفى كامل

كثيرًا ما تختلط الأمور، وتختلف التفاسير، وتتعدد الاحتمالات في قضية من قضايا الأحداث المعاصرة، حتى يذهب الناس بسبب ذلك إلى تصور «سيناريوهات» متناقضة وضرب تخمينات متعارضة، تحت التأثر بتحليلات مرتجلة أو تسريبات متعمدة، وعند ذلك؛ ربما يكون الحل للوصول إلى رؤية أقرب للصواب، أن يلتجئ الباحثون إلى أمهات الحقيقة قبل بناتها، وإلى أصول الطريق بدل بُنَيَّانها، وإلى الثوابت والأصول قبل المتغيرات والتفريعات، حتى لا نتشعب في شؤون القضية أو نتيه في شجونها.

وقد مرت في العقود القليلة الماضية قضايا وأحداث كثيرة من هذا القبيل، تضاربت آراء الناس حولها من عامة وخاصة، حتى ضربت الأحداث الجميع بما كان الأكثرون لا يتوقعون ولا يصدقون، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما كان في حرب الخليج الأولى بعد الثورة الإيرانية، وما كان في حرب أفغانستان الأولى بعد الانسحاب الروسي، وما كان في حرب الخليج الثانية بعد الغزو العراقي للكويت، وما كان في حرب أفغانستان الثانية بعد أحداث سبتمبر، وما كان في حرب الخليج الثالثة، بعد الإرجاف بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل؛ فقد كان الناس في كل مرة يتساءلون بقلق: أتقع الحرب أم لا تقع...؟ أتثبت الأطراف على مواقفها أم تتراجع...؟ أيحدث الدمار والاحتلال، أم يتغلب العقل ويسود السلام...؟

واليوم تتجدد ظروف مشابهة، في أحوال مقلقة، تتعلق بكل من القضية الفلسطينية بعد فوز حماس، والقضية العراقية بعد بشائر الهزيمة الأمريكية، والمسألة الإيرانية بسبب ما استجد في ملفاتها النووية، وقبل ذلك كان الانشغال بالقضية السورية بعد اغتيال الحريري، لكن الشاغل الأكبر، والتساؤل الأخطر، تفرضه تداعيات الأزمة الإيرانية؛ لأنها باتت تمثل خطرًا يفوق ما سبقه من الأخطار، أيًا كانت الاحتمالات في الحرب أو تأجيلها أو حتى في إلغائها.

والظاهر أن الأزمة ـ ولا أقول الحرب ـ سيطول الجدال حولها، ولهذا فلا بأس من إطالة النَّفَس حول الغوص في خلفياتها؛ لمحاولة استجلاء مستجداتها وتداعياتها؛ فالقضية ليست تصعيدًا ثنائيًا بين طرفين يمكن أن تقتصر عليهما الأضرار والأوضار، ولكنها قضية ذات مخارج ومداخل إلى غيرها من القضايا والساحات.

ولا بد من العودة ـ كما سبقت الإشارة ـ إلى أصول المواقف وثوابتها لدى الأطراف، مع الإلمام بخلفياتها العقدية أو العنصرية والمصلحية، والإلماح إلى تطوراتها التاريخية.

والأزمة الإيرانية الحالية، لها أطراف متعددة؛ فالطرف الرئيسي فيها ـ بعد إيران ـ هو الولايات المتحدة الأمريكية، والطرف الثالث هم العرب، وبخاصة دول الجوار الإيراني، والطرف الرابع هو دولة اليهود (إسرائيل) ، والطرف الخامس هو ما يسمى بـ (المجتمع الدولي) ، وأبرز أعضائه فيما يتعلق بتلك الأزمة هو أوروبا وروسيا والصين.

نظرة في الخريطة الاعتقادية والعنصرية:

بالعودة إلى ثوابت المواقف في ضوء ذلك سنراها على ما يلي:

1 ـ هناك نِدِّيَّة تقليدية بين كل من الغرب النصراني والطرف الإيراني، وهذه الندية الضدية تعد امتدادًا لما كان في سالف الزمان من صراع اعتقادي وعنصري بين الفرس والروم.

2 ـ أن هذا الصراع بين الطرفين؛ كانت ساحته التقليدية عبر التاريخ، تمتد على طول المسافة بينهما من أقصى شرق العراق، إلى أقصى غرب الشام، وما يحاذيهما من أراضي شمال الجزيزة العربية، إضافة إلى ضفافها الشرقية.

3 ـ أن الطرفين المتصارعين على الرغم مما بينهما من بغضاء وعداء على مر التاريخ، كانا ـ ولا يزالان ـ يشتركان في النظر إلى العرب نظرة دونية، ملؤها الاحتقار، وهاجسها السيطرة والاحتكار، وفق مصالح الطرفين فقط.

4 ـ أن هذه الكراهية المشتركة والممتدة عبر التاريخ للعرب، كانت تمزج دائمًا بين الحقد العنصري، والبغض العقائدي. فالفرس كانوا قبل الإسلام يزدرون العرب عنصريًا، وبعد الإسلام كانوا ـ إلا من طهره الله بالدين الصحيح ـ يتعالون على العرب دينيًا ومذهبيًا، ويحاولون أن يجعلوا من أنفسهم حماة دين الإسلام الذي اختصروه كله في محبة أهل البيت بزعمهم. وأما النصارى الغربيون، فقد كانوا قبل الإسلام وبعده يجمعون في موقفهم من العرب بين بغض عنصري وحضاري وبُعد ديني.

5 ـ وأما الطرف الرابع، وهم اليهود، فلا يشك أحد في أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، سواء كانوا عربًا أو عجمًا؛ غير أن بغضهم للعرب أشد؛ لأنهم يبغضونهم دينيًا كمسلمين، وعنصريًا كعرب، وموقف هؤلاء المغضوب عليهم من النصارى الضالين معلوم، فهم ـ دائمًا ـ يتخذون منهم حميرًا تُركب للوصول إلى مآربهم، وموقف اليهود من الفرس قبل الإسلام كان فيه تقارب بسبب إعادة الفرس ليهود السبي البابلي إلى فلسطين، وأما بعد الإسلام، فإن بغض العروبة كعنصر، والسنَّة كمذهب، كان عاملًا مشتركًا بين اليهود وجمهور من الفرس المتشيعين، وهذه هي الأرضية التي بنى عليها عبد الله ابن سبأ اليهودي دعائم المذهب الشيعي، حيث حملها فئام من الفرس بحماس، وتصدروا لها بإصرار؛ لأنها ـ باختصار ـ تقوم على بغض يهودي فارسي للعرب، وكل ما يتفرع عن ذلك مجرد تفاصيل.

6 ـ وأما ما يسمى بـ «المجتمع الدولي» بدوله الكبرى، فإن الكِِبْر يجمعها، والمصالح تفرقها، وهي وإن تلاقت مصالحها مع العرب حينًا، فإن غلبة العداوة تتغلب عليها أحيانًا، ولا نستثني من ذلك الروس أو الصينيين، فلم يحدث أن أنصفوا المسلمين عمومًا والعرب خصوصًا في أية قضية من قضاياهم المعاصرة، مع كامل قدرتهم على ذلك، لا بل إن سياسة الروس على وجه الخصوص، كانت دائمًا الطعن في الظهر، مع التبسم في الوجه.

وخلاصة تلك المواقف، هي أن أهل السنة بعامة، والعرب منهم خاصة، هم مجمع عداء الجميع، وموضع مكر الجميع، في الماضي والحاضر والمستقبل، وعليهم جميعًا أن يعوا درس التاريخ في ذلك.

بين الفرس والروم... إطلالة تاريخية ضرورية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت