ـ قامت بعد الأرشيكيين دولة الساسانيين، بعد أن أسسها الحاكم الفارسي (أردشير) في عام 224 من ميلاد المسيح عليه السلام، وقد أحيا ذلك الحاكم حضارة الفرس، وبعث الديانة الزرادشتية (1) ، وخلفه في الحكم ابنه شابور الذي قهر الإمبراطورية الرومنية، وأسر الإمبراطور الروماني عام 260 للميلاد، وفي عهد شابور ظهرت الديانة المانوية (2) ، وقد دان الإيرانيون بعد تلك الديانة القادمة من العراق بديانة أنكر وأكثر وثنية وهي (المزدكية) الداعية إلى الشيوعية في الأموال والنساء؛ التي ظهرت في عهد الإمبراطور (هرمز) الذي خلف شابور، وقد تسببت تلك الديانة في انهيار وانحدار الأمة الإيرانية.
ـ وظل الإيرانيون على ذلك التخلف الحضاري حتى قُرب مجيء الإسلام، حيث كان على رأس السلطة آنذاك كسرى أنو شروان، حيث قضى ذلك الإمبراطور على الديانة المزدكية، وحاول أن يعيد الاستقرار إلى إيران، وفي فجر الإسلام وقعت صدامات كبرى بين الفرس والروم، تغلب الفرس الوثنيون فيها أولًا على الروم النصارى، ثم كانت الغلبة للروم، كما أخبر القرآن بعد بضع سنين، وقد بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى كسرى بن هرمز برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، إلا أن ازدراء الكبرياء الفارسي للعرب، جعله يسخر من الرسالة ومرسلها ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فمزق كسرى الرسالة، فدعا عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يمزق الله ملكه كل مُمَزَّق (3) .
ـ شاء الله أن يكون الاقتتال الأخير في فجر الإسلام بين الفرس والروم، إضعافًا لوجود الطرفين على أطراف الجزيرة العربية، وهو ما مهد للمسلمين أن يقاتلوهما معًا على التوحيد، فلم يكد يمضي على وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر سنين، حتى غزا المسلمون أرض فارس، لينتصر العرب تحت راية الإسلام على الفرس انتصارًا عظيمًا كسر كبرياءهم، وأطفأ نارهم التي كانت تعبد من دون الله، وذلك في عهد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الذي أصبح اسمه غُصة في حلق كل فارسي مجوسي، لا يؤمن بالله ورسوله حق الإيمان.
ـ وبدخول المسلمين المدائن عاصمة الفرس، سقطت دولة الساسانيين التي استمر حكمها مدة 416 سنة، ودخلت جموع من الفرس في الإسلام صادقين، إلا أن جموعًا أخرى ظلت حاقدة على الإسلام، رغم دخولها الظاهري فيه؛ فقد احترقت قلوبهم بسبب انطفاء نار فارس على يد العرب، الذين كانوا بالأمس في ظل جاهليتهم عبيدًا أذلاء، فأصبحوا في رحاب الإسلام سادة أعزاء، وفاتحين أقوياء، بدؤوا فتوحهم خارج الجزيرة ببلاد فارس بعد الانطلاق من العراق.
ـ ظل العراق موضع سخط المنافقين من الفرس، وغدا حلقة جديدة من حلقات الازدراء العنصري للعرب، وخاصة أنه أصبح إحدى حواضر المسلمين العامرة بعد فتحه، وهو ما أنشأ نوعًا من التعاون بين الحاقدين من الفرس والحاسدين من اليهود على الدعوة الإسلامية، فانبرى أحد اليهود ذوي القلوب السوداء، وهو عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، فأطلق دعوة للتفريق بين المسلمين، وبعد أن أظهر الدخول في الإسلام نفاقًا، سعى بالإفساد والفرقة؛ بالغلو في تقديس بعض الصحابة من جهة، والغلو في الحط من قدر بعضهم الباقي من جهة أخرى، وكانت دعوى الانحياز والتشيع لأهل البيت ضد غيرهم من الصحابة، أساس دعوة ذلك اليهودي كما هو معروف، وقد تفاعلت جرعات السم التي دسها ابن سبأ في الجسد الإسلامي، حتى تفاقمت الفتن وكان أولها وأشدها، فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ـ ساغ لكثير من الفرس أن يعتنقوا المذهب الشيعي على خلفية البغض للعرب، واكتسى ذلك البغض العنصري بلون ديني، يصور جمهور العرب بأنهم تآمروا على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى أهل بيته، وأصبحت كلمة (النواصب) : أي الذين ناصبوا عليًا ـ رضي الله عنه ـ وآل البيت العداء، معبرة عندهم عن المسلمين من العرب السنة. وظل الشيعة فرسًا وعربًا ـ على الرغم من تعالي فُرسهم على عربهم ـ مُعادين لكل الخلفاء والأمراء من غير الشيعة طيلة حكم الدولة الأموية، وقد ساعدوا في إسقاطها؛ تأييدًا للدولة العباسية التي انتسب مؤسسوها إلى أهل البيت.
ـ بعدما قامت الدولة العباسية ـ نسبة إلى العباس عمّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ تغلغل الفرس في أجهزتها، حتى أصبح البرامكة الفرس من ذوي الشأن والمكانة فيها، ومن وقتها بدأت شوكة الفرس تقوى، وصارت هناك دويلات مستقلة عن الحكم العربي، منها دولة الطاهريين، ودولة الصفاريين، ودولة الزياريين. ثم جاءت دول تحكمها أسرٌ من الأتراك القريبين من الفرس، كالغزنويين والخوارزميين، وبالرغم من أن الفرس كانوا طوال تلك الحقب من أهل القبلة الإسلامية، سواء كانوا في مذاهب سنية أو شيعية؛ إلا أن الاعتداد بالعنصر الفارسي، لم يفارق الأكثرية منهم إلا من رحم الله، من الذين عرفوا بحق أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى.
ـ في حملة الروم الكبرى على الشرق الإسلامي، والمعروفة في التاريخ بـ (الحروب الصليبية) والتي بدأت عام 488 هـ ـ 1095م، كانت الشام ومصر خاضعتين لحكم العبيديين الشيعة المسمين بـ (الفاطميين) وكان بين الروافض وبين أمراء السلاجقة الأتراك السنة، صراع وتنافس؛ ولهذا شجع الروافض قدوم الصليبيين إلى الشام، أملًا في تدمير إمارات السلاجقة، وبدأ هؤلاء الروافض يسهلون للصليبيين ويرحبون بقدومهم (1) .
ـ وعندما غزا المغول الشرق الإسلامي بعد غزوهم للصين، كانت إيران من أوائل المناطق التي اجتاحوها، ثم واصلوا الزحف حتى العراق، فأسقطوا دولة الخلافة العربية العباسية، وكان مقدم المغول إلى عاصمة الخلافة غير بعيد عن إغراءات الشيعة لهم بذلك، حيث أرادوا إحلال خليفة شيعي بدلًا من الخلفاء السنة، رغم تقريب بعض هؤلاء السنة لهم عن غفلة أو تغافل، وقد كان لـ (نصير الدين الطوسي) الفارسي، و (مؤيد الدين بن العلقمي) وأشباههما وحلفائهما من الفرس، دور كبير في التغرير بالمسلمين في العراق، وإغراء الأعداء التتار الوثنيين بهم. وبعد العراق استباح التتار بلاد الشام، وطفقوا يستعدون لغزو مصر، إلا أن شوكتهم كُسِرَتْ عند (عين جالوت) سنة (658هـ) ، وارتدوا على أدبارهم، فغادروا الشام ثم العراق، وأنشؤوا لهم دولة في الشمال الغربي لإيران، وهي (الدولة الإيليخانية) التي اتخذت (تبريز) عاصمة لها.
ـ انتعشت الرغبة في الغزو عند المغول مرة أخرى، بعد دخولهم في الإسلام على دَخَل، فبعد إسلام قائدهم (قازان) حفيد هولاكو، سيطروا على جزء كبير من غرب إيران ردحًا من الزمن، ثم غزا الحاكم المغولي التركي (تيمور لنك) بقية بلاد فارس عام (1405م) ، ثم انتقل عبر العراق إلى الشام، واجتاح آسيا الوسطى، وظلت إيران تحت حكم التيموريين السُنة حتى حدث التغيير الجذري في عهد الصفويين.