فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 3028

ربما يحتاج المقام في هذا المقال إلى إعادة وصفي (الفرس) و (الروم) للتعبير بهما عن الإيرانيين وأشباههم من جهة، وعن الأوروبيين والأمريكيين من جهة أخرى، ولا غضاضة عندنا ولا عند الأطراف المعنية في ذلك، فالإيرانيون لا يزالون ينتسبون إلى الفرس عنصريًا، وكان الفرس على مرّ الزمان فيهم مؤمنون أبرار، وفيهم منافقون، وفجار، وكفار، والإيرانيون اليوم يتيهون فخرًا بحضارة فارس، ولغتها، ومقدساتها. وقد كانت إيران حتى مجيء الشاه رضا بهلوي تسمى (بلاد فارس) ، ولا يزال العالم يستغرب من إصرار إيران على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي.

والعرب قبل الإسلام، كانوا يبادلون الروم الشعور بالتعالي العنصري، فقد كانوا على ذلتهم وقلتهم يستنكفون أن يصاهروا العجم، حتى ولو كان العرب أدنى منهم وتحت هيمنتهم، ولما طلب (كسرى إبرويز) إحدى النساء من أسرة (ابن المنذر) ليتزوجها، رفض النعمان تزويجها لأعجمي، فاستعظم ذلك من أحد عماله، وعزم على الفتك بالنعمان، فتحالفت القبائل العربية مع المناذرة ضد الفرس، ووقعت معركة (ذي قار) التي انتصر فيها العرب على الفرس لأول مرة في التاريخ.

وقد درجت الشعوب على الاعتزاز بأصولها العنصرية مهما اختلفت أطوارها الاعتقادية، فالفرس سيظلون فرسًا، والعرب سيبقون عربًا، والروم هم الروم، إلا أن الإسلام أراد قطع دابر التدابر والاختلاف والتفاضل بشأن تلك الانتماءات العنصرية التي لا اختيار للإنسان فيها، ودلَّ الناس على التنافس بما هو في وسع الإنسان وقدرته. قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: «عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام. قال راوي الحديث: قلت: الروم؟ قال: نعم!» (1) ، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ «تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون الروم، فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله» ، قال نافع: يا جابر! لا أرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم» (2) ، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ» (3) ، وقال صلى الله عليه وسلم: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» (4) وقال: «ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم» (5) .

وأما الروم الأوربيون الغربيون، ومن تفرع عنهم من الأمريكيين، فوصفهم بالروم قديمًا، يبدو أنه سيعاد استعماله كلما تقارب الزمان، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، وتقاتلون معهم عدوًا من غيركم...» (6) .

والروم عند العرب هم: الأمة التي تتكون من اليونان والرومان، المنحدرين من الأصل اللاتيني، وأول مواطنهم إيطاليا حاليًا بعاصمتها (روما) . وبعد انتشارهم شرقًا وغربًا، كان العرب يطلقون على سكان أوروبا وآسيا الصغرى اسم الروم، دون نظر إلى الأصل اللاتيني، وباستمرار اتساع وجود الروم؛ هيمنوا على منطقة الشام، وكان العرب ينظرون إليها على أنها جزء من سلطان الروم.

وأما الفرس، فموطنهم القديم هو أرض إيران، فإيران تنسب إلى قبائل (الآريين) التي هاجرت من موطنها الأصلي جنوبي بحر الآرال إلى الهضاب المرتفعة أسفل بحر قزوين، فإيران معناها: موطن الآريين.

والجنس الآري والجنس السامي، هما الجنسان الرئيسان اللذان يعدهما العديد من المفكرين الغربيين أساس تقسيم شعوب العالم، ويذهب الكثير منهم إلى أن الجنس الآري متفوق على الجنس السامي، عقليًا ونفسيًا، وهذه النظرة العنصرية التي تنطلق من تفوق العرق أو العنصر الآري، هي نفسها التي كان ينظر بها هتلر والنازية الألمانية، في سلوكهم العنصري المتعالي على البشر، وهي ذاتها التي كان ينظر بها الفرس إلى كل من: العرب والروم.

«يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (7) .

ولقد كانت الصراعات سجالًا بين الفرس والروم، وكانت أكثر الأطراف الحاضرة في الصراع القديم هي نفسها الأطراف المتنافسة حاليًا عرقيًا ودينيًا: فرس، وروم، وعرب، ويهود، ووثنيون، وكانت ساحة الصراع في الغالب تلك الأراضي الممتدة بين العراق، والشام، ومصر، وشرق جزيرة العرب.

ولما وقعت المنازلات بين المسلمين والروم في صدر الإسلام، كانت على أرض الشام، ولما أقبل المسلمون على نزال الفرس كانت المعارك الأولى على أرض العراق. فرحى التنافس التاريخي بين الفرس والروم، كانت دائمًا تلك المناطق الثلاث من بلاد العرب، واليوم تكاد تتكرر الصورة، ونرى العراق أصبح ساحة تنافس بين الفرس والروم المعاصرين، دون أي اعتبار لسكان البلاد الأصليين، وكذلك تزداد ملامح التنافس بينهما على الشام وشرق الجزيرة العربية لتكشف أن هناك استقطابًا بين المتحالفين مع الفرس، وبين المتحالفين مع الروم.

ومن العجيب أن فارس والروم سيظلان عدوًا للمسلمين في العراق والشام، حتى إن الحصار الشديد الذي يفرض وسيفرض على المسلمين في البلدين، سيكون منهما، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أىن ذلك؟ قال: من قِبَل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يجلب إليهم دينار ولا مدى، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل الروم» (8) .

وهناك فصول من التاريخ: قديمه، ووسيطه، وحديثه تحكي طبيعة ذلك الصراع المزمن، الذي إن تجمَّد مرة بين بعض الأطراف، فإنه سرعان ما يعود مرات وكرات. وسأذكر أبرز تلك المحطات بدءًا من الزمن القديم، مرورًا بالوسيط، ووصولًا للعصر الحديث؛ لكي نربط ذلك بعصرنا الراهن، وربما ما يأتي بعده.

ـ خضعت قبائل الآريين أو الإيرانيين الأوائل في البداية لحكم الآشوريين في العراق، ثم لم يلبثوا أن استقلوا عنهم، ثم انقلبوا عليهم، وبعد نهوض الفرس كدولة قوية، تحولوا في عهد الحاكم الفارسي (قورش الإخميني) إلى إمبراطورية، تأسست قبل 550 سنة من ميلاد المسيح عليه السلام، وكان اليهود آنذاك في السبي البابلي في العراق، فأعادهم قورش إلى فلسطين عام 538 قبل الميلاد، بعد أن كان الملك البابلي (بختنصر) قد أجلاهم من بيت المقدس إلى بابل وهو ما أنشأ تقاربًا بين الفرس واليهود.

ـ بدأ الصراع المبكر بين الفرس والروم منذ عهد اليونان، وقد تمكن الفرس من إثارة الفتن بين الروم القدامى من اليونانيين، حتى تحارب شعبا إسبرطة وأثينا حروبًا استمرت نحو 150 عامًا، وظل الفرس إلى سنة 334 قبل الميلاد القطب الوحيد في العالم، قبل أن تنشأ للروم قوة عالمية وثنية مضادة؛ وذلك عندما ظهر الإسكندر الأكبر، كأعظم قائد تاريخي في أوروبا أسس إمبراطورية كبرى، وأسقط دولة الفرس عام 334 قبل الميلاد، ليصبح الروم هم القطب الأول والوحيد في العالم.

ـ بعد موت الإسكندر، ضعفت إمبراطوريته، وقسمت بين قادته، وصارت فارس تحت هيمنة أحدهم باسم (الدولة السلوقية) التي ضمت: إيران، والعراق، والشام، وآسيا الوسطى لمدة ثمانين عامًا، وهو ما اعتبر هيمنة رومية على بلاد الفرس وما حولها. غير أن تلك الهيمنة زالت على يد القائد الفارسي (أرشك) الذي هزم السلوقيين، وأقام الدولة الأرشيكية الفارسية التي استمرت نحو خمسة قرون من 247 قبل الميلاد إلى 224 للميلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت